70- وحدث السيدة الجليله
|
| خديجة الكبرى فأحصت قيله
|
ثم رأت خديجة من النبي ﷺ في التجارة ربحا ضعف ما كان يربحه غيره (ورغبت) في نكاحه ﷺ (فخطبت) سيد الناس (محمدا) أي طلبت الزواج منه ﷺ وكان عمرها نحو أربعين سنة (فيا لها) أي عجبت من شأنها (من خطبة) كانت (ما أسعدا) أي ما أسعدها من خطبة، فقد نالت بها خديجة خيرا عظيما.
وقد زوجها منه ﷺ أبوها خويلد، وقيل: أخوها عمرو بن خويلد، وقيل: كان أبوها قد مات فزوجها منه عمها عمرو بن أسد، وهو الذي جزم به الطبري([1]).
وروى ابن سعد([2]) في قصة خطبتها عن نفيسة بنت منية قالت: كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط قريش نسبا([3]) وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالا، وكل قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك قد طلبوها وبذلوا لها الأموال، فأرسلتني دسيسا إلى محمد بعد أن رجع في عيرها من الشام فقلت: يا محمد، ما يمنعك أن تزوج؟ فقال: «ما بيدي ما أتزوج به»، قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال: «فمن هي؟» قلت: خديجة، قال: «وكيف لي بذلك؟» قالت: قلت: علي، قال: «فأنا أفعل»، فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا وكذا، وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها([4]).
(وكان إذ زوجها)([5]) النبي ﷺ (ابن خمس) من السنين (من بعد عشرين) سنة وفوقها شهران وعشرة أيام، وكانت عمرها أربعين سنة يومها وقيل أقل([6])، والقول في سنه ﷺ وقتذاك هو الذي جرى عليه الناظم وقال إنه ثابت (بغير لبس) أي بلا شك أو اشتباه، وذلك موهم بأنه لا خلاف في ذلك، والصواب أن وراء ذلك أقوال أخر، فقيل: كان سنه يومئذ ثلاثين سنة، وقيل: إحدى وعشرين سنة، لكن الذي جرى عليه الناظم هو الأثبت([7]).
وقد أصدقها النبي ﷺ اثنتي عشرة أوقية ونشا([8]) ذهبا، وقيل: عشرين بكرة([9])، وبقيت عنده قبل الوحي خمس عشرة سنة وبعده إلى ما قبل الهجرة بثلاث سنين وماتت ولرسول الله ﷺ تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وكانت له وزير صدق.
([1]) تاريخ الرسل والملوك، ابن جرير الطبري، (2/282).
([2]) الطبقات الكبرى، أبو عبد الله بن سعد، (1/131).
([3]) أوسط القبيلة أعرفها وأولاها بالصميم وأبعدها عن الأطراف والوسيط، لأن الآباء والأمهات قد أحاطوا به من كل جانب فكان الوسط من أجل هذا مدحا في النسب بهذا السبب. ينظر: الروض الأنف، أبو القاسم السهيلي، (2/237).
([4]) العير ما يحمل عليه الطعام من قوافل والإبل والبغال والحمير.
([5]) كانوا توارثوا كيفية عقد النكاح الصحيح، فكانت أنكحتهم على هذا المعنى مما تعلمه أسلافهم من شريعة إبراهيم عليه السلام ونشأوا عليه، فتكون أنكحتهم صحيحة ونسبة أبنائهم إليهم صحيحة، فيقال: أبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، فلو كانت أنكحتهم فاسدة لما صحت نسبتهم لآبائهم ولكانوا أولاد زنى.
([6]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (2/166).
([7]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (1/17).
([8]) نشا بفتح النون وتشديد المعجمة أي نصفا، وجملة ذلك خمسمائة درهم إسلامية لأن الأوقية أربعون درهما. ينظر: بهجة الـمحافل وبغية الأماثل، يحيـى العامري، (1/48).