(والحقوق) جنسها (ضربان) أحدهما (حق الله تعالى) وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله (و)الثاني (حق الآدمي) وبدأ به لأن المخاصمة أكثر ما تقع فيها وهي مبنية على المشاحة أي التنازع بخلاف حقوق الله فإنها مبنية على المسامحة فقال (فأما حقوق الآدميين فثلاثة أضرب ضرب لا يقبل فيه إلا شاهدان ذكران) فلا يكفي رجل وامرأتان أو رجل ويمين قالوا كل ما يثبت بردل وامرأتين يثبت برجل ويمين إلا عيوب النساء ونحوها كالولادة والحيض والرضاع فإنها لا تثبت بالشاهد واليمين لخطرها بخلاف المال وما يقصد منه المال اهـ (وهو) أي هذا الضرب هو (ما لا يقصد منه المال) أي الحق الذي ليس مالا ولا يؤول إلى المال (ويطلع عليه الرجال) غالبا كطلاق إلا إذا ادعاه الزوج بعوض وكنكاح غلا إذا ادعته المرأة لإثبات المهر أو شطره أو ادعاه كل من الزوجين لإثبات الإرث وكرجعة ونسب وكفالة وكوكالة ووصاية وشركة وقراض غذا أريد بهذه الأربعة إثبات عقودها فيها لا إذا أريد إثبات جعل أو حصة من شركة أو ربح لأن المقصود منها المال حينئذ. ومن هذا الضرب موجب عقوبة لله تعالى كحد شرب وقطع الطريق والقتل بالردة وعقوبة لآدمي كتعزير وقصاص.
(وضرب) ءاخر (يقبل فيه) أحد أمور ثلاثة إما (شاهدان) رجلان (أو رجل وامرأتان) لا يشترط تقديم شهادة الرجل على شهادتهما (أو شاهد) رجل (ويمين المدعي) لأن النبي عليه الصلاة والسلام قضى بهما ويشترط أن يأتي بيمينه بعد شهادة الرجل بما يدعيه وبعد تعديله وتزكيته. وإنما يعتد باليمين إن صرحت بملكه لما ادعاه وصدق شاهده فيما شهد له به كأن يقول والله إن شاهدي لصادق فيما شهد لي به وإني لأستحقه أو أملكه. وللمدعي أن لا يحلف هذه اليمين ويطلب يمين خصمه فإن نكل خصمه فله أن يحلف يمين الرد لأنها غير التي تركها فإن لم يحلف أي المدعي يمين الرد سقط حقه من اليمين. (و)هذا الضرب الثاني (هو ما كان القصد منه المال) عينا أو دينا أو منفعة وسواء كان ما قصد منه المال عقدا ماليا كبيع وحوالة وقرض وشفعة أو فسخ عقد كإقالة ورد بعيب أو حقا يتعلق بالعقد كخيار وأجل ووقف وكمهر في نكاح ومسروق ادعاه على غيره ووصية بمال.
(وضرب) ءاخر (يقبل فيه) أحد أمور ثلاثة أورده الغزي في شرحه بهذا السياق[وضرب ءاخر يقبل فيه أحد أمرين إما رجل وامرأتان أو أربع نسوة وفسر المصنف هذا الضرب بقوله إلـخ] ولا يخفى النقص الذي فيه فإن هذا الضرب يقبل فيه رجلان أيضا ولعله رحمه الله شرح على نسخة فيها سقط واراد أحد أمرين أي زيادة على الرجلين. اهـ شاهدان (رجلان أو رجل وامرأتان أو أربع نسوة) من غير رجل معهن (و)هذا الضرب (هو ما لا يطلع عليه الرجال) غالبا بل نادرا أو ما يختص بمعرفته النساء كولادة وحيض ورضاع وعيب امرأة تحت الثياب كرتق بفتح المثناة الفوقية وهو انسداد محل الجماع بلحم وقرن بفتح الراء وهو انسداد محل الجماع بعظم كما تقدم فيهما أما عيبها الذي في وجهها وكفيها فلا يثبت غلا برجلين لجواز نظرهما إلى وجهها وكفيها وما في وجه الأمة وما يبدو منها عند المهنة فإنه يثبت أيضا برجلين أو رجل وامرأتين أو شهادة النساء في الرضاع بما غذا كان من الثدي فإن كان من إناء حلب فيه اللبن لم تقبل شهادة النساء به لكن تقبل شهادتهن بأن هذا اللبن من هذه المرأة لأن الرجال لا يطلعون عليه غالبا اهـ
واعلم أن ما يثبت بأربع نسوة يثبت برجل وامرأتين وبرجلين بالأولى ولا يقبل فيه الرجل واليمين. وأنه لا يثبت شىء من الحقوق بامرأتين ويمين.
