عِلْمُ الدِّينِ طريقُ الجنَّةِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين وصلّى اللهُ على سيِّدِنا محمّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ الطيّبينَ الطاهرين. أمّا بعدُ، فقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم “لا يشبَعُ مؤمنٌ مِنْ خيرٍ يَسْمَعُهُ حتى يكونَ مُنْتَهاهُ الجنّة”، وهذه صفة المؤمن الكامل أنّهُ لا يَشْبَعُ منَ العِلمِ يَبْقَى مُتَشَوِّقًا لِتَحْصيلِ العِلم وسَماعِ العِلمِ وأخذِ العِلم وجَمْعِ العِلمِ، كما أنَّ أهلَ الدّنيا لا يَشْبَعونَ منَ الدنيا فالعاقِلُ لا يَشْبَعُ مِنْ طلَبِ الآخرةِ والإكثارِ منَ الحسَناتِ والاسْتِزادةِ منَ العِلمِ.
وعَمَلًا بهذا الحديثِ نَذْكرُ بعضَ الفوائدِ التي رَواها الحافِظُ الدّارِمِيُّ في المُسْنَدِ الجامِعِ ممّا فيه حثٌّ على تَحْصيلِ العِلمِ أوْ تَبْليغِ العِلمِ أوالاعْتِناءِ بالعِلم.
قالَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم “نَضَّرَ اللهُ امرَءًا سَمِعَ منّا حديثًا فَحَفِظَهُ فأدّاهُ إلى مَنْ هوَ أحْفَظُ منهُ فرُبَّ حامِلِ فِقْهٍ ليسَ بِفَقِيهٍ ورُبَّ حامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هو أفقهُ منهُ لا يَعْقِدُ قلبُ مسلمٍ على ثلاثِ خِصالٍ إلّا دخلَ الجنّة، قالَ قلتُ ما هنَّ؟ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: إخلاصُ العملِ لله والنّصيحةُ لِوُلاةِ الأمرِ ولُزومُ الجَماعةِ فإنَّ دعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ ورائِهِمْ ومَنْ كانت الآخرةُ نِيَّتَهُ جعلَ اللهُ غِناهُ في قلبِهِ وجمَعَ لهُ شَمْلَهُ وأتَتْهُ الدّنيا وهيَ راغِمةٌ، ومَنْ كانت الدُّنيا نِيَّتَهُ فرَّقَ اللهُ عليه شَمْلَهُ وجعلَ فقْرَهُ بينَ عيْنَيْهِ ولمْ يَأتِهِ منَ الدُّنيا إلّا ما قُدِّرَ لهُ. قالَ وسألْتُهُ عنِ الصّلاةِ الوُسْطَى قال صلَّى الله عليه وسلَّم: هيَ الظُّهر (وفي بعضِ الرّواياتِ والأحاديثِ هيَ صلاةُ العصر).
وقال صلّى اللهُ عليه وسلّم: مَنْ كذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ منَ النّارِ. وقالَ عليه الصلاةُ والسّلام: مَنْ حدّثَ عنّي كذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ منَ النّار.
وقالَ صلّى اللهُ عليه وسلّم: مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ منَ النّار.
قالَ الحافظُ النّوويُّ رحِمَهُ الله: أي فَلْيَتّخِذْ لِنَفْسِهِ مَقْعَدًا أوْ فَلْيَفْتَرِشْ لِنَفْسِهِ مكانًا في النّار.
وقالَ صلّى اللهُ عليه وسلّم: يا أيّها النّاس، إيّاكمْ وكَثرةَ الحديثِ عنّي فمَنْ قالَ عليَّ فلا يَقُلْ إِلّا حقًّا وصِدقًا ومَنْ قال عليَّ ما لمْ أقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ منَ النّار.
وقالَ عليه الصّلاةُ والسّلام: إنّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلمَ انْتِزاعًا يَنْتَزِعُهُ منَ النّاس ولكنْ قَبْضُ العِلمِ قَبْضُ العلَماء فإذا لمْ يُبْقِ عالِمًا اتّخذَ النّاسُ رُؤَساءَ جُهّالًا فسُئِلوا فأفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وأضَلّوا.
