فرضية الحجاب والأدلة على ذلك
قال الإمام الطحاوي في شرح مشكل الآثار (5/398، 399، ط / مؤسسة الرسالة):
[فكان فيما روينا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عقبة أن يأمر أخته بالكفارة فيما كان منها من المعصية، وترك تلك المعصية؛ إذ كانت الشريعة تمنعها منها.. وكانت في نذرها بمعنى الحالفة لكشفها شعرها في مشيها, فلم يكن منها ما حلفت عليه؛ لمنع الشريعة إياها عنه، فأمرت بالكفارة عنه كما يؤمر الحالف بالكفارة عن يمينه إذا حنث فيها]. اهـ
وقد بلغ من أهمية حجاب المسلمة أن ارتبط في الشريعة ارتباطا وثيقا بالصلاة؛ بحيث إنها لا تقبل بدونه، أي إنه فرض ديني إسلامي.
فأخرج الخمسة إلا النسائي من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (لا يقبل الله صلاة حائض [من بلغت سن المحيض] إلا بخمار).
قال الشيخ أبو الحسن المباركفوري في مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (2/478) [والحديث يدل على أن رأس المرأة عورة، وأنه يجب عليها ستر رأسها وعنقها حال الصلاة]. اهـ
وأخرج أبو داود في سننه والحاكم في المستدرك عن أم سلمة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟
قال (إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها) قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
قال الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح (2/634، ط / دار الفكر):
[قال الشافعي لو انكشف شيء مما سوى الوجه واليدين فعليها الإعادة. نقله الطيبي]. اهـ
وأخرج الطبراني في معجميه الأوسط والصغير عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لا يقبل الله من امرأة صلاة حتى تواري زينتها، ولا من جارية بلغت المحيض حتى تختمر).
وأخرج أبو داود في المراسيل عن يحيى بن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رؤوسهم)، فذكر الحديث قال (وامرأة قامت إلى الصلاة وأذنها بادية).
وأما الإجماع فقد أجمعت الأمة الإسلامية سلفا وخلفا على وجوب الحجاب، أي أن تغطي الحرة رأسها وسائر عورتها أمام الرجال الأجانب، وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة. ومما نقل من إجماع الأمة في ذلك:
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر المالكي في التمهيد (15/108، ط / وزارة الأوقاف المغربية):
[أجمعوا أن إحرامها في وجهها دون رأسها وأنها تخمر رأسها وتستر شعرها وهي محرمة]. اهـ
وقال أيضا (6/364):
[كلها عورة إلا الوجه والكفين، على هذا أكثر أهل العلم. وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام. وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وهو قول الأوزاعي وأبي ثور: على المرأة أن تغطي منها ما سوى وجهها وكفيها]. اهـ
وقال الحافظ ابن عبد البر أيضا في كتابه الحافل الاستذكار، الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار، فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار، وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار (2/196، ط / دار الكتب العلمية):
[أجمع العلماء على أن ستر العورة فرض واجب بالجملة على الآدميين]. اهـ
ثم قال (2/201):
[الذي عليه فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق أن على المرأة الحرة أن تغطي جسمها كله بدرع صفيق سابغ وتخمر رأسها؛ فإنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأن عليها ستر ما عدا وجهها وكفيها]. اهـ
وقال الإمام أبو المظفر السمعاني الحنفي ثم الشافعي في قواطع الأدلة في الأصول (2/82، ط / دار الكتب العلمية):
[الأصل أن بدن المرأة كله عورة، وأن عليها الستر وترك التبرج، إلا أن موضع الوجه منها موضع الحاجة والضرورة؛ لأن إثبات عينها والمعرفة بها عند المعاملات لا يقع إلا برؤية الوجه، وأيضا فإن مصلحتها في أسباب معاملتها لا يكمل إلا بذلك، وأما الشعر فلا ضرورة في إبرازه بحال، فصار كسائر بدنها]. اهـ
وأما وجوب تغطية الوجه على النساء فخاص بنساء الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال أبو داود وغيره.
فقد أخرج أبو داود والترمذي في السنن عن نبهان، مولى أم سلمة، أنه حدثه أن أم سلمة رضي الله عنها، حدثته أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وميمونة.
قالت: فبينا نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب،
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (احتجبا منه)،
فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قال أبو داود هذا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم قد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده. اهـ
قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ما نصه:
وقال أبو داود هذا لأزواج النبي خاصة بدليل حديث فاطمة بنت قيس. قلت: وهذا جمع حسن وبه جمع المنذري في حواشيه واستحسنه شيخنا. اهـ
مراده بذلك أن قول النبي خطابا لزوجتيه (احتجبا منه) حين دخل ابن أم مكتوم، مختص بنساء الرسول جمعا بينه وبين حديث فاطمة بنت قيس الذي فيه انه عليه الصلاة والسلام قال لها (اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده).
ففرق رسول الله الحكم بين نسائه وبين غيرهن، وحديث فاطمة بنت قيس رواه مسلم، أما حديث (احتجبا منه) رواه أبو داود.
وقال أبو القاسم العبدري صاحب التاج والاكليل بشرح مختصر خليل: ولا خلاف أن فرض ستر الوجه مما اختص به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ
وعلى ذلك فوجوب ستر المرأة جسدها ما عدا وجهها وكفيها وقدميها وبعض ذراعيها هو من الأحكام الشرعية القطعية التي أجمع عليها المسلمون عبر العصور على اختلاف مذاهبهم الفقهية ومشاربهم الفكرية، ولم يشذ عن ذلك أحد من علماء المسلمين سلفا ولا خلفا، والقول بجواز إظهار شيء غير ذلك من جسدها -لغير ضرورة أو حاجة تنزل منزلتها هو كلام مخالف لما علم بالضرورة من دين المسلمين، وهو قول مبتدع منحرف لم يسبق صاحبه إليه، ولا يجوز نسبة هذا القول الباطل للإسلام بحال من الأحوال.
وبناء على ما سبق فإن موقف الشريعة الإسلامية بمصادر تشريعها كافة من فرضية الحجاب -منذ فرضه الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأجمع عليه المسلمون سلفا وخلفا منذ عصر النبوة وحتى عصرنا الحاضر هو موقف واضح قاطع حاسم لم يجر فيه الخلاف قط بين علماء المسلمين، ولم يقل بنفيه أحد من المسلمين على مر العصور وتتابع الأجيال، ولا هو في أصله مما هو قابل لأن يجري فيه الخلاف، ولا هو مما يتغير بتغير الأعراف والعوائد والبلدان؛ فلم يكن أبدا من قبيل العادات، بل هو من صميم الدين وتكاليف الشريعة التي حملها الله الإنسان دون سائر الكائنات، وهو سائله عنها يوم القيامة.
أما عن التزام المسلمات بالحجاب أثناء وجودهن في دول أخرى لها أعراف تختلف عن الثقافات الإسلامية فالحجاب كما قلنا فريضة إسلامية، والتزام المرأة المسلمة به في ظل الأعراف الدولية هو كالتزامها بصلاتها وصيامها وتعظيمها لشعائر دينها واعتزازها بها بلا غضاضة في ظل تلك الأعراف التي لا تدين بالإسلام، فالحجاب لا يعد فقط من قبيل العلامات أو أشكال التمييز التي تميز المسلمين عن غيرهم، بل هو من قبيل الفرض اللازم الذي هو من الدين الإسلامي.
والله سبحانه وتعالى أعلم.