(وأما حقوق الله تعالى) كشرب الخمر (فلا يقبل فيها النساء) ولا الخناثى لبنائها على التخفيف والستر (وهي على ثلاثة أضرب ضرب لا يقبل فيه أقل من أربعة) من الرجال (وهو الزنى) أي بالنسبة لأيجاب الحد أخرج ما لو شهد اثنان بجرح الشاهد وفسراه بالزنا فإنه يثبت فسقه وليسا بقاذفين له. لقوله تعالى في سورة النور (وٱلذين يرمون ٱلمحصنٰت ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فٱجلدوهم ثمٰنين جلدة) الآية ومثل الزنى اللواط وإتيان البهائم ووطئ الميتة. ويشترط لقبول شهادتهم أن يقولوا مثلا نشهد أنا رأيناه أدخل حشفته في فرجها على وجه الزنا وتسن زيادة مالمرود في المكحلة اهـ ولا تلحق بالزنى الشهادة على الإقرار بالزنى بل يكفي فيها رجلان وكذا الوطئ بالشبهة فإنه يكفي فيه اثنان. ويكون نظر الشهود للزنا لأجل الشهادة أو يقع نظرهم له في حين من الزمان من غير قصد ثم لا يكررون النظر إذ لا يحتاج إليه.
(وضرب) ءاخر من حقوق الله تعالى (يقبل فيه اثنان) أي رجلان فلا يقبل فيه رجل وامرأتان ولا أربع نسوة (وهو ما سوى الزنى من) موجبات (الحدود) كشرب الخمر والقذف والقصاص في النفس والطرف.
(وضرب) ثالث من حقوق الله تعالى (يقبل فيه) رجل (واحد وهو هلال) شهر (رمضان) فيكفي فيه شاهد واحد ظاهر العدالة أنه رأى الهلال بالنسبة للصوم وتوابعه كالتراويح لا لنحو حلول أجل معلق به فلا يحل الأجل بشهادة الواحد وخرج برمضان غيره من الشهور فلا يثبت بالواحد فقط. والمقصود بالرؤية هنا الرؤية البصرية فخرج ما لو شهد أحد بأن غدا رمضان اعتمادا على أنه رأى في منامه النبي عليه الصلاة والسلام يقول له غدا أول رمضان فإنها لا تقبل منه ولا يصح به الصوم إجماعا وذلك لأنه حال نومه فاقد التيقظ المشروط حال التحمل لا للشك في كون رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام حقا. ومثله ما لو شهد بالرؤية اعتمادا على الرؤية بواسطة ءالات التصوير أو ءالات التكبير أو اعتمادا على الحساب لا الرؤية بالعين المجردة فإن ذلك كله لا يثبت به دخول الشهر. ومما تقبل فيه شهادة الواحد فقط شهادة اللوث بأن شهد متأهل للشهادة على ءاخر أنه قتل عمدا مثلا فيعد ذلك لوثا. وتقدم أنه يكتفى في الخرص بعدل واحد.
(ولا تقبل شهادة الأعمى) فيما تقدم لجواز اشتباه الأصوات فقد يحاكي الإنسان صوت غيره فيشتبه صوته به حتى لا يجوز له أن يشهد على زوجته اعتمادا على صوتها كغيرها (إلا في خمسة مواضع) بل أكثر لا يفتقر معظمها إلى مشاهدة أو سماع بل يثبت بالاستفاضة وهي (الموت) ومثله النكاح وإن لم يثبت قدر الصداق بذلك والوقف بالنسبة لأصله لا لشروطه والعتق والإرث واستحقاق الزكاة والرضاع والقضاء. (والنسب) لذكر أو أنثى من أب أو أم أو قبيلة. (والملك المطلق) أي غير المقيد بسبب ككون هذه الأرض لزيد أما المقيد كالملك بالإرث أو بالشراء فإن كان مما يثبت سببه بالاشتفاضة كالإرث فكالمطلق وإلا بأن كان مما لا يثبت سببه بها كالبيع فلا. (والترجمة) من الأعمى للقاضي أو للخصمين بان اتخذه القاضي مترجما عنه للخصوم أو مترجما عنهم له. (وما شهد به قبل العمى) أي أن الأعمى لو تحمل الشهادة فيما يحتاج للبصر قبل عروض العمى له ثم عمي بعد ذلك وشهد بما تحمله وكان المشهود له والمشهود عليه معروفي الاسم والنسب قبل ذلك منه. (و)كل ما شهد به (على المضبوط) ومن صوره أن يقر شخص في أذن أعمى بعتق أو طلاق لشخص يعرف اسمه ونسبه ويد ذلك الأعمى على رأس ذلك المقر فيتعلق الإعمى به ويضبطه حتى يشهد عليه بما سمعه منه عند القاضي فتقبل شهادته حينئذ.
(ولا تقبل شهادة) شخص (جار لنفسه نفعا) كشهادة الشخص لغريم له مات ولا مال له يوفى منه دينه أو حجر عليه بفلس (ولا دافع عنها ضررا) كشهادة غرماء مفلس بفسق شهود دين ءاخر ظهر عليه للتهمة في الجميع لأنه في الصورة الأولى بإثباته لغريمه شيئا يثبت انفسه المطالبة به وفي الثانية يدفع الغرماء بشهادتهم ضرر المزاحمة فلا تقبل منهم ولذا ترد شهادة السيد لعبده المأذون له في التجارة ولمكاتبه. وترد شهادته أيضا بما هو ولي عليه أو وكيل فيه أو وصي أو قيم عليه ولو بدون جعل للتهمة لأنه يثبت لنفسه بها سلطنة وولاية.