فائدة
استدل أهل الحق بقوله تعالى ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ … *﴾ [سورة البقرة] على إبطال دعوى المعتزلة أنّ الضلال يخلقه العبد لنفسه، بناءً على تفسيرهم «الختمَ» بإعراض الكفار عن قبول الحق بوجوهٍ:
أحدها. دليل الوحدانية لله لاقتضائه أن لا حادث إلا بقدرة الله. فامتناع الذين ختم الله على قلوبهم عن قبول الحق من جملة الحوادث فوجب انتظامه في سلك متعلَّقات القدرة العامة التعلق بجميع الممكنات.
والثاني. أن فيه مخالفة الدليل النقلي كقوله تعالى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ … *﴾ [سورة الزمر] ﴿… هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ … *﴾ [سورة فاطر] وهذه الآية أيضًا فإنَّ الختم فيها مسند إلى الله فإذا ثبت أن الدليل العقلي على وفق ما دلت عليه وجب إبقاؤه على ظاهره بل لو وردت على خلاف ذلك ظاهرًا لوجب تأويلها بالدليل العقلي جمعًا بين العقل والنقل.
والثالث. أنَّ فيه الفرار من نسبة ما اعتقدوه تنزيهًا لله على زعمهم عما ظنوا أنه نسبةٌ للظلم إليه فوقعوا في القول بأن الشيطان يخلق الختم والكافر يخلقه لنفسه.
قال البيهقي [(533)] في قوله تعالى ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا … *﴾ [سورة الأنعام]: «وهذه الآية كما هي حجةٌ في الهداية والإضلال فهي حجةٌ في خلق الهداية والضلال لأنه قال يشرح ويجعل» اهـ.
والرابع. أن فيه الغلط باعتقاد أن جميع ما يقبح من العبد فعله يقبح من الله خلقه قالوا فلما كان المنع من قبول الحق قبيحًا في الشاهد أي بالنسبة للعبد كان قبيحًا بالنسبة إلى الله.
والخامس. أنّ فيه اعتقاد أن ذلك لو فرض وجوده بقدرة الله تعالى لكان ظلمًا وهو منزهٌ عنه، فيقال لهم: ومن الظلم الجهل بحقيقة الظلم وفيه أنهم فروا من اعتقاد نسبة الظلم إلى الله فتورطوا فيه إلى أعناقهم لأنهم قالوا لو كان امتناعهم عن قبول الحق بخلق الله تعالى لكان ظلمًا، فيقال لهم وقد قام البرهان على أنه بخلق الله. فإن قالوا كيف يخلق فيهم الامتناع عن قبول الحق ثم يعاقبهم على ذلك أليس هذا قبيحًا في حق العباد أن يعاقب أحدهم غيره على ما لم يعمله؟ قيل لهم ويقبح أيضًا في حق العبد أن يمكن الإنسان عبده من القبائح والفواحش بمرأى منه ومسمعٍ ثم يعاقبه مع القدرة على ردعه ومنعه من الأول وأنتم معاشر القدرية تزعمون أن القدرة التي بها يخلق العبد الفواحش لنفسه مخلوقة لله على علم منه عزَّ وجلَّ أنَّ العبد يخلق بها لنفسه ذلك، فهو على هذا بمثابة إعطاء سيف باتر لفاجر يعلم أنه يقطع به السبيل ويسبي به الحريم وذلك من العبد قبيح جزمًا. فسيقولون أجل إنه لقبيح منه ولكن هناك حكمة استأثر الله بعلمها فرقت بين العبد وبين الله فحسن من الله تمكين عبده من الفواحش مع القدرة على أن لا يقع منه شىء وليس ذلك بحسن من العبد.
وفي هذا الموطن تتزلزل أقدامهم وتتنكس أعلامهم إذ لاحت لهم قواطع البراهين فيقال: ما المانع أن تكون تلك الأفعال مخلوقة لله تعالى ويعاقب العبد عليها لمصلحة وحكمة استأثر الله بها، أليس كان السلامة لكم التسليم من الابتداء إلى خالقكم وتلقي حجة الله عليكم بالقبول فإن نازعت أحدكم النفس وحادثته الهواجس ورغب في مستند من حيث النظر يأنس به من مفاوز الفكر فليُخْطِرْ بباله ما عُلِمَ عند كل عاقل من التمييز بين الحركة الاختيارية والقسرية فلا يجد عنده في هذه التفرقة ريبًا فإذا استشعر ذلك فليتنبه فقد لطف به إلى أن انحرف من مضايق الجبر فارًّا أن يُلوح به شيطان الضلال إلى مهامه الاعتزال فليمسك نفسه دونها بزمام دليل الوحدانية على أن لا خالق إلا الله، فإذا وقف لم يقف إلا على الصراط المستقيم والطريقة المثلى مارًّا عليها في أسرع من البرق الخاطف والريح العاصف. قاله بعض المالكية.
ـ[533] رواه البيهقي في القضاء والقدر (ص/214).