قال أخي الشيخ نبيل: كان شيخنا يدرس في جامع البسطة الفوقا بعد صلاة الجمعة يجتمع الطلبة حوله يسألونه في شتى علوم الدين، أخذني إليه أخي أسامة حفظه الله وكان عمري نحو اثنتي عشرة سنة وأثناء السؤالات والأجوبة شعرت بجوع شديد فنظر الشيخ إلى أخي حفظه الله وقال له.
اذهب إلى البيت لعل أخاك هذا قد جاع. أقول لكم تعجبت كيف التفت الشيخ إلى أمري مع صغر سني وكون الكبار حوله وأنا في حاشية المجلس، وترك ذلك أثرا لطيفا في قلبي لا أزال أجد أثره إلى الآن وأقول: رحم الله الشيخ.
ويقول أخي الشيخ نبيل: مرة كنت نائما في بيت شيخنا على فراش على الأرض وكان وقت الشتاء والبرد، استيقظت بالليل والشيخ رحمه الله يضع علي عباءة ليحفظني من البرد هذا منذ أكثر من نحو أربعين سنة، ومن المؤنس ذكره أن ولدي الأصغر محمدا حفظه الله استأذنت شيخنا ