الأربعاء فبراير 18, 2026

فصل في بيان أن صوت المرأة ليس بعورة

في الأثر السابق دليل على أن صوت المرأة ليس بعورة إلا لمن كان يتلذذ بسماع صوتها فيحرم عليه هو الاستماع حينئذ.

فإن قيل: أليس في قوله تعالى: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض} تحريم الاستماع إلى صوت المرأة؟

فالجواب: أن الأمر ليس كذلك، فقد قال القرطبي في تفسيره: «أمرهن الله([1]) أن يكون قولهن جزلا وكلامهن فصلا ولا يكون على وجه يظهر في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين كما كانت الحال عليه في نساء العرب([2]) من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه مثل كلام الـمربيات والـمومسات، فنهاهن عن مثل هذا» اهـ.

وقال أبو حيان في «البحر المحيط»: {فلا تخضعن بالقول}: «قال ابن عباس: «لا ترخصن بالقول»، وقال الحسن: «لا تكلمن بالرفث»، وقال الكلبي: «لا تكلمن بما يهوى الـمريب»، وقال ابن زيد: «الخضوع بالقول ما يدخل في القلب الغزل([3])»، وقيل لا تلن للرجال القول» اهـ.

وكذلك في الآية: {فيطمع الذي في قلبه مرض} تدل على حالة خاصة وهي حالة الرجال الذين يتلذذون بسماع صوت المرأة، فهؤلاء يحرم عليهم أن يستمعوا إلى صوت المرأة وليس الأمر على كل الرجال.

فيعلم من ذلك أنه ليس المراد بهذه الآية أنه يحرم عليهن أن يتكلمن بحيث يسمع الرجال أصواتهن، بل النهي عن أن يتكلمن بكلام رخيم يشبه كلام الـمريبات الـمومسات أي الزانيات. وصح عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تدرس الرجال من وراء ستار، فقد ذكر الحافظ العسقلاني في «التلخيص الحبير» ما نصه: «فإنه ثابت في الصحيح أنهم كانوا يسألون عائشة عن الأحكام والأحاديث مشافهة» اهـ.

وروى الحاكم في «المستدرك» عن الأحنف بن قيس قال: «سمعت خطبة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم والخلفاء هلم جرا إلى يومي هذا، فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من في عائشة رضي الله عنها» اهـ. وقد عاش الأحنف إلى عام 72هـ زمان بني أمية.

وكم في كتب السنن من نقل الصحابة عن أمهات الـمؤمنين مباشرة لأحوال وأقوال رسول الله ﷺ.

وقال العمراني في «البيان»: وروت عائشة رضي الله عنها أن هند امرأة أبي سفيان جاءت إلى النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني وولدي إلا ما ءاخذه منه سرا ولا يعلم فهل علي في ذلك شيء؟ فقال ﷺ: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» قال أصحابنا: وفي هذا الخبر فوائد»، ذكر منها ستة عشر بينها «السابعة: أن صوت المرأة ليس بعورة» ا.هـ.

وبمثل ذلك صرح من الشافعية: النووي في «الـمجموع» والبدر الزركشي في «خبايا الزوايا» والمنهاجي الأسيوطي في «جواهر العقود» وزكريا الأنصاري في «أسنى الـمطالب» والخطيب الشربيني في «مغني الـمحتاج» والشيخ عميرة في «حاشيته على كنز الراغبين» والغمراوي المصري في «السراج الوهاج» والدمياطي في «إعانة الطالبين» وغيرهم.

ومن الحنفية: ابن نجيم في «البحر الرائق» وبدر الدين العيني في «عمدة القاري بشرح صحيح البخاري» والطحطاوي في حاشيته على «مراقي الفلاح» وابن عابدين في حاشيته «رد المحتار على الدر المختار» وغيرهم.

ومن المالكية: العدوي في حاشيته على «شرح الخرشي» والدسوقي في حاشيته على «الشرح الكبير» واللقاني في «فتاويه» وغيرهم.

ومن الحنابلة: ابن أبي هبيرة في «الإفصاح» والـمرداوي في «الإنصاف» والبهوتي في «شرح منتهى الإرادات» وغيرهم.

وقال العراقي في «طرح التثريب» ما نصه: «صوت المرأة ليس بعورة إذ لو كان عورة ما سمعه النبي ﷺ وأقر أصحابه على سماعه»([4]).

إقامة النبي ﷺ في دار أيوب الأنصاري رضي الله عنه

روى مسلم في «صحيحه» عن أفلح مولى أبي أيوب عن أبي أيوب أن النبي ﷺ نزل عليه([5])، فنزل النبي ﷺ في السفل([6]) وأبو أيوب في العلو، فانتبه أبو أيوب ليلة فقال: نمشي فوق رأس رسول الله ﷺ فينتثر التراب من وطء أقدامنا عليه، فتنحوا فباتوا في جانب، ولم يزل أبو أيوب ساهرا حتى أصبح، فأتاه فقال: يا رسول الله إني أخشى أني كنت ساكنا فوق رأس النبي ﷺ فينتثر التراب من وطء أقدامنا عليك، وإنه أطيب لنفسي أن أكون تحتك في أسفل البيت، فقال النبي ﷺ: «السفل([7]) أرفق([8])»، فقال أبو أيوب: لا أعلو سقيفة أنت تحتها، ولم يزل أبو أيوب يتضرع إليه ﷺ حتى انتقل النبي ﷺ إلى العلو وأبو أيوب إلى السفل، فكان يصنع للنبي ﷺ طعاما فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه فيتتبع موضع أصابعه([9])، فصنع له طعاما فيه ثوم، فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع النبي ﷺ، فقيل له: لم يأكل، ففزع وصعد إليه فقال: أحرام هو؟ فقال النبي ﷺ: «لا ولكني أكرهه»، قال: فإني أكره ما تكره، قال: وكان النبي ﷺ يؤتى([10]).

قال الحافظ النووي: «قال العلماء: في هذا أنه يستحب للآكل والشارب أن يفضل مما يأكل ويشرب فضلة ليواسي بها من بعده لا سيما إن كان ممن يتبرك بفضلته، وكذا إذا كان في الطعام قلة ولهم إليه حاجة، ويتأكد هذا في حق الضيف لا سيما إن كانت عادة أهل الطعام أن يخرجوا كل ما عندهم وتنتظر عيالهم الفضلة كما يفعله كثير من الناس، ونقلوا أن السلف كانوا يستحبون إفضال هذه الفضلة المذكورة، وهذا الحديث أصل ذلك كله» اهـ.

([1]) يعني: نساء النبي.

([2]) أي: في الجاهلية.

([3]) أي: ما يجر إلى التلذذ المحرم.

([4]) طرح التثرشيب في شرح التقريب، زين الدين العراقي، (6/57).

([5]) أي: في بيته.

([6]) أي: من البيت.

([7]) بكسر السين وضمها.

([8]) أي: بأصحابه وقاصديه أو بصاحب الدار.

([9]) وهذا دليل صريح على جواز التبرك بآثار الأنبياء والأولياء والصالحين.

([10]) أي: تأتيه الملائكة بالوحي ولغير لذلك.