الأحد مارس 1, 2026

عقاب الظالمين

يقولُ الله تباركَ وتعالى ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ {42} مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء {43} وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ {44} وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ {45} وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ {46} فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ {47}﴾ سورة إبراهيم.

إنَّ اللهَ تعالى يُهدّدُ الظالمينَ ويُعلِمُهُم بأنهُ عالِمٌ بما يفعلون لا يخفى عليهِ شىءٌ مِنْ أفعالِهِم وأنه مُعاقبُهُم على قليلِ الظُّلمِ وكثيرِهِ، فالظُلْمُ ظُلُماتٌ يومَ القيامة، وأنه يؤخّرُ عُقوبَتُهُم ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ أي لا تَقَرُّ في أماكنِها مِنْ هَوْلِ ما تَرَى. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي مُسرعينَ إلى الدَّاعي ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أي رافِعيها ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي لا يَرجِعُ إليهِم نظَرُهُم فينظروا إلى أنفُسِهِم مِنْ شِدَّةِ الخوفِ ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ أي صِفرٌ مِنَ الخير لا تَعِي شيئًا مِنَ الخوف، والهواءُ: الخلاءُ الذي لَم يَشْغَلُهُ الأجرام فوصِفَ به تشبيهًا. ﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ أي يومَ القيامة ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي الكُفّار ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ أي رُدَّنا إلى الدُّنيا وأمهِلْنا إلى أمَدٍ وحَدٍّ مِنَ الزَّمانِ قريب نتدارك ما فرَّطنا فيهِ مِنْ إجابَةِ دَعوَتِك واتّباعِ رُسُلِك فيُقالُ لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴾ أي حَلَفتُم في الدُّنيا أنّكُم إذا مِتُّم لا تزالونَ على تِلكَ الحالةِ ولا تَنتَقِلونَ إلى دارٍ أُخرى يعنِي كفَرتُم بالبعثِ. ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ بالكُفرِ، لأنَّ السُّكنى مِنَ السُّكونِ وهو اللُّبثُ، ويجوزُ أن يكونَ سكنوا مِنَ السُّكون أي قرّوا فيها واطمأنوا طيبِي النفوس سائلينَ سيرةَ مَنْ قبلَهُم في الظُّلمِ والفسَادِ ولا يُحدِّثونها بِما لَقِيَ الأوَّلونَ مِنْ أيامِ الله وكيفَ كان عاقِبَةُ ظُلمِهم فيعتبروا ويَرتَدِعوا ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ بالأخبارِ أو المشاهدةِحالُهُم و ﴿كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ أي أهلَكناهم وانتقَمنا منهم ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾ أي صِفاتِ ما فعلوا وما فُعِلَ بِهم، وهي في الغرابةِ كالأمثالِ المضروبَةِ لكُلِّ ظالِم. ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ العظيم الذي استفرَغوا فيه جَهدَهُم وهو ما فعلوهُ مِنْ تأييدِ الكُفْر ﴿وَعِندَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي مكتوبٌ عندَ اللهِ مكرُهُم فهو مُجازيهِم عليهِ بِمَكْرٍ هو أعظَمَ منه، أو المعنى: عندَ الله مكرُهُم الذي يَمكرُهُم به وهو عذابُهُم الذي يأتيهِم مِنْ حيثُ لا يشعرون، ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ والتقديرُ: وإن وقعَ مكرُهُم لزوالِ أمرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فعبَّرَ عنِ النبيّ عليه السَّلام بالجبالِ لعُظمِ شأنهِ، والمعنى ومُحالٌ أنْ تزولَ الجبالُ بِمَكرِهِم على أنَّ الجِبال مَثَلٌ لآياتِ الله وشرائِعهِ لأنها بِمنْزِلةِ الجبالِ الرَّاسيةِ ثباتـًا وتَمَكُّنـًا. ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ يعنِي قولَه ﴿إنَّا لننصُرُ رُسُلَنا﴾، ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ لا يُماكَر ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ لأولياءِهِ مِنْ أعداءهِ.

نسألُ الثباتَ على الحقِّ والنجاةِ من النار، ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرةِ حسنة وقنا عذابَ النار، اللهم اجعلنا هُداةً مهديين غيرَ ضالينَ ولا مُضِلّين.

بيان أن الله لا يخفى عليه شىء ووظيفة الملائكة الحفظة

يقول الله تعالى ﴿اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ سورة الرعد ٨، ٩، ۱۰، ۱۱.

إنَّ اللهَ تعالى مُتَّصِفٌ بعِلْمٍ أزلِيٍّ أبديٍّ كسائرِ صفاتِهِ لا يَقبلُ الزيادَةَ والنقصَان، حتى أنفاسُ أهلِ الجنَّةِ في الجنّةِ وأهلِ النّارِ في النّار يعلَمُها لا تَخفَى عليهِ خافِية، وهوَ سبحانَهُ وتعالى يَعلَمُ ما تَحمِلُهُ كلُّ أنثَى مِنْ ولَدٍ على أيِّ حالٍ هو مِنْ ذُكورَةٍ وأنوثةٍ وتَمَامٍ وخِدَاجٍ -أي الذي ليسَ له مِشيَةٌ سليمة- وحُسْنٍ وقُبحٍ وطولٍ وقِصَرٍ وغيرِ ذلكَ. ويعلَمُ ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ أي تُنقِصُهُ الأرحَام ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ أي يعلَمُ عدَدَ الوَلَدِ فيها فإنها تَشتَمِلُ على واحِدٍ واثنينِ وثلاثَةٍ وأربَعَةٍ ويعلَمُ هل جَسَدُ الوَلَدِ يكونُ تامًّا أو مُخْدَجًا ويَعلَمُ مُدَّةَ حَملِهِ في بطنِ أمِّهِ فإنها تكونُ أقلَّ مِنْ تِسعَةِ أشهُرٍ وأزيدَ عليها إلى أربَعِ سنينَ عندَ الشَّافعيِّ رَحِمَه الله. وكلُّ شىءٍٍ يجري في هذهِ الدُّنيا والآخِرَةِ فهوَ بِمشيئةِ الله يَجري ويَحصُل ويكون لا يُجاوِزُ ذلكَ ولا يَنقُصُ عنه لقولِهِ تعالَى ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ {القمر:49} وهو سبحانَهُ يعلَمُ ما غابَ عَنِ الخلقِ وما شاهدوه، وهو سبحانَهُ أكبرُ مِنْ كلِّ كبيرٍ قَدْرًا وعَظَمَةً فهوَ العظيمُ الشَّأنِ الذي كلُّ شىءٍ دونَهُ، المُستعلِي على كلِّ شىءٍ بقُدرتِهِ الذي تنزَّهَ عن صِفاتِ المخلوقين. ويعلَمُ بِحَالِ ﴿مَنْ أَسَرَّ القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾ أي مُتوَارٍ باللَّيلِ ومَنْ هو ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ أي ذاهبٌ فيه فِي سَرْبِهِ أي في طريقِهِ ووَجهِهِ.

وله سبحانَهُ ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ أي جَماعاتٌ مِنَ الملائكَةِ تَعتَقِبُ في حِفظِهِ فَهُم يَحفظونَنا بإذنِ الله إلا مِمّا كتَبَ الله أن يُصيبَنا، ولولا هؤلاءِ الملائكةُ الحَفَظةُ للَعِبَ بنا الجِنُّ كما يُلعَبُ بالكُرَةِ لأنهم يرونَنا مِنْ حيثُ لا نراهُم، وهؤلاءِ الملائكةُ يتعاقبونَ علينا عندَ الفجرِ يَنزِلُ جَماعةٌ منهم ثم في ءاخرِ النهارِ يصعَدون ويَنزِلُ الآخرون وهكذا يَعقُبُ بعضُهُم بعضًا يقولُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم [يتعاقبونَ فيكُم ملائكةٌ باللَّيلِ وملائكةٌ بالنَّهار يَجتمعونَ في صلاةِ الفجرِ وصلاةِ العصر ثُم يَعرُجُ الذينَ باتوا فيكم فيسألُهُم ربُّهم وهو أعلَمُ بهم كيفَ تركتم عِبادي فيقولون تركناهُم وهم يُصلّون وأتيناهم وهم يُصلّون]. رواهُ البخاريُّ ومسلم من حديثِ أبي هُريرة. وبعضُ الملائكةِ الذينَ وكِّلوا بنا وكِّلوا بكتابَةِ ما نتكلّمُ به ثم يُمحى الكلامُ المباحُ وتُثْـبَتُ الْحسناتُ والسيئات. والملائكةُ الحَفَظَةُ يَحفظونَ العبدَ مِنْ بينِ يدَيه أي قُدّامِهِ ومِنْ خلفِهِ أي وراءِهِ ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ أي مِنْ أجلِ أمرِ الله أي مِنْ أجلِ أنَّ الله تعالى أمرَهُم بِحِفظِهِ فسبحانَ اللهِ القدير الذي أنعمَ علينا بِنِعَمٍ لا نُحصيها.

اللهم اجعلنا هُداةً مَهديين واغفر لنا ذنوبنا، اللهم إنا نسألُكَ العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرة يا أرحمَ الراحِمين

البرق والرعد والصواعق والسحاب

يقولُ الله تبارَك وتعالى ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ {11} هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ {12} وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ {13}﴾. سورة الرعد.

إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى مُتَّصِفٌ بِمشيئةٍ أزليَّةٍ أبديةٍ كسائرِ صفاتِهِ لا تتغيّرُ ولا تتبدَّل، ومعنَى قولِهِ سبحانه ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي أنه سبحانَهُ لا يُغيّرُ ما بِهم مِنَ العافيةِ والنِعمَةِ حتى يُغيّروا ما بأنفُسِهم مِنَ الحالِ الجميلَةِ بطاعَةِ الله إلى الحالِ السّيئةِ بِكثرَةِ المعاصي وهذا ليسَ باعتبارِ الأفراد بل باعتبارِ الأقوَام، أما باعتبارِ الأفراد فقد يُغيّرُ حالَ العبدِ مِنَ الرخاءِ إلى المجاعَة ومِنَ الرَّاحَةِ إلى التَّعبِ كما يدلُّ على ذلكَ قولُهُ عليهِ السَّلام [أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياء ثُمَّ الأمثَلُ فالأمثل، إنّ الرجُلَ يُبتلى على حَسَبِ دينِهِ فمَن كانَ في دينِهِ صُلبًا اشتدَّ بلاؤهُ ومَنْ كانَ غيرَ ذلك كانَ بلاؤهُ على حَسَبِهِ] أما مِنْ حيثُ الجُملَةُ فلا يصيرُ إلا أنْ يُغيّرَ القومُ حالَهُم. وأخبرنا سبحانَهُ أنه ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ أي عذابـًا ﴿فَلاَ مَرَدَّ لَهُ﴾ أي فلا يدفعُهُ شىء وأنه ليسَ لهم مِنْ دونِ الله مَن يلي أمرَهم ويدفعُ عنهُم.

