فصل
قال المؤلف رحمه الله: وشرط مع ما مر لقبولها عند الله سبحانه وتعالى أن يقصد بها وجه الله وحده وأن يكون مأكله وملبوسه ومصلاه حلالا، وأن يخشع لله قلبه فيها ولو لحظة فإن لم يحصل ذلك صحت صلاته بلا ثواب.
الشرح هذا بيان لشروط القبول وهي غير شروط الصحة المذكورة فيما قبل لأن تلك لا تصح الصلاة بدونها، وأما المذكور في هذا الفصل فهي شرائط لنيل الثواب فلو لم تحصل صحت صلاته لكن بلا ثواب وهي:
الإخلاص لله تعالى أي أن يقصد بصلاته امتثال أمر الله لا أن يمدحه الناس ويثنوا عليه، فإنه إن قصد مدح الناس له أو قصد مع طلب الأجر مدح الناس له فلا ثواب له وعليه إثم.
وأن يكون مأكله وملبوسه ومكان صلاته حلالا فمن كان مأكله أو ملبوسه أو مكان صلاته حراما فإنه لا ثواب له مع كونها صحيحة أي مجزئة.
ومن ذلك المستأجر المستعصي في المسكن بدون رضا المالك وقد كان انتهت المدة التي أجري الاتفاق عليها ثم مكث في المكان والمالك لا يرضى بمكثه إلا أن يزيد في الأجرة أو لا يرضى إلا بخروجه فإنه إذا استعصى ومكث في المكان فإن صلاته فيه لا ثواب فيها لأن هذا في حكم الصلاة في المكان المغصوب، أما ما لم تمض المدة التي اتفق عليها المستأجر مع المؤجر على الوجه الصحيح فإذا تغيرت نية المؤجر بأن ندم لأنه ءاجره بأجرة خفيفة فلا يؤثر ذلك فإن المستأجر يستحق إتمام المدة التي جرى الاتفاق عليها بالإجارة الصحيحة شرعا. فهؤلاء الذين يسكنون البيوت بغير رضا الملاك المؤجرين إما لعدم دفعهم الأجرة التي ترضيهم أو لكونهم أي الملاك يريدون خروج المستأجرين فيستعصون اعتمادا على حكم القانون المخالف لشريعة الله فإنهم يستحقون العذاب الشديد يوم القيامة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» رواه الدارقطني [في سننه] من حديث عبد الله بن مسعود بإسناد قوي.
وإحضار القلب أي أن يخشع لله ولو لحظة، فمن لم يخشع لله لحظة في صلاته فإنه يخرج منها بلا ثواب قال الله تعالى ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [سورة المؤمنون].
والخشوع عمل قلبي يتوصل إليه بالأسباب على حسب مشيئة الله. ومن هذه الأسباب الإكثار من ذكر الموت ولا سيما عند الدخول في الصلاة يقول في نفسه «لعل هذه الصلاة ءاخر صلاتي» أي لعلي لا أعيش بعدها فيصير في قلبه خوف من الله. وقد جاء في الحديث الذي رواه البيهقي وغيره «أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت» أي قاطع اللذات.
ومعنى الخشوع هو استشعار الخوف من الله عز وجل [والمقصود خوف الإجلال والتعظيم، أما مجرد استحضار الخوف من عذاب الله في القلب وهو يصلي فلا يسمى خشوعا لأن الخشوع لله ليس الخوف من النار] أو استشعار محبته وتعظيمه.