الخميس فبراير 19, 2026

غزوة الخندق

السادسة عشرة غزوة الخندق [30]: وتسمى غزوة الأحزاب وكانت في شوال أو في ذي القعدة، وذلك أنه لما أجلا بني النضير خرج نفر من وجوههم إلى مكة منهم سلام بن مشكم وابن أبي الحقيق وابن أخطب وغيرهم من اليهود، فأتوا قريشا ودعوهم إلى حرب المصطفى وعاهدوهم على قتاله وقالوا: نكون معكم عليه حتى نستأصله، ونشطوا قريشا بزعمهم أن دينهم خير من دين محمد لما أقسم عليهم أبو سفيان أي الدينين خير فاجتمعوا، ثم جاءوا غطفان فكلموهم ووعدوهم بنصف تمر خيبر كل عام فخرجت قريش في أربعة ءالاف وعقدت اللواء بدار الندوة وحمله عثمان بن طلحة ومعهم ثلاثمائة فرس وألف وخمسمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس وهو أبو أبي الأعور السلمي الذي كان مع معاوية بصفين، وخرجت بنو أسد يقودهم طليحة بن خويلد، وغطفان في فزارة فأوعبت وهم ألف يقودهم عيينة بن حصين وأشجع، وهم أربعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة، وبنو مرة وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف، وخرج معهم غيرهم فكانوا عشرة ءالاف وهم ثلاثة عساكر وعناج الأمر أي ملاكه إلى أبي سفيان، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب المسلمين وشاورهم فأشار سلمان بالخندق ولم يكن من شأن العرب بل من مكائد الفرس، فعسكر بهم رسول الله إلى سفح سلع وكانوا ثلاثة ءالاف واستخلف ابن أم مكتوم ثم خندق على المدينة وعمل فيه بيده بضع عشرة ليلة وقيل أربعا وعشرين.

وكان فيه من أعلام النبوة قصة الكدية التي شكوها إليه فتفل في ماء ونضحه عليها فعادت كالكثيب لا ترد فيها فأسا ولا مسحاة، وفيها قصة الحفنة التي جاءت بها بنت بشير بن سعد لأبيها وخالها ابن رواحة فقال لها: هاتيه فصبته في كفه ما ملأه ثم أمر بثوب فبسط ثم صرخ في أهل الخندق أن هلموا إلى الغداء فصدروا عنه وأنه ليسقط من أطراف الثوب. وفيها قصة شويهة جابر حين دعا إليها المصطفى وحده فأمر صارخا فصرخ أن انصرفوا إلى بيت جابر، فسمى الله ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم أكل ءاخرون حتى صدر أهل الخندق عنها، وفيها قصة سلمان حين غلظت عليه ناحية من الخندق فأخذ المصطفى المعول فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة ثم أخرى فلمعت أخرى ثم الثالثة برقة ثم أخرى فلمعت أخرى فسأله سلمان فقال: أما الأولى ففتح علي بها اليمن، وأما الثانية فالشام والمغرب، وأما الثالثة فالمشرق.

فلما فرغ من الخندق أقبلت قريش فنزلت بمجتمع الأسيال وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء والذراري في الآطام وجعل ظهر عسكره إلى سلع والخندق بينه وبين عدوه، ولواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة والأنصار بيد سعد بن عبادة، فلا زالوا يتناوشون القتال، ثم مشى حيي بن أخطب إلى قريظة ولا زال بكعب بن أسد يفتل في الذروة والغارب وهو يقول له إنك امرؤ مشؤوم جئت والله بذل الدهر وجهام قد أهريق ماؤه يرعد ويبرق وليس فيه شيء ويحك يا حيي دعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء، فلا زال به حتى أعطاه عهدا أن يدخله في حصنه إذا رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا حتى يصيبه ما أصابه، فنقض كعب العهد وانتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل سعد بن معاذ سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج وابن رواحة وخوات بن جبير وقال: “انظروا أحق ما بلغنا عنهم فإن كان حقا فالحنوا إلي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس” فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، وشاتمه أحد السعدين فقال له الآخر: دع هذا فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، فاتوا المصطفى فقالوا: عضل والقارة أي غدر وكفر فقال المصطفى: “الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين” فعند ذلك عظم البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم ونجم النفاق حتى قال قائل: كان محمد يعدنا بكنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن أن يذهب إلى الغائط، وأقام الكفار بضعا وعشرين ليلة لا حرب بينهم إلا الرمي بالنبل والحصار، وأراد نوفل بن عبد الله بن المغيرة أن يوثب فرسه الخندق فوقع وقتله الله، فكبر المصطفى وقال: “إنه خبيث الدية لعنه الله ولعن ديته”، ولبست فوراس من قريش للقتال منهم عمرو بن عبد ود وعكرمة وضرار بن الخطاب فاقتحموا مضيقا من الخندق فجالت خيلهم بين الخندق وبين سلع وخرج علي في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها فقال عمرو: من يبارز؟ فقال علي: أنا، فأعطاه المصطفى سيفه وعممه وقال: “اللهم أعنه عليه” ويقال: دعاه إلى الإسلام أو البراز فقال: لم يا ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك، فقال علي: لكني أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره، ثم أقبل على علي فتناولا وتجاولا فقتله علي. وفي غير هذه الرواية أنه طلب البراز وهو مقنع في الحديد فقال علي: أنا له يا رسول الله فقال: “اجلس إنه عمرو” ثم كرر عمرو النداء وجعل يوبخهم ويقول: أين جنتكم التي زعمتم، قال علي: أنا له يا رسول الله، قال: “اجلس إنه عمرو” ثم نادى الثالثة فقال علي: أنا له يا رسول الله وإن كان عمرا، فأذن به فمشى إليه فقال عمرو: من أنت؟ قال: علي، قال: ابن عبد مناف، قال: ابن أبي طالب، قال: غيرك يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك فإني أكره أن اهريق دمك، قال: لكني ما أكره أن أهريق دمك، فغضب ونزل وسل سيفه كأنه شعلة نار ثم أقبل نحو علي مغضبا ثم التقيا فاستقبله علي بدرقته فضربه عمرو [فقدها] وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي رضي الله عنه على جبل عاتقه فسقط وثار العجاج، وسمع المصطفى التكبير فعرف أن عليا قتله، وكان شعار الصحابة “حم لا ينصرون”، وكانت عائشة في حصن بني حارثة ومعها أم سعد بن معاذ فمر سعد وعليه درع مقلصة وفي يده حربة يرفل بها ويقول:

لبث قليلا يشهد الهيجا حمل *** لا بأس بالموت إذا حان الاجل

فقالت له أمه: الحق يا بني، فقالت عائشة: يا أم سعد لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي، فرمي بسهم فقطع منه الأحكل رماه به ابن العرقة وقال: خذها وأنا ابن العرقة، قال: عرق الله وجهك في النار، ثم قال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم إن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، وشغل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العصرين والعشاءين فأقام لكل صلاة إقامة وقال: “شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله قبورهم نارا”، ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعا.

ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي فمرني بما شئت قال: “إنما أنت فينا رجل واحد فخذ عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة” فأتى بني قريظة وكان لهم نديما فقال: قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم قالوا: صدقت، قال: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم البلد بلدكم وبه مالكم ونساؤكم وأبناؤكم لا تقدرون أن تتحولوا منه، وقريش وغطفان بلدهم ونساؤهم بغيره فإن رأوا نهزة أصابوها وإلا لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا رهنا من أشرافهم قالوا: أشرت بالرأي، ثم أى قريشا فقال لأبي سفيان [ومن معه]: عرفتم ودي لكم وقد بلغني أمر رأيت أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا، تعلمون أن معشر يهود ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد وأرسلوا إليه إنا ندمنا أفيرضيك أن نأخذ لك من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم [فنعطيكهم] فنضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم، فلا تدفعوا لليهود رجلا واحدا، ثم أتى غطفان فقال: إنكم أصلي وعشيرتي ولا أراكم تتهموني، ثم ذكر مثل ما قال لقريش وحذرهم، فأرسل أبو سفيان ورءوس غطفان إلى بني قريظة: إنا لسنا بدار مقام هلك الخف والحافر فأعدوا للقتال للناجز محمدا قالوا: اليوم السبت ولا نعمل فيه ومع ذلك لا نقاتل حتى تعطونا رهنا من رجالكم فإنا نخشى إن أضرمتم الحرب أن تشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل ببلادنا ولا طاقة لنا به، فقالوا: صدقنا نعيم فردوا إليهم: لا نعطيكم من رجالنا أبدا فاخرجوا معنا وإلا فلا عهد بيننا وبينكم، فقال بنو قريظة: صدق نعيم، وخذل الله بينهم وبعث الله ريحا عاصفا فجعلت تقلب ءانيتهم وتكفئ قدورهم ليلا، فلما وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلافهم بعث حذيفة بن اليمان ليلا ليأتيه بخبرهم فشق عليه ذلك حتى قال المصطفى: “قم يحفظك الله من أمامك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك حتى ترجع إلينا”، فأتاهم واستتر في غمارهم وسمع أبا سفيان يقول: ليتعرف كل منكم جليسه قال حذيفة: فأخذت بيد جليسي فقلت: من أنت؟ قال: فلان، قم قال أبو سفيان: يا معشر قريش ما أصبحتم بدار مقام وقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم ما نكره ولقينا من هذه الريح ما ترون لا يثبت لنا قدر ولا تقوم لنا نار فارتحلوا فإني مرتحل، ووثب على جمله فما حل عقاله إلا وهو قائم، قال حذيفة: ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي أن لا حدث شيئا لقتلته بسهم، ثم أتيته فوجدته قائما يصلي فأدخلني إلى رحله وطرح علي المرط فأخبرته لما سلم فحمد الله، وسمعت غطفان بما فعلت قريش فاستمروا راجعين. وأقام المصطفى بالخندق أربعة أو خمسة عشر يوما ورجع إلى المدينة لسبع بقين من ذي القعدة وقال: “لن يغزوكم قريش بعد عامهم هذا ولكنكم تغزونهم” فكان كذلك.

قريظة لحيان ثم قرد *** ثم المريسيع على القول الأسد

[30] راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/50]، السيرة النبوية [2/214]، تاريخ ابن جرير [2/90]، الدرر [ص/179]، عيون الأثر [2/83]، الكامل [2/178]، فتح الباري [7/392].