وأخبرنا سُبحانَهُ بأنه يُرينا البرقَ ويَجعلُ في نفوسِنا الخوفَ مِنْ وقوعِ الصَّواعِقِ علينا عند لَمْعِ البرق ويجعلُ في نفوسِنا الطَّمَعَ في الغيثِ والمطَرِ الذي في السَّحاب، أو يَخافُ المطَرَ مَنْ يَخشى منه الضَّررَ على نفسِهِ كالمُسافِر ومَن له بيتٌ يطمعُ به لِمنفعَتِهِ. وأخبرنا سبحانه أنه ﴿يُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ التي تحمِلُ الأمطار وأنّ الملَكَ الذي يسوقُها واسمُهُ الرَّعدُ يُسَبّحُ بِحَمدِ ربه مُنَزِّهًا له عن الشبيهِ والمثيل، وأنَّ الملائكةَ يُسبّحونَ خالِقَهم إجلالاً وتَعظِيمًا ومهابَةً، وقد روى الترمِذِيُّ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنه قال [الرَّعدُ مَلَكٌ موكَّلٌ بالسَّحاب معه مَخاريقُ مِنْ نار يسوقُ بها السَّحاب] فالصَّوتُ الذي يُسمَعُ هو زَجْرُ الملَكِ السَّحابَ بالمخاريق حتى ينتهيَ بها إلى حيثُ أمرَ الله والبرقُ يظهرُ عندَ ذلك، ويُسَنُّ لنا أنْ نقولَ عندَ رؤيةِ البرقِ وسَماعِ الصَّوت: سبحانَ مَنْ يُسبّحُ الرعدُ بِحمدِهِ والملائكةُ مِنْ خِيفَتِهِ، وفي الحديثِ أنه صلى الله عليه وسلم كانَ إذا سَمِعَ صوتَ الرَّعدِ والصَّواعِقِ قال [اللّهمَّ لا تقتلنا بغضبِك ولا تُهلِكنا بعذابِك وعافِنا قبلَ ذلك]. رواه أحمدُ والترمذيُّ والحاكم.

وأخبرَنا سبحانَهُ بأنهُ يُرسلُ الصَّواعِق، والصَّاعِقَةُ نارٌ تسقُطُ مِنَ السَّماءِ فيُصيبُ بِها مَنْ يشاءُ مِنْ عبادِهِ، ولَمَّا ذَكَرَ عِلمَهُ النافِذَ فِي كلِّ شىء واستواءَ الظاهرِ والخفيِّ عندَهُ وما دلَّ على قدرَتِهِ الباهِرَةِ ووَحدانيّتِهِ قال: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ﴾ يعنِي الذينَ كذَّبوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فهم يُجادِلونَ فِي الله حيثُ يُنكرونَ على رسولِهِ ما يَصِفُهُ به مِنَ القُدرَةِ على البعث وإعادَةِ الخلائق بقولِهم: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾سورة يس. ويَردّونَ الوَحدانِيّةَ باتخاذِ الشُّركاء ويَجعلونَهُ بعضَ الأجسام بقولِهم: الملائكةُ بناتُ الله، ومِنَ المُشركين المجادلينَ المعاندينَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم مَنْ أرسَلَ اللهُ عليهِ صاعِقَةً فأحرقتهُ وذلك أنَّ أَرْبدَ أخا لبيدِ بنِ ربيعة العامِرِيّ قالَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينَ وفدَ عليهِ مَع عامرِ بنِ الطُّفَيل قاصدينَ لقتلِهِ عليه السَّلام فابتلى اللهُ عامرًا بغُدّةٍ كغُدَّةِ البعير ثُمَّ ماتَ في بيتِ امرأةٍ مِنْ سلول وأرسَلَ على أَرْبد صاعِقةً فقتلتهُ، وكانَ هذا الخبيث قالَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني عن ربنا أمِن نُحاسٍ هو أَمِن حديد.
﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي يوصلُ الضَّررَ والهلاكَ لأعدائهِ مِنْ حيثُ لا يَحتسبون.

نسألُ الله السلامةَ والنجاةَ والثباتَ على الحقِّ إنه على ما يشاء قدير وبعبادِهِ لطيفٌ خبير، اللهم ثبتنا على دينك وتوفَّنا وأنت راضٍ عنا

الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة

يقولُ الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء {24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ {25} وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ{26} يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاء {27}﴾ سورة إبراهيم.

