مما تلهج به ألسنة بعض العوام ولا أصل له بل هو فاسد قولهم: «ورد في الحديث: «الكلام في الـمسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» ونحوه ذلك قول بعضهم: «الحديث في الـمسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش»، وأشنع من ذلك قول ءاخرين: «الكلام الـمباح في الـمسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» فنسبة هذا إلى الرسول ﷺ كذب وافتراء لأن هذا الكلام مخالف للثابت في السنة ومصادم للإجماع، فقد روى البخاري أن رجلين من الصحابة كان لأحدهما دين على الآخر فاختصما في ذلك حتى ارتفعت أصواتهما في مسجد رسول الله ﷺ فقال الرسول ﷺ للدائن أن يسقط النصف ففعل ذلك، ولم ينكر عليهما ﷺ كلامهما في المسجد ولا وبخهما.
قال الحافظ النووي([1]): «يجوز التحدث بالحديث الـمباح في الـمسجد وبأمور الدنيا وغيرها من الـمباحات وإن حصل فيه ضحك ونحوه ما دام مباحا».
وكذلك الأكل في المسجد لا بأس به إن كان حلالا، فقد جاء في الحديث الذي رواه ابن حبان في الصحيح وابن ماجه في «سننه» من حديث الحارث بن جزء الزبيدي قال: «كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في الـمسجد الخبز واللحم».
وأما النوم في المسجد فلا بأس به بل هو مباح لذاته، ويروى أن ابن عمر كان يبيت في المسجد زمان النبي ﷺ وهو عزب، وروى البيهقي في «السنن الكبرى» أن سعيد بن المسيب سئل عن النوم في الـمسجد فقال: فأين كان أهل الصفة؟!
وقال الحافظ النووي([2]): «يجوز النوم في المسجد ولا كراهة فيه عندنا، نص عليه الشافعي رحمه الله في «الأم» واتفق عليه الأصحاب».
385- قد وسع الناس ببسط الخلق
|
| فهـم سواء عنده في الحق
|
ومن شمائله ﷺ أنه (قد وسع) أي شمل (الناس ببسط) أي ببشر (الخلق) وطلاقة الوجه وكرم الأخلاق (فهم سواء عنده في الحق) إذ هو ﷺ أعدل الناس ولا يجوز عليه أن يظلم صاحب حق من أجل صلة قرابة أو غير ذلك. وقد روى ابن ماجه في «سننه» وغيره عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ بالجعرانة وهو يقسم التبر والغنائم وهو في حجر بلال([3])، فقال رجل: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل، فقال ﷺ: «ويلك، ومن يعدل بعدي إذا لم أعدل» الحديث.
فقول هذا الرجل للنبي ﷺ «اعدل يا محمد فإنك لم تعدل» هو كفر صراح، لأنه طعن في عدالة النبي ﷺ، وسب النبي والطعن فيه كفر بالإجماع، نقل ذلك الفقيه أبو بكر الفارسي تلميذ تلامذة الإمام الشافعي رضي الله عنه([4]) والشهاب الأذرعي([5]).
وقد حاول بعض الشراح تكلف التأويل الذي لا دليل عليه فقالوا: «فلعله ﷺ لم يعاقب هذا القائل لأنه لم يثبت عليه ذلك وإنما نقله عنه واحد، وشهادة الواحد لا يراق بها الدم»، فأجاب عن ذلك الحافظ النووي قائلا([6]): «قال القاضي عياض: هذا التأويل باطل يدفعه قوله: «اعدل يا محمد واتق الله يا محمد»، وخاطبه خطاب الـمواجهة بحضرة الـملإ حتى استأذن عمر وخالد النبي ﷺ في قتله، فقال ﷺ: «معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه([7])» فهذه هي العلة، وسلك معه ﷺ مسلكه مع غيره من المنافقين الذين ءاذوه وسمع منهم في غير موطن ما كرهه لكنه صبر استبقاء لانقيادهم([8]) وتأليفا لغيرهم لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه فينفروا» اهـ.
وقال الـملا الكوراني عقب ذكره هذا الحديث: «ومن لم يرض بفعل من أفعال رسول الله ﷺ كافر داخل في زمرة الكافرين» اهـ.
