الخميس يناير 29, 2026

فائدة جليلة

من الدليل على أن اللفظ المنزل المتألف من الحروف لا يجوز أن يكون كلام الله الأزلي القائم بذاته ما سبق وقدمناه من أنه ثبت أن الله تعالى يكلم كل فرد من أفراد العباد يوم القيامة، فلو كان الله تبارك وتعالى يكلمهم بصوت وحرف لم يكن حسابه لعباده سريعًا، والله تبارك وتعالى وصف نفسه بأنه سريع الحساب فلو كان كلام الله تعالى بحرف وأصوات لكان أبطأ الحاسبين، وهذا ضد الآية التي فيها إن الله أسرع الحاسبين قال الله تعالى ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ *﴾ [سورة الأنعام] فلا يتحقق معنى أسرع الحاسبين إلا على مذهب أهل السنة أن الله متكلم بكلام أزلي بغير حرف ولا صوت وذلك لأن عدد الجن والإنس كثير لا يحصيهم إلا الله، ومن الجن من يعيش ءالافًا من السنين، ومن الإنس من عاش ألفي سنة فأكثر فقد عاش ذو القرنين في ملكه ألفي عام كما قال الشاعر العربي: [الكامل]
        والصَّعبُ ذو القرنين أمسى ملكُه     ألفين عامًا ثم صار رميما

ومن الإِنس أيضًا يأجوج ومأجوج كما ورد في الحديث [(417)] أنهم من ولد ءادم، وورد أنهم أكثر أهل النار كما روى البخاري [(418)]، وورد أنه لا يموت أحدهم حتى يلد ألفًا لصلبه كما رواه ابن حبان والنسائي [(419)]، وهؤلاء يحاسبهم الله على أقوالهم مع كثرتهم الكثيرة ويكلم كلَّ فرد منهم تكليمًا بلا ترجمان، ويحاسبهم على عقائدهم ونواياهم وأفعالهم، فلا بد أن يأخذ حسابهم على موجب قول المشبهة الذين يقولون كلام الله حرف وصوت يتكلم من وقت إلى وقت ثم من وقت إلى وقت مدة واسعة جدًّا، فعلى موجب كلامهم يستغرق ذلك جملة مدة القيامة التي هي خمسون ألف سنة، وعلى قولهم هذا لم يكن الله أسرع الحاسبين وهو وصف نفسه بأنه أسرع الحاسبين كما تقدم، فقول المشبهة يؤدي إلى اختلاف القرءان وتناقضه وذلك محال، وما أدى إلى المحال محال.

وأما أهل السنة فيقولون إن كلام الله ليس متجزئًا فيفهم الناس من كلامه الذي ليس بحرف وصوت وغيرُ متجزئ في ساعة واحدة ما يشاء [(420)]، فيتحقق على ذلك أنه أسرع الحاسبين.

ـ[417] رواه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى {وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ *} [سورة سبأ].
ـ[418] الفقيه والمتفقه (1/ 132 – 133).
ـ[419] هو الإِمام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، صاحب التصانيف، ولد سنة 392هـ. وله رحلات عديدة، ومؤلفات كثيرة، توفي سنة 463هـ.
ـ[420] تدريب الراوي (1/ 276).ـ[421] التبصير في الدين (ص/167).