فرعون يعلن أنه من المسلمين
قال الله تعالى: { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إلـه إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين* آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} [سورة يونس/٩٠-٩١].
يخبر الله تعالى عن كيفية غرق فرعون فإنه لما ضرب موسى عليه السلام بعصاه البحر ارتطم البحر بأمواجه الهائلة على فرعون وجنوده، وجعلت الأمواج الهائجة تخفض فرعون تارة وترفعه أخرى، وبنو إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده بين الأمواج العاتية وهم يغرقون، وكان هذا البأس الشديد والخطب الجسيم الذي نزل بفرعون وأتباعه أقر لأعين بني إسرائيل، وأشفى لنفوسهم لما عانوا من ظلم وبطش فرعون وجنوده الذين اتبعوه على كفره وضلاله.
وأما فرعون الطاغية فإنه لما كان بين الأمواج الهائمة المدمرة وأصبح على وشك الغرق وقد عاين ما أحيط به من أسباب الهلاك أعلن وقال: “ءامنت أنه لا إله إلا الذي ءامنت به بنو إسرائل وأنا من المسلمين”، ولم ينفعه إيمانه وإسلامه في تلك اللحظات التي أدرك وعاين فيها الغرق، وهذه هي حالة اليأس من الحياة التي لا يقبل الله تعالى التوبة فيها. يقول الله تبارك وتعالى إخبارا عن فرعون مصر الطاغية حين أدركه الغرق: { حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إلـه إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين* آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} [سورة يونس/٩٠-٩١].
فائدة: اعلم يا أخي المسلم أنه يشترط لقبول التوبة من ذنب الكفر وما دونه من الذنوب أن تكون قبل الغرغرة – أي قبل وصول الروح إلى الحلقوم- وقبل عذا الاستئصال وهي حالة اليأس من الحياة، يقول الله تبارك وتعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولـئك أعتدنا لهم عذابا أليما} [سورة النساء/١٨]، ويقول الله تعالى: {فلما رأوا بأسنا قالوا ءامنا بالله وحده وكفرنا بما كنا مشركين* فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} [سورة غافر/٨٤-٨٥]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر” رواه الترمذي وأحمد. ولذلك لا تقبل التوبة لمن أدركه الغرق كفرعون حاكم مصر وكذلك لمن كان في مثل حالته وهي حالة اليأس من الحياة.
فلم يقبل الله سبحانه وتعالى توبة فرعون اللعين حين أدركه الغرق وعلم أنه هالك غرقا لا محالة، قال تعالى: {ءالآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} [سورة يونس/٩١] فهذه الآية استفهام إنكاري، ونص على عدم قبوله تعالى منه الإيمان والإسلام في مثل هذه الحالة التي وصل إليها، وقد انعقد الإجماع من المسلمين على موت فرعون كافرا.
ويشترط لصحة التوبة أيضا أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن في المغرب بابا خلقه الله للتوبة مسيرة عرضه سبعون عاما لا يغلق حتى تطلع الشمس منه” رواه الترمذي وابن حبان.
فائدة: روى أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما قال فرعون {ءامنت أنه لا إله إلا الذي ءامنت به بنوا إسرائيل} قال لي جبريل: لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فدسسته فيه مخافة أن تناله الرحمة”، رواه الترمذي وابن جرير أيضا وقال الترمذي: حديث حسن، ورواه الطيالسي وغيره بنحوه. ومعنى “من حال البحر” أي من طيب البحر، وفرعون لا يقولها عن اعتقاد إنما يقولها ليخلص من الغرق.