ثم هذه القصة جاءت عند غير ابن ماجه بلفظ القائل: «إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله» وهو كفر أيضا لتنقيصه النبي ﷺ ونسبته له إلى الظلم. وقد اختلف في القائل هل هو واحد والقصة متحدة أم أنهما قضيتان، فقال ابن علان في «شرح الأذكار»([9]): «وظاهر كلام القاضي عياض أن قائل: «هذه قسمة ما أريد بها» إلخ هو قائل: «اعدل يا محمد»، وقد عرفت من كلام ابن الـملقن والشيخ زكريا أنهما اثنان، فإن قائل: «اعدل» إلخ جاء في البخاري التصريح بأنه ذو الخويصرة التميمي، وقائل: «إنها قسمة» جاء في الصحيح أيضا التصريح بأنه من الأنصار وسماه الشيخ زكريا معتب بن قشير».
ومما يدل من القرءان على أن من رفض حكم رسول الله فهو كافر قول الله عز وجل: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65]، ويؤكد ذلك سبب نزول هذه الآية كما رواه الشيخان وبعض أصحاب السنن عن عروة بن الزبير أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج([10]) من الحرة([11]) يسقي بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه فاختصما عند النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ للزبير: «أسق([12]) يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك»، فغضب الأنصاري فقال: أن كان ابن عمتك؟! فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: «اسق([13]) يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر([14])»، فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك، الحديث.
ومن أدل الدليل على كرم أخلاقه ﷺ وسمو معاملته أنه ﷺ (ما انتهر) أي لم يزجر (الخادم) من خدمه أي لم يعنف أحدا منهم (قط) لتقصيره في الخدمة أو (فيما يأتيه) الخادم من صنع ما لم يكن المأتي به إثما (أو) أي ولم يكن يعذل أحدهم منتهرا له ثم (يتركه) أي الخادم (ملوما) فيحزن الخادم لذلك، بل كان يبدي لخدامه الرأفة ويعاملهم بالتواضع، حتى إنه ﷺ من شدة حيائه وبسط العشرة لخدامه لا يقول لأحد منهم (في صنعه) أي فعله (للشيء لم صنعته) كذا أو على هذا الوجه (و)لا يقول له في (تركه للشيء لم تركته) يا فلان، وهذا عين ما قاله أنس رضي الله عنه: «لقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين وأنا غلام ليس كل أمر كما يشتهي صاحبي أن يكون([15])، فوالله ما قال لي أف قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلت كذا؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا» رواه مسلم وأحمد وأبو داود.
وكان ﷺ بدل انتهار الخدمة يخفف عنهم و(يقول لو قدر شيء) أن يكون (كانا) ولا يرد ذلك شيء، وهذا معنى حديث البيهقي في «شعب الإيمان» عن أنس رضي الله عنه قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما أرسلني في حاجة قط، فلم يتهيأ لي إلا قال: «لو قضي لكان، ولو قدر لكان». وفي هذا الأثر فوائد كثيرة جمة، منها:
فأعظم بها من أخلاق محمدية شريفة، وخصال نبوية منيفة، فـ(ـسبحان) الله أي تنزه وتقدس الله عن مشابهة شيء من صفات المخلوقين فهو الله تعالى (من كمله) أي كمل نبيه محمدا ﷺ بالأوصاف الطاهرة السنية والأخلاق الباطنة العلية (سبحانا) والألف فيها للإطلاق.
فائدة: اختلف في أصل لفظ «سبحان»، والذي عليه كثير من أهل اللغة أنه نصب على المفعولية الـمطلقة بفعل مضمر تقديره: «أسبح الله تسبيحا» أي أنزهه عما لا يليق به. وروى الأزهري([17]) بإسناده إلى ابن الكواء سأل عليا رضي الله عنه عن «سبحان» فقال: «كلمة رضيها الله تعالى لنفسه([18]) فأوصى بها».
389- وفي الجلوس يحتبي تواضعا
|
| ومرة كالقرفصاء خاضعا
|
(و)كان ﷺ يتخذ (في الجلوس) هيئة الـمتواضعين – وهو ﷺ سيدهم – فـ(ـيحتبي) في جلوسه (تواضعا) لله تعالى، والاحتباء هو الجلوس على الأليين مع ضم الفخذين إلى البطن وجمع الساقين مع الظهر والبطن باليدين عوضا عن الثوب والحزام ونحوهما، والاسم الحبوة بضم الحاء وكسرها([19]).
