الأربعاء يناير 28, 2026

فصل في جواز الاحتفال بمولد رسول الله ﷺ

ليعلم أنه يحسن الفرح بيوم ميلاد النبي ﷺ، فإنه ابتهاج بيوم ولد فيه رسول الرحمة ونبي الهدى والنور، وإمام الأنبياء والمرسلين، فأعظم بذلك اليوم وأكرم به وأنعم.

ثم إن الاجتماع على قراءة قصة مولده ﷺ لهو اجتماع على مجموعة رحمات وبركات وخيرات ومبرات، وذلك لأن قصة المولد الشريف مشتملة على تلاوة ءايات من القرءان الكريم، وذكر لإكرام الله تعالى رسوله ﷺ وعنايته به وتوليه له وحفظه.

كما أنها تشتمل على ذكر محاسن سيدنا محمد الخلقية والخلقية، وتشتمل على الصلوات والتسليمات وعلى القصائد والمدائح النبوية وعلى الدعوات والابتهالات إلى الله تعالى، وإن كل واحد من هذه الأمور مشروع وقربة محبوبة، وعلى هذا جرى العلماء العاملون والأتقياء الصالحون كما قال الحافظ السخاوي: «لا زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والـمدن الكبار يحتفلون في شهر مولده ﷺ بعمل الولائم البديعة الـمشتملة على الأمور الرفيعة، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويظهرون السرور ويزيدون في الـمبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم».

وقال الحافظ شيخ القراء أبو الخير بن الجزري رحمه الله تعالى: «من خواصه([1]) أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والـمرام».

وأول من أحدث هذه البدعة الحسنة الـملك الـمظفر ملك إربل، وكان له ءاثار حسنة منها أنه كان يطعم ءالافا من الناس، ويقدم الهدايا والعطايا، ويطلق الأسرى حبا برسول الله ﷺ، وجرت هذه السنة الحسنة في أقطار البلاد الإسلامية ولا تزال إلى يومنا هذا ولله الحمد.

وقد صنف الشيخ أبو الخطاب بن دحية الكلبي كتابا له في المولد سماه «التنوير في مولد البشير النذير» فأجازه الـملك الـمظفر بألف دينار. وقال الحافظ السيوطي في «حسن الـمقصد» ما نصه: «أشار عليه السلام إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين: «ذاك يوم ولدت فيه»، فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي ولد فيه، فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما فضل الله به الأشهر الفاضلة وهذا منه».

 

ونختم هذا الفصل بقول الله عز وجل: {وذكرهم بأيام الله} أي بالنعم التي أنعم الله بها عليهم، ولا شك في عظم نعمة وجود النبي محمد ﷺ وقد أمر الله تعالى عباده أن يعظموا رسوله ﷺ فقال: {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولـئك هم المفلحون}، فمعنى {وعزروه} عظموه وبجلوه([2]).

ذكر بعض العجائب التي ظهرت لولادته ﷺ

44- وقد رأت إذ وضعته نورا
45- قصور بصرى قد أضاءت ووضع

 

 

خرج منها رأت القصورا
بصره إلى السماء مرتفع

 

(وقد رأت) ءامنة بنت وهب رضي الله عنها (إذ) أي حين (وضعته) أي ولدت النبي ﷺ (نورا) عظيما (خرج منها) فأضاء وانتشر حتى (رأت) بطريق خرق العادة (القصورا) والألف للإطلاق، وهي (قصور بصرى) الشام التي تبعد عن مكة أكثر من سبعمائة ميل، و(قد أضاءت) تلك القصور من ذلك النور الذي خرج من ءامنة، كما ورد ذلك في عدة أخبار عند أحمد وغيره([3]).

(ووضع) أي ولدته أمه ﷺ فنزل من بطنها واضعا يديه على الأرض وهو شاخص أي (بصره) مصوب (إلى) جهة (السماء مرتفع) لكونها من الآيات الباهرة الدالة على وحدانية الله تعالى، ولأنها مهبط الوحي ومسكن الملائكة، لا أن الله يسكن السماء أو فوقها أو غير ذلك من الأماكن، فهو تعالى لا يحتاج إلى شيء، كان تعالى أزلا قبل المكان بلا جهة ولا مكان ولا كيف، وما زال بعد خلق المكان كما كان أزلا وأبدا بلا مكان ولا جهة، قال تعالى: {فإن الله غني عن العالمين}، [ءال عمران: 97]، وقال أيضا: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} [فاطر: 15].

اختلاف العلماء في وقت وفاة والد النبي ﷺ

46- مات أبوه وله عامان
47- عن قدر ذا بل صح كان حملا

 

 

وثلث وقيل بالنقصان
…………………………………..

 

 و(مات) عبد الله (أبوه) أي والد النبي ﷺ، وكان عبد الله ابن خمس وعشرين سنة، وقيل: ثلاثين، وقيل: ثمانية وعشرين، وقيل: ثمانية عشر، كما صححه الحافظ العلائي (و)النبي (له) من العمر وقت ذلك (عامان وثلث وقيل بالنقصان عن قدر ذا) أي كان عمره أقل من ذلك، فقيل: كان ابن سبعة أشهر، وقيل: ابن شهرين، وقيل: في المهد، قال السهيلي والدولابي([4]): «وعليه الأكثر» اهـ. (بل صح) عند الحاكم في «المستدرك» أنه ﷺ (كان) وقتئذ (حملا) في بطن ءامنة رضي الله عنها.

([1]) أي من خواص العناية بقراءة مولده الكريم والاحتفال بشهر مولده ﷺ.

([2]) قد أفردنا بفضل الله مصنفا في بيان جواز الاحتفال بمولد النبي r أسميناه «الكوكب الـمنير في جواز الاحتفال بمولد الهادي البشير» فلينظر.

([3]) وردت أحاديث باطلة في الكلام على أن النبي خلق من نور وأن هذا النور هو أول المخلوقات، ومن ذلك ما نسب رواية إلى الحافظ عبد الرزاق – ولم يثبت عنه – وينسبون الحديث إلى جابر رضي الله عنه أنه قال: «قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء؟ قال: يا جابر، إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء» إلى ءاخر الحديث المكذوب، فإن له بقية طويلة أكثر من هذه بأضعاف، قال الحافظ السيوطي في «الحاوي للفتاوى» عن هذا الحديث: «ليس له إسناد يعتمد عليه» اهـ.

ولأهل السنة أدلة كثيرة في إثبات أن رسول الله محمدا r بشر من بشر وأن له جسدا ليس نورا حقيقيا وأن الماء هو أول المخلوقات وليس النور، منها قول الله عز وجل: {قل إنما أنا بشر مثلكم} [الكهف: 110] قال الفخر الرازي في تفسيره (16/178): «والمقصود أنه لو كان من جنس الملائكة لصعب الأمر بسببه على الناس على ما مر تقريره في سورة الأنعام» اهـ. والملائكة خلقوا من نور كما في حديث عائشة مرفوعا: «خلقت الـملائكة من نور» فهو إذا ليس من نور.

([4]) بفتح الدال نسبة إلى قرية دولاب بالري، وأما ضم الدال نسبة إلى الدولاب المعروف فخطأ كما ذكره ابن القيسراني في «المؤتلف والمختلف» والسمعاني في «الأنساب» والسيوطي في «لب اللباب».