وعنْ أبي أُمامةَ عنْ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم أنّهُ قال: خُذوا العِلمَ قبلَ أنْ يَذْهبَ. قالوا وكيفَ يذهَبُ العِلمُ يا نَبِيَّ الله وفينا كتابُ الله؟ قال: فغَضِبَ لا يُغْضِبُهُ الله، ثمّ قال: ثَكِلَتْكُمْ أمّهاتُكمْ (وهذا للتّنْبيه ليسَ دُعاءً عليهم إنّما هو للتّنبيه) أوَلَمْ تَكُن التّوراةُ والإنْجيلُ في بَني إسرائيل فلَمْ يُغْنِيا عنهُمْ شيئًا، إنَّ ذَهابَ العِلمِ أنْ تَذهَبَ حَمَلَتُهُ.
وكذلكَ ممّا رواهُ الحافظُ الدّارِميّ عنْ سلمان قال: لا يزالُ النّاسُ بِخير ما بقيَ الأوَّل حتّى يَتَعلّم أوْ يُعَلِّمَ الآخِر فإذا هلَكَ الأوّلُ قبلَ أنْ يُعَلِّمَ أوْ يَتَعَلَّمَ الآخِرُ هلَكَ النّاس.
وعن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما قال: هلْ تَدْرونَ ما ذَهابُ العِلمِ؟ قلنا لا، قال: ذَهابُ العُلماء.
قالَ حُذَيفةَ أتَدري كيفَ يَنقُصُ العِلمُ؟
قالَ: قلتُ كما يَنْقُصُ الثّوبُ وكما يَقْسو الدِّرهم قال: لا وإنَّ ذلك لَمِنْهُ قَبْضُ العِلمِ قبضُ العلَماء.
وعنْ أبي الدرداء قال: ما لي أرى عُلَماءَكُمْ يَذهبون وجُهّالَكُمْ لا يتَعَلّمون تَعَلّموا قبلَ أنْ يُرْفَعَ العِلم فإنَّ رَفْعَ العِلمِ ذَهابُ العُلَماء.
وعن سليمان بنِ موسى عن أبي الدرداء أنّهُ قال: النّاسُ عالِمٌ ومُتَعَلِّمٌ ولا خيرَ فيما بعدَ ذلك.
وعن أبي الدرداء قال: معَلِّمُ الخيرِ والمُتَعَلِّمُ في الأجْرِ سواء وليسَ لِسائرِ النّاسِ بعدُ خيرٌ.
وعنِ الحسنِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قال: اغْدُ عالِمًا أوْ مُتَعَلِّمًا أوْ مُسْتَمِعًا ولا تَكُنْ الرابعة فَتَهْلِك.
وعن سَلْمان قال: لا يزالُ النّاسُ بخير ما بقِيَ الأوّلُ حتى يتَعَلَّمَ الآخِرُ فإذا هَلَكَ الأوّلُ قبلَ أنْ يَتَعَلَّمَ الآخِرُ هلَكَ النّاس.
وقال عمر: تفَقّهُوا قبلَ أنْ تُسَوَّدُوا. وكذلكَ روى الحافظُ الدارِميُّ رحمَهُ اللهُ عنْ أبي الزّاهِرةِ يَرفعُ الحديث: إنَّ اللهَ قال أبُثُّ العِلْمَ في آخِرِ الزّمانِ حتى يعَلَمَهُ الرجلُ والمرأةُ والعَبْدُ والحُرُّ والصّغيرُ والكبيرُ فإذا فعَلْتُ ذلك بهِمْ أخَذْتُهُمْ بِحَقِّي عليهِمْ.
وعنِ الحسنِ قال: مَنْ طلَبَ شيئًا مِنْ هذا العِلمِ فأرادَ بهِ ما عِنْدَ اللهِ يُدْرِك إنْ شاءَ اللهُ ومَنْ أرادَ بهِ الدّنيا فذلكَ واللهِ حظُّهُ منهُ.
وروى الحافظُ الدّارِمِيّ رحمَهُ اللهُ عن ابنِ مسعود قال: لا تَعَلَّموا العِلمَ لِثلاثٍ لِتُمارُوا بهِ السُّفَهاء وتُجادِلوا بهِ العُلَماء ولِتَصْرِفوا وُجوهَ النّاسِ إليكم وابْتَغوا بِقَوْلِكُمْ ما عِنْدَ الله فإنَّهُ يَدُومُ ويَبْقَى ويَنْفَدُ ما سِواه.
وكذلك روى الحافظُ بهذا الإسناد، قالَ كونُوا يَنابيعَ العِلمِ مصابيحَ الهُدَى أحلاسَ البيوتِ سُرُجَ الليلِ جُدُدَ القلوبِ خُلْقانَ الثيابِ تُعْرَفونَ في أهلِ السّماءِ وتَخْفَوْنَ على أهلِ الأرضِ.
وقالَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم “لا يَطلُبُ هذا العِلمَ أحدٌ لا يُريدُ بهِ إلّا الدُّنيا إلّا حرّمَ اللهُ عليه عَرْفَ الجنّةِ يومَ القِيامة”، وهذا لهُ تأويلٌ وليسَ على ظاهِرِهِ.
فهذا إنْ كانَ ماتَ على هذهِ الحال ولمْ يَتُبْ إلى الله لا يَدخل الجنّةَ معَ الأوّلين وتكَلَّمَ العُلَماءُ في تَفْسيرِهِ وفي شرْحِهِ ومعْناه.
وكذلك روى الحافظُ الدّارِمِيُّ رحِمَهُ الله عنْ مُعاذ قال: اعْلَموا ما شِئْتُمْ أنْ تَعْلَمُوا فلَنْ يُؤْجِرَكُمُ اللهُ بالعِلمِ حتى تَعْمَلوا (أيْ لا يكونُ الأجرُ كامِلًا إلّا بالإخلاصِ والعملِ بهذا العِلم لأنَّ الإنسانَ إنْ لمْ يُخْلِصْ في نِيَّتِهِ في تَحْصيلِ العِلمِ ولمْ يَعْمَلْ بهذا العِلم فلا يكونُ تَقِيًّا ولا يكونُ منَ الصّالِحين).
وقال مالك ابنُ دينار، قال أبو الدرداء: مَنْ يَزْدَدْ عِلْمًا يَزْدَدْ وجَعًا. وقال أبو الدرداء: ما أخافُ على نفْسي أنْ يُقالَ لي ما عَلِمْتَ ولكنِّي أخافُ أنْ يُقالَ لي ماذا عَمِلْتَ.
وعنِ ابنِ عباسٍ قال: تدارُسُ العِلمِ ساعةً منَ الليلِ خيرٌ مِنْ إحْيائِها. وهذا كما قالَ الإمامُ الشافعيّ والإمام أحمد رضيَ اللهُ عنهُما: إنَّ الاشْتِغالَ بِطَلَبِ العِلمِ أفضل مِنْ صلاةِ النّوافِلِ (يعني مِنْ صلاةِ السُّنَن).
ثمَّ روى الحافظُ الدّارِميّ أيضًا عن الحسنِ بنِ عَمر عن إبراهيم قال: منِ ابْتَغَى شيئًا منَ العلمِ يَبْتَغي بهِ وجْهَ اللهِ آتاهُ اللهُ منهُ ما يَكْفيه.
إخواني وأحْبابي في الله، تعَلَّموا العِلمَ وأخْلِصوا للهِ تعالى في نيّاتِكُمْ واعْمَلوا بهذا العِلم. ومِنْ جُملةِ العَمَلِ بالعِلمِ أنْ تُعَلِّموهُ النّاس وأنْ تَعْمَلوا على نشْرِهِ فتأمُروا بالمَعروفِ وتَنْهَوْا عنِ المُنكرِ.
هنيئًا لِمَنْ قامَ بهذهِ المُهِمّة العظيمة والوظيفة الزّكيّة الرّاقِيةِ. جعَلَني اللهُ وإيّاكُمْ منْهُمْ والحمدُ للهِ ربِّ العالَمين.