أما احتباؤه بيديه فجاء في ذلك ءاثار منها ما رواه البخاري في «صحيحه» عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «رأيت رسول الله ﷺ بفناء الكعبة محتبيا بيده».
أما احتباؤه بالثوب فمما جاء فيه حديث رواه أبو داود في «سننه» عن جابر بن سليم قال: «أتيت النبي ﷺ وهو محتب بشملة وقد وقع هدبها على قدميه».
وقد جاء في بعض الأخبار بسند ضعيف مرفوعا: «الاحتباء حيطان العرب» معناه ليس في البراري حيطان، فإذا أرادوا أن يستندوا احتبوا لأن الاحتباء يمنعهم من السقوط ويصير لهم كالجدار.
ولم يكن ﷺ ملازما الاحتباء في كل أحيانه إذا جلس، بل مرة يحتبي (ومرة) يجلس (كالقرفصاء) بضم القاف والفاء وروي بكسرهما، وبمد وقصر فيهما. وقال الفراء: إذا ضممت مددت وإذا كسرت قصرت([20]). وقال أبو عبيدة: وهي جلسة الـمحتبي ويدير ذراعيه ويديه على ساقيه([21]).
وكان ﷺ يجلس محتبيا متواضعا لله (خاضعا) له عز وجل. لكن فعله ﷺ لا ينافي الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: «أن رسول الله ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب» إذ النهي سببه أن الاحتباء يجلب النوم فلا يسمع الخطبة، ولا يكون مقعده متمكنا على الأرض فينتقض وضوؤه بالنوم.
390- مجلسه حلم وصبر وحيا
|
| يبدأ بالسلام من قد لقيا
|
وكان (مجلسه) ﷺ مع أصحابه وغيرهم (حلم) بكسر الحاء أي وقار، بل هو ﷺ أوقر الناس وأكثرهم حلما وأعظمهم تحملا، فيزين مجلسه حلم (وصبر) باديان عليه ﷺ ومظهران سمي ءادابه ورفيع أخلاقه ﷺ، وفي ذلك تعليم منه ﷺ لأصحابه ووفوده، (و) يزيد مجلسه أنسا (حيا)ؤه ﷺ، والحياء ملكة تمنع الـمرء مما لا يليق فعله في الحضرة والغيبة([22]).
وكان ﷺ (يبدأ بالسلام) وجاء في الأثر: «يبدر» بضم الدال والراء أي يبادر ويسبق (من قد لقيا) أي لقيه من أصحابه ويبدؤهم بالـمصافحة، وإذا جاءه وفد قال: «مرحبا».
(و)من كرم أخلاقه وبسط عشرته ﷺ أنه كان يكرم من يدخل عليه فـ(ـيؤثر) أي يقدم ويفرد (الداخل) عليه على نفسه (بـ)ـالجلوس على (الوسادة) والاعتماد عليها حتى وإن كانت مفروشة تحته ﷺ، بل ويعزم أي يؤكد على الداخل في الجلوس عليها لدفع الوحشة عنه إن امتنع الداخل من الجلوس عليها تأدبا أمام رسول الله ﷺ.
روى الطبراني في «مكارم الأخلاق» عن أنس رضي لله عنه قال: دخل سلمان الفارسي على عمر بن الخطاب وهو متكئ على وسادة فألقاها له، فقال سلمان: الله أكبر، صدق رسول الله ﷺ، فقال عمر: حدثنا يا أبا عبد الله، فقال سلمان: دخلت على رسول الله ﷺ وهو متكئ على وسادة فألقاها وقال: «يا سلمان إنه ما من مسلم يدخل على أخيه فيلقي له وسادة إكراما له إلا غفر الله له».
وروى فيه أيضا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا ترد([23]): الطيب والوسادة واللبن» رواه الطبراني.
(أو) أي وكان ﷺ (يبسط) في بعض الأحيان (الثوب له) أي ثوب نفسه لحاضر عنده أو داخل عليه (زيادة) في الإكرام له.
وروى الطبراني في «الـمعجم الكبير» عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: جئت النبي ﷺ فقال: «هذا وائل بن حجر جاءكم، لم يجئكم رغبة ولا رهبة، جاء حبا لله ولرسوله» وبسط له رداءه وأجلسه إلى جنبه وضمه إليه وأصعد به المنبر فخطب الناس فقال لأصحابه: «ارفقوا به فإنه حديث عهد بالملك»، فقلت: إن أهلي قد غلبوني على الذي لي، قال: «أنا أعطيكه وأعطيك ضعفه»، الحديث.
وهو ﷺ معصوم مصون (ليس يقول في) حالة (الرضا و)حالة (الغضب قطعا) شيئا (سوى) قول (الحق) ولا يأمر إلا بما يوافق الشرع (فـ)ـكلامه فصل لا يخرج عن الحق فـ(ـخذ) الحق عنـ(ـه واكتب) بالكسر للوزن وقيد تعليماته وإرشاداته وسننه واعمل بها، فإن الله يقول: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7].
وروى الطبراني في «الـمعجم الكبير» عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويدع غير النبي».
وروى أحمد في «مسنده» عن عبد الله بن عمرو بن العاص: قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش عن ذلك وقالوا: تكتب ورسول الله يقول في الغضب والرضا؟! فأمسكت([24]) حتى ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «اكتب، فوالذي نفسي بيده([25]) ما خرج منه([26]) إلا حق». وفي رواية قال: قلت: يا رسول الله إني أسمع منك أشياء أفأكتبها؟ قال: «نعم»، قلت: في الغضب والرضا؟ قال: «نعم، فإني لا أقول فيهما إلا حقا».
فيستحيل على النبي ﷺ أن يظلم أحدا في حكم أو أن يخطئ في اجتهاد في الأمور الشرعية، ونستطرد في ذكر هذه المسألة في فصل مستقل لأهميتها.
([1]) المجموع شرح المهذب، محيي الدين النووي، (2/177).
([4]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (12/281).
([5]) قوت المحتاج في شرح المنهاج، شهاب الدين الأذرعي، (9/28).
([6]) الـمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، محيي الدين النووي، (7/158).
([7]) أي: فيما يبدو للناس، لأن من لم يحضر من الناس الحادثة لم يعلم حقيقة ما جرى فظنه من أصحابه، فلو أمر بقتله لأدى ذلك إلى قول الـمنافقين والـمشركين: «محمد يقتل أصحابه».
([8]) أي: تركا لقتلهم حالا للعلة المذكورة أعلاه لا أنه رضي بفعلهم أو سكت عن الإنكار عليهم.
([9]) الفتوحات الربانية، ابن علان البكري، (6/248).
([10]) جمع شرجة أو شرج وهو مسيل الماء.
([12]) بهمزة قطع من الرباعي، تقول: سقى وأسقى.
([14]) أي: يصير إليه، والجدر هو ما يوضع بين شربات النخل كالجدار، وقيل: الحواجز التي تحبس الماء.
([15]) أي: لصغر سنه وعدم الخبرة الواسعة لم يكن يأتي بالمأمور به على الوجه الأتم كما يطلب منه.
([16]) الـمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، محيي الدين النووي، (15/71).
([17]) لسان العرب، ابن منظور الأنصاري، (2/471).
([18]) أي رضي أن يمجد بها ويعظم بها ذاته الـمقدس. وإذا قيل: قال الله عن نفسه أي عن ذاته، فليس هو عز وجل بمعنى الروح لأنه تعالى لا يشبه شيئا من مخلوقاته.
([19]) المجموع شرح المهذب، محيي الدين النووي، (3/176).
([20]) شرح الشفا، الـملا علي القاري، (1/309).
([21]) اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح، شمس الدين البرماوي، (15/313).
([22]) شرح الشفا، الـملا علي القاري، (1/310).
([24]) ليس ذلك للشك ولا لتجويز حصول الخطإ من النبي r في أمور الدين بل أراد عمرو أن يزداد تثبتا من النبي r فيما يعتقده من عصمة النبي r عن الخطإ في الدين.
([25]) أي: أحلف بالله الذي نفسي تحت مشيئته وتصرفه، والله منزه عن الجارحة والعضو.