الخميس يناير 29, 2026

فائدة أخرى

قال الشيخ الإمام المتكلم ابن المعلم القرشي في كتابه نجم المهتدي [(421)] ما نصه: «قال الشيخ الإمام أبو علي الحسن ابن عطاء في أثناء جواب عن سؤال وجه إليه سنة إحدى وثمانين وأربعمائة: الحروف مسبوق بعضها ببعض، والمسبوق لا يتقرر في العقول أنه قديم، فإن القديم لا ابتداء لوجوده وما من حرف وصوت إلا وله ابتداء، وصفات البارئ جلَّ جلاله قديمة لا ابتداء لوجودها، ومن تكلم بالحروف يترتب كلامه ومن ترتب كلامه يشغله كلام عن كلام، والله تبارك وتعالى لا يشغله كلام عن كلام، وهو سبحانه يحاسب الخلق يوم القيامة في ساعة واحدة، فدفعة واحدة يسمع كل واحد من كلامه خطابه إياه، ولو كان كلامه بحرف ما لم يتفرغ عن يا إبراهيم لا يقدر أن يقول يا محمد فيكون الخلق محبوسين ينتظرون فراغه من واحد إلى واحد وهذا محال» اهـ.
فالحاصل أنه ليس في إثبات الصوت لله تعالى حديث مع الصحة المعتبرة في أحاديث الصفات [(422)]، لأن أمر الصفات يُحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره، ويدل على ذلك إيراد البخاري القدر الذي ليس فيه ذكر الصوت من حديث جابر هذا بصيغة الجزم [(423)]، وإيراده للقدر الذي فيه ذكر الصوت بصيغة التمريض [(424)]، فتحصّلَ أن في أحاديث الصفات مذهبين:
أحدهما: اشتراط أن يكون في درجة المشهور، وهو ما رواه ثلاثة عن ثلاثة فأكثر، وهو ما عليه أبو حنيفة وأتباعه من الماتريدية، وقد احتج أبو حنيفة رضي الله عنه في رسائله التي ألفها في الاعتقاد بنحو أربعين حديثًا من قبيل المشهور. والثاني: ما ذهب إليه أهل التنزيه من المحدثين وهو اشتراط أن يكون الراوي متفقًا على ثقته.
فهذان المذهبان لا بأس بكليهما.
وأما الثالث وهو ما نزل عن ذلك فلا يحتج به لإِثبات الصفات.

وهناك قاعدةٌ تناسب هذا المطْلَب وهي ما ذكرها الحافظ الخطيب أبو بكر البغدادي قال: «يُرَدُّ الحديث الصحيح الإِسناد لأمور: أن يخالف القرءان، أو السنة المتواترة، أو العقل» قال: «لأن الشرع لا يأتي إلا بمُجَوَّزات العقول» [(425)]، والخطيب البغدادي [(426)] أحد حفاظ الحديث السبعة الذين نوه علماء الحديث في كتب المصطلح بهم ومنهم البيهقي وهم غير أصحاب الكتب الخمسة وكلامه مذكور في كتابه الفقيه والمتفقه ونقله عنه الحافظ السيوطي في كتاب تدريب الراوي [(427)] من كتب مصطلح الحديث وأقره وكذا غيره. وللذهبي عبارة موافقة للمذهب الثاني من المذاهب الثلاثة وإن كان يتساهل بإيرادِ أحاديثَ غير ثابتة وءاثارٍ من كلام التابعينَ ونحوهم لا يحتج بمثلها ومن غير َتبيينٍ لحالها من حيث الإِسناد والمتن في بعض ما يذكره وذلك في كتابه «العلو للعلي الغفار» فليحذر فإن ضرره على مطالعه عظيم.
قال الإمام الأسفراييني ذاكرًا عقيدة أهل السنة والجماعة ما نصه [(428)]: «وأن تعلم أن كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت لأن الحرف والصوت يتضمنان جواز التقدم والتأخر وذلك مستحيل على القديم سبحانه» اهـ.
وقال ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر ما نصه [(429)]: «ومبتدعة الحنابلة قالوا كلامه حروف وأصوات تقوم بذاته وهو قديم، وبالغ بعضهم جهلًا حتى قال الجلد والقرطاس قديمان فضلًا عن الصحف، وهذا قول باطل بالضرورة ومكابرة للحس للإحساس بتقدم الباء على السين في بسم الله ونحوه» اهـ.
ـ[422] شرح الفقه الأكبر (ص/29 – 30).
ـ[423] الاعتقاد والهداية (ص/33).
ـ[424] روى ذلك الحافظ البيهقي في مناقب الشافعي (1/ 455 – 456)، ومعرفة السنن والآثار (1/ 111).
ـ[425] ءاداب الشافعي ومناقبه (ص/194 – 195).
ـ[426] الجوهر المحصل في مناقب الإمام أحمد بن حنبل (ص/59).
ـ[427] الذيل على طبقات الحنابلة (3/ 309).
ـ[428] مناقب الإمام أحمد (ص/155).
ـ[429] الأسماء والصفات (ص/265 – 266).