الإثنين فبراير 23, 2026
  • عن السلوك والعبر في فتح مكة وغزوة بدر الكبرى

     

    إنّ الحمد لله نحمدُه ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله من بعثه الله رحمة للعالمين هاديًا ومبشّرًا ونذيرًا ، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمّة فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيًا من أنبيائه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى كل رسول أرسله . أما بعد فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليّ العظيم .

    يقول الله تعالى في محكم التنـزيل: { إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت النّاس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفرْه إنّه كان توّابا }. سورة النصر

    إخوة الإيمان والإسلام يا جند محمد صلى الله عليه وسلم يسرّني اليوم أن أذكّركم برايات الإسلام ، برايات العزّة كيف ارتفعت عالية على يد أعظم قائد عرفه التاريخ ، وكيف ارتفعت صيحات التكبير عاليةً من حناجر الذين ظُلموا لأنّهم قالوا ربنا الله عندما مَنَّ الله عليهم بالنّصر والفتوحات .

    يسرني أن أذكّركم بمواقف الرجال الرجال، بمواقف الرجال الجبال . ففي غزوة بدر الكبرى التي حصلت في رمضان خرجت قريش في تسعمائة وخمسين مقاتلاً ومائتي فرس وتسعمائة درع ، وخرج القائد العظيم سيدنا محمد أعظم قائد عرفه التاريخ من المدينة ومعه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، مع القِلّة بالعدد والعُدّة ومع ذلك خرجوا متوكّلين على الحيّ الذي لا يموت، وانظروا إلى موقف سعد بن معاذ وهو من الأنصار وقف وقال لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: “لقد ءامنّا بك وصدّقناك وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامضِ بنا لِما أردتَ فنحن معك والذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلّف منّا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدوًا غدا إنّا لصبرٌ في الحرب صِدقٌ في اللقاء لعل الله يريك منّا ما تقرّ به عينك فسر بنا على بركة الله تعالى”.

    فانظروا إلى سلوكه رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم ، قال أعطيناك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، هؤلاء القوم تواضعوا لله رب العالمين فكانت ثمرة تواضعهم التطاوع . قال: لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلّف منّا رجل واحد .

    وانظروا إلى ثبات النّبي محمد الأمين صلى الله عليه وسلم وإلى شدّة توكلّه على ربّ العالمين الذي أرسله بالهدى ودين الحقّ .

    فلما رأى الرسول قريشًا مقبلة قال: “اللهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تكذّب رسولك اللهمّ فنصرك الذي وعدتني به”.

     

    فدبّ الرعب في قلوب الذين كفروا ، الذين خرجوا في تسعمائة وخمسين مقاتلاً ، دبّ الرعب في قلوبهم وطلب بعضهم الرجوع . هؤلاء خرجوا دفاعًا عن الشرك والظلم والفساد فكانت لهم الهزيمة . أما الذين خرجوا دفاعًا عن دين الله ونصرة لدين الله نصرهم الله تعالى وأعزّهم .

    قال الله تعالى: {ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلّة فاتقوا الله لعلكم تَشْكُرون} .

    فيا أيها الأحبة المسلمون الصائمون {إذا جاء نصر الله والفتح} أي معونتُه على الأعداء . {والفتح} أي فتح مكة . {ورأيت النّاس} أي وُفُودَ العرب. {يدخلون في دين الله} أي في الدين الذي أحبّه الله ورضيه لعباده دين الإسلام العظيم . {أفواجا} أي جماعات كثيرة كانت تدخل فيه، القبيلة بأسرها صارت تدخل في دين الإسلام بعدما كانوا يدخلون فيه واحدًا واحدًا واثنين اثنين . {فسبّح بحمد ربّك} على قول التسبيح المعروف . {واستغفره إنّه كان توّابًا} فكان صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة يكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه واستغفار النبي هنا لرفع الدرجات وليس لأنه قد أذنب . وقد علم صلى الله عليه وسلم في هذه السورة دُنوَّ أجله، وحين قرأها عليه الصلاة والسلام استبشر الصحابة وبكى العباس عمّ النّبي صلى الله عليه وسلم .

    فقال: ” وما يبكيك يا عمّ “ قال : نُعيَتْ إليك نفسُكَ . فقال: “إنها لكَما تقول “ . فعاش بعدها صلى الله عليه وسلم سنتين .

    إخوة الإيمان في مثل هذا الشهر العظيم المبارك أيّد الله نبيّه بنصره المبين فكان فتح مكة المكرمة . دخل الكعبة وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنمًا قد أوثقت إلى جداره بالرصاص فجعل صلى الله عليه وسلم كلما مرّ بصنم منها أشار إليه بقضيب في يده، ويقول: “جاء الحق وزهق الباطل إنّ الباطل كان زَهوقًا “ فيقع الصنم لوجهه من غير أن يمسه شىء.

    اللهمّ أعد علينا هذه الذكرى العظيمة بالأمن والأمان وارزقنا حسن الاقتداء بأفضل الأنام سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام .

     

    هذا وأستغفر الله لي ولكم

    الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

    إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ الْوَعْدِ الأَمِينِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ. وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَءَالِ الْبَيْتِ الطَّاهِرِينَ وَعَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَنِ الأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَعَنِ الأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَاتَّقُوهُ.

    وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيْمِ فَقَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، اللَّهُمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا فَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلا مُضِلِّينَ اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَءَامِنْ رَوْعَاتِنَا وَاكْفِنَا مَا أَهَمَّنَا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ. عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغِي، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يُثِبْكُمْ وَاشْكُرُوهُ يَزِدْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ وَاتَّقُوهُ يَجْعَلْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مَخْرَجًا، وَأَقِمِ الصَّلاةَ.