لقد جعلَ اللهُ الكلمةَ الطيبةَ مَثَلاً للشجَرةِ الطيبةِ التِي أصلُها ثابتٌ فِي الأرضِ ضارِبٌ بعُروقِهِ فيها وفرعُها أي رأسُها وأعلاهَا فِي السماء، والكَلِمَةُ الطيبةُ هي كلِمَةُ التوحيد كلمةُ لا إلـٰه إلا الله أصلُها تصديقٌ بالجَنان وفرعُها إقرارٌ باللّسان وأُكُلُها عمَلٌ بالأركان، والتوحيد كما قال الإمام الجنيد:إفراد القديم من المحدث،أي تنـزيه الله الأزليّ الذي لاابتداء لوجوده عن مشابهة المحدث المخلوق وهو هذا العالم. وكما أنَّ الشجرةَ شجرةٌ وإن لَم تكن حامِلاً، فالمؤمنُ مؤمنٌ وإن لَم يكن عامِلاً، ولكنَّ الأشجارُ لا تُرادُ إلا للثّمار فما أقواتُ النارِ إلا مِنَ الأشجار إذا اعتادَتِ الإخفار في عهدِ الإثمار، والشجرةُ كلُّ شجرةٍ مُثمرَةٍ طيبةِ الثمار كالنخلةِ وشجرةِ التينِ ونَحوِ ذلك والجمهورُ على أنها النخلة، فعنِ ابنِ عمرَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال ذاتَ يومٍ (إنَّ اللهَ تعالى ضربَ مثلَ المؤمِنِ شجرةً فأخبرونِي ما هي) فوقعَ الناسُ فِي شجرِ البوادي وكنتُ صبيًّا فوقعَ فِي قلبِي أنها النخلة فهِبتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ أقولَها وأنا أصغَرُ القوم، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم (ألا إنها النّخلة) رواهُ البخاريُّ ومسلم. فقالَ عمرُ: يا بنَيَّ لو كنتَ قُلتَها لكانت أحبَّ إلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَم أي الإبلِ الحُمُر لأنَّ لها اعتبارًا كبيرًا عندَ العرب.

﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ أي تُعطي ثَمرَها كلَّ وقتٍّ وقَّتَهُ الله لإثْمارِها ﴿بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ أي بتيسيرِ خالِقها وتكوِينهِ ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون﴾ لأنَّ في ضربِ الأمثالِ زيادَةُ إفهَامٍ وتذكيرٍ وتصويرٍ للمعاني. ﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾وهي كلمةُ الكفرِ ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ وهي كلُّ شجرةٍ لا يَطِيبُ ثَمَرُها وفِي الحديثِ أنها شجرةُ الحَنظل، ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ﴾ أي استؤصِلَت جثتُها، وحقيقةُ الاجتِثَاثِ أخذُ الجثَّةِ كلِّها، ﴿مَا لَهَا مِن قَرَار﴾ أي استقرار.

ثم أخبرنا اللهُ سبحانه بأنه يثبت الذين ءامنوا فقال ﴿ يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي يُديمُهم عليه بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وهو قولُ لا إلـٰه إلا الله محمّدٌ رسولُ الله حتّى إذا فُتِنوا فِي دينِهم لَم يَزِلّوا، كما ثبَّتَ الذين أرادَ أصحابُ الأخدودِ فِتنَتَهم فلم يُفتنوا، ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ يُثبّتهُم كذلك أي يُثبّتهُم فِي قبورِهم بتلقين الجوابِ وتمكينِ الصواب، فعنِ البراءِ بنِ عازبٍ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ذكرَ قبضَ روحِ المؤمنِ فقال (ثم تُعادُ روحُهُ في جسدِهِ فيأتيهِ ملَكان فيُجلسانِهِ في قبرِهِ فيقولانِ له: مَنْ ربُّك وما دينُك ومَنْ نبيُّك، فيقولُ ربّيَ الله ودينِيَ الإسلامُ ونبيّيَ محمّدٌ صلى الله عليه وسلم فيُنادي منادٍ مِنَ السَّماء (أي الملك من الملائكة مبلغا عن الله) أنْ صدقَ عبدِي فذلك قولُه ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ ثم يقولُ الملكان عِشتَ سعيدًا ومُتَّ حَميدًا نَم نومةَ العروس) رواه أبو داودَ والحاكم. ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ﴾ فلا يُثبّتهُم على القولِ الثّابت في مواقفِ الفِتَن وتَزِلُّ أقدامُهم أوَّلَ شىء وهم في الآخرةِ أضَلُّ وأزلّ، ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاء﴾ فلا اعتراضَ عليهِ في تثبيتِ المؤمنين وإضلالِ الظالمين وهو الحَكَمُ العدلُ الذي لا يُسئلُ عمّا يفعل وهم يسألون .اهـ

 

نسألُ الله العِصمةَ والسلامةَ من الفتن وأن يثبتنا على دينِ الإسلام وأن يجعلنا من عبادِهِ المرضيين إنه على كلِ شىءٍ قدير

البروج وحفظ السماء من الشياطين

يقولُ الله تبارك وتعالى ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ {16}وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ {17} إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ {18}وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ {19} وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ {20} وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ{21} وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ {22}﴾ سورة الحِجر.

أخبرنا اللهُ سبحانهُ وتعالى بأنه خَلَقَ في السَّـماءِ ﴿بُرُوجًا﴾ أي نجومًا، وهي اثنا عشَرَ بُرجًا كلُّ بُرجٍ عِبارَةٌ عن مَجموعةٍ مِنَ النُّجومِ وهي: الحَمْلُ والعقرَبُ والثَّورُ والميزان والجوزاءُ والسُّنبُلَةُ والسَّرطانُ والأسدُ والقوسُ والحوتُ والجَدْيُ والدّلو. أو هي منازِلُ الكواكبِ السَّبعةِ السيّارة وللشمسِ بيتٌ وللقمرِ بيتٌ؛ فالحَمْلُ والعقرَبُ بيتَا المَرّيخ، والثورُ والميزانُ بيتَا الزُّهرَةِ، والجَوزاءُ والسُّنبلَةُ بيتَا عُطارِد، والسَّرَطانُ بيتُ القمَر، والأسدُ بيتُ الشَّمس، والقوسُ والحوتُ بيتَا المشتري، والجَديُ والدّلوُ بيتَا زُحَل. سُمّيتِ المنازِلُ بالبروج التي هي القصورُ العاليةُ لأنها لِهذه الكواكبِ كالمنازِلِ لسُكَّانِها، وقالَ الحسَنُ وقَتادَة ومُجاهِدٌ (البروجُ هي النّجومُ الكِبارُ لظهورِها). ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ أي السَّماءَ ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾. ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ أي ملعون، ﴿إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ﴾ نَجمٌ يَنقُضُ فيعود، ﴿مُّبِينٌ﴾ ظاهِرٌ للمُبصِرين، وذلك أنهم طلَبوا بلوغَ السَّماءِ والاستماعَ إلى كلامِ الملائكِةِ الذينَ فيها فوجدوها مُلأَت حرَسًا شديدًا جَمعًا من الملائكةِ أقوياءَ يحرسون، وشُهُبًا أي كواكِبَ مُضيئة وكانوا قبلَ ذلك يقعدونَ مِنَ السَّماءِ مقاعِدَ لاستماعِ أخبارِ السَّماءِ، لأنهم كانوا يجِدونَ بعضَ السَّمَاءِ خاليةً مِنَ الحرَسِ والشُّهُبِ قبلَ بِعثَةِ النبِيّصلى الله عليه وسلم أما بعدَ بِعثَتِهِ يَجدونَ الملائِكةَ راصدِينَ لَهم بالشُّهب يَرجُمونَهم بِها ويَمنعونَهم مِنَ الاستماعِ لكنَّ بعضَ الشَّياطين يتكلّفون وبعضٌ لا يفعلون خوفًا مِنْ أن يُصابوا، والذينَ يتكلَّفونَ يُصابونَ وبعضهُم يَبقَونَ أحياءَ فيُخبرونَ الكُهّانَ بِما سَمِعوا. روى البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ حديثِ عائشةَ رضي الله عنها قالت: سألَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنـاسٌ عنِ الكُهّان فقالَ: ((ليسُوا بشىء)) فقالوا: يا رسولَ اللهِ إنهم يُحَدّثونَنا أحيانـًا بشىءٍ فيكونُ حقًّا، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم (تلكَ الكلِمَةُ مِنَ الحقِّ يَخطَفُها الجِنيُّ فيقرُّها (أي يُلقيها) في أُذِنِ وليِّهِ فيَخلِطونَ معها مائَةَ كَذْبَة) وفي روايةٍ للبخاريّ عن عائشَةَ رضيَ الله عنها أنها سَمِعَت رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول (إنّ الملائكةَ تنْزِلُ في العَنان (وهو السَّحاب) فتذكُرُ الأمرَ قُضِيَ في السّماءِ فيسترقُ الشّيطانُ السَّمعَ فيسمَعُهُ فيوحيهِ إلى الكُهّانِ فيكذبونَ معها مائةَ كَذبَةٍ مِنْ عندِ أنفُسِهِم) والكاهِنُ هو الذي يتعاطى الإخبارَ عنِ الكائناتِ في المستقبل.

يقولُ اللهُ تعالى ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أي بسَطْناها، والْجمهورُ على أنه تعالى مَدَّها على وجهِ الماء، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ أي جبالاً ثوَابِتَ مُثبّتاتٍ للأرض، ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ وُزِنَ بِميزانِ الحِكمةِ وقُدِّرَ بِمقدارٍ تقتضيهِ لا تصلُحُ فيهِ زيادَةٌ ولا نُقصان، أو له وزنٌ وقدْرٌ في أبوابِ المنفعةِ والنّعمة. ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ أي ما يُعاشُ به مِنَ المطاعِم ﴿وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ أي وجعلنا فيها معايشَ لِمَنْ ﴿لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ وهم العِيالُ والمماليكُ والخَدَمُ والأنعَامُ والدّوابُّ ونحو ذلك.

وأخبرَنا سبحانه وتعالى أنه ما مِنْ شىءٍ يَنتفِعُ به العِباد إلا وهو قادِرٌ على إيجادِهِ وتكوينِهِ والإنعَامِ به، وأنه لا يُعطيهِ إلا بِمقدارٍ معلوم، فضربَ الخزائنَ مثلاً لاقتدارِهِ على كلِّ مقدور فهو القادِرُ على كلِّ شىءٍ الذي لا يُعجِزُهُ شىء. وأخبرَنا سبحانه بأنه أرسَلَ الرّياحَ حوامِلَ بالسَّحاب لأنها تَحمِلُ السَّحابَ في جوفِها كأنها لاقِحَةٌ بها، وأنه أنزَلَ لنا ﴿مِنَ السَّمَاء مَاءً﴾ فجعلَهُ لنا سُقيا، وقال ﴿وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ نفَى عنهم ما أثبتَهُ لنفسِهِ في قولِهِ ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ كأنه قال: نحنُ الخازِنونَ للماءِ على معنى نحنُ القادرونَ على خَلقِهِ في السّماء وإنزالِهِ منها وما أنتم عليه بقادرين، وفيه دِلالَةٌعظيمةٌ على قدرتِهِ وعَجزِهِم فسبحانَ الله القديرِ على كلِّ شىء الذي لا يحتاجُ إلى مُعِينٍ ولا وزير.

ربنا اغفر لنا وللمؤمنينَ والمؤمنات وأصلِح لنا شأننا كُلَّهُ ولا تكلنا إلى أنفُسِنا طَرفةَ عين وأكرمنا برؤيةِ نبيك محمّدٍ عليه الصَّلاة والسلام واجعلنا من عبادك الشكورين يا أرحم الراحمين