فائدة في أهمية الدعوة إلى دين الله بالحكمةِ والمَوْعِظَةِ الحسنة
إنّ الحكمة هي ضالة المؤمن ومطلوبه، أينما وجدها أخذها وعمل بمقتضاها، والأولى بالداعية إلى دين الله ومعلم الناس الخير أن لا يترك طريق الحكمة لأنها سبيله وطريقه للنجاح في دعوته إلى دين الله تعالى، وإيصال الكلمة الطيبة والنصيحة النافعة للناس.
يقول الله تبارك وتعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [سورة النحل / 125].
إن لنا في صنيع نبي الله موسى وأخيه هارون عليهما السلام في الدعوة إلى دين الله مع هذا الطاغية “فرعون” الذي ادعى الربوبية وقال لقومه {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [سورة النازعات/24]، مثلاً حسناً وعبرة وموعظة للدعوة إلى دين الله، فقد ذهبا عليهما السلام إلى هذا الطاغية المتكبر “فرعون” لينصحاه ويرداه عن غيه وضلاله وادعائه الربوبية، وخاطباه بالخطاب الحسن والقول اللين كما أمرهما ربهما رجاء أن يقبل دعوتهما ويميل إلى نصحهما فيدخل في دين الإسلام، دين جميع الأنبياء، ولكن الله تعالى يفعل ما يشاء، يهدي من يشاء ويضل من يشاء ولا رادّ لقضائه ومشيئته، فلم يشأ سبحانه وتعالى لفرعون الهداية، وأصر فرعون على كفره وغيه وضلاله وجبروته. قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم في بيان ما خاطب به رسوليه موسى وهارون عليهما السلام عندما أمرهما بالذهاب إلى فرعون لدعوته إلى دين الإسلام: { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)} [سورة طه /43-44].
إن الدعوة إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة والخطاب الحسن واتباع أسلوب الرفق واللين في دعوة الناس إلى دين الله هو سبيل ومنهج وطريق الأنبياء، وعادة وسيرة العلماء العاملين والدعاة المرضيين الناجحين وهو من مقومات نجاح الدعوة إلى دين الله تعالى، حيث تؤتي الدعوة في هذا الطريق ومع هذا الأسلوب ثمارها الطيبة المرجوة بين الناس. وما قوله تبارك وتعالى مخاطباً نبيه المصطفى ﷺ: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ } [سورة آل عمران /159] إلا تعليم وإرشاد لأمة النبي الأعظم ﷺ، ولا سيما الدعاة منهم كي يسلكوا أسلوب وسبيل الرفق واللين والخلق الحسن في الدعوة إلى دين الله تعالى، وأن يبتعدوا كل البعد عن أسلوب وطريقة الفظاظة والعنف والغلظة، وكل ما من شأنه أن ينفر الناس من الدعاة ، فلا يستمعون بعد ذلك إلى دعوتهم، فيكون هذا الأسلوب وهذه الطريقة المنفرة في الدعوة من أسباب البعد والجفاء وتنفير الناس من الدعا، ومن هنا يكمن الخطر كل الخطر وهو انا يصبح الدعاة بسبب أسلوبهم المنفر في تعاملهم مع الناس في الدعوة إلى دين الله في واد والناس في واد آخر، وتزداد بذلك الهوة فيما بينهم، فينفض هؤلاء الناس عن مجالس الدعاة إلى مجالس أخرى، وينصرفوا وينشغلوا عنهم بأمور لا تؤمن مسالكها، ولا تحمد عواقبها، فتتسع بذلك الهوة وتبعد المسافة بين الناس والدعاة وهاذ ما يريده أعداء الإسلام ودعاة الباطل والفساد حتى يخلو لهم المطاف فيصولوا ويجولوا ويمعنوا في الإضلال والفساد.
قال الله تبارك وتعالى في بيان فضل المسلم الصالح الذي يدعو إلى دين الله بالحكمة والخلق الحسن والطريقة الحسنى التي لا قسوة فيها ولا غلظة، فيكسب بذلك ود ومحبة من كان بينه وبينه عداوة { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ (33) وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)} [سورة فصلت].
إنّ من أُسُسِ النجاح في الدعوة إلى دين الله أن يتعاون ويتعاضد الدعاة فيما بينهم في الدعوة إلى دين الله تعالى، وهذا يحتاج ويتطلب من الدعاة الناجحين إلى أن يتصفوا فيما بينهم بصفات التواضع والتطاوع والتوافق والتحاب والحلم والحلم والصبر أثناء الدعوة إلى دين الله، والتطاوع هو أن يكون الداعي إلى الله تعالى مطيعاً لأخيه الآخر الذي يعمل معه بكل ما أوصاه به مما فيه خير يرضاه الله تعالى ورسوله، وهذا كله مما يساعد على نجاح الدعوة، وتحقيق معانيها وفوائدها في إرشاد الناس للصواب وتعليمهم الخير.