94- فكان في صلاته يستقبل
|
| بمكة القدس ولكن يجعل
|
وأقام رسول الله ﷺ بمكة داعيا إلى عبادة الله وحده وأن لا يشرك به شيء، وأقام الصلاة التي فرضت عليه قبل الصلوات الخمس (فكان) ﷺ وهو (في صلاته يستقبل) مدة إقامته (بمكة) المكرمة (القدس) أي بيت المقدس بأمر من الله تعالى (ولكن) مع ذلك لم يكن يستدبر الكعبة بل (يجعل) حال استقباله بيت المقدس (البيت) الحرام (من بين يديه) أي تلقاء وجهه الشريف (أيضا) فيستقبله (في) كل (ما أتى) به من الصلوات، سواء كانت (تطوعا) أي مندوبة في حقه ﷺ (أو فرضا) عليه([1])، وأما القول بأنه كان يجعل الكعبة خلف ظهره فهو رأي مهجور.
(و)جعل ﷺ (بعد) الـ(ـهجرة) من مكة إلى المدينة (كذا)لك يتجه (للقدس) في صلاته أي يستقبل بيت المقدس، لكن لم يتيسر له مع ذلك استقبال الكعبة، فقد أمر ﷺ أن يستمر على الصلاة لبيت الـمقدس([2])، وكانت مدة صلاته إليه (عاما وثلثا) من العام أي ستة عشر شهرا (أو) استقبله عاما وثلثا (ونصف سدس) عام أي سبعة عشر شهرا، فنصف سدس العام شهر، كذا هو في البخاري ستة عشر أو سبعة عشر شهرا على الشك، ورجح الحافظ العسقلاني الأول وأمكنه الجمع بين القولين فقال([3]): «والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرا وألغى الزائد، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا، ومن شك تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح وبه جزم الجمهور ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وقال ابن حبان: سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام، وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني عشر شهر ربيع الأول» اهـ.
97- وحولت من بعد ذاك القبلة
|
| لكعبة الله ونعم الجهة
|
(وحولت) أي غيرت القبلة في الصلاة بأمر من الله تعالى (من بعد ذاك) الذي مضى من الصلاة إلى بيت الـمقدس، فصارت (القبلة) في الصلاة يوم الثلاثاء في النصف من شعبان (لـ)ـجهة (كعبة) البيت الحرام المشرفة عند (الله) عز وجل (ونعم الجهة) الكعبة أي جهة الكعبة قبلة ممدوحة لا سيما وأنها قبلة الأنبياء عليهم السلام على الصحيح([4]).
وقد روينا بالسند إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه قال: أخبرنا مالك بن أنس عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم ءات فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرءان، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة».
أضاف الناظم رحمه الله الكعبة إلى لفظ الجلالة فقال «لكعبة الله» وهي إضافة ملك وتشريف للكعبة لأن الله تعالى لا يتشرف بأحد من خلقه، وهذا نحو تسمية المسجد «بيت الله» أي البيت المشرف عند الله لأنه بني من حلال بقصد عبادة الله والتضرع إليه، ومثل ذلك يقال في «عرش الرحمن» أي العرش المشرف المعظم شأنه عند الله، وذلك بدليل قول الله تعالى في القرءان الكريم: {رب العرش العظيم} وهو في ثلاثة مواضع من الكتاب الكريم، وقال أيضا: {رب العرش الكريم}، ولا يجوز أن يكون العرش ولا غيره مسكنا لله، حاشاه، لأن الله تعالى كان موجودا أزلا وأبدل قبل الـمساكن كلها والأماكن جميعها والمخلوقات بأسرها بلا مكان ولا جهة، ولم يكن مكان ولا جهة، فلا يحتاج سبحانه إلى شيء من خلقه، وهو عز وجل لا يتغير ولا يتطور ولا يتحول ولا يطرأ عليه احتياج ولا افتقار إلى شيء، سبحان الله الذي لا يكتنفه مكان ولا يجري عليه زمان.
([1]) قال الحافظ العسقلاني: «وحكى الزهري خلافا في أنه هل كان يجعل الكعبة خلف ظهره أو يجعلها بينه وبين بيت الـمقدس، قلت: وعلى الأول فكان يجعل الـميزاب خلفه، وعلى الثاني كان يصلي بين الركنين اليمانيين، وزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، فلما قدم الـمدينة استقبل بيت الـمقدس ثم نسخ» ينظر: فتح الباري (1/98).
([2]) فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، (1/502).
([3]) المصدر السابق، (1/96، 97).
([4]) جامع البيان في تأويل القرءان، ابن جرير الطبري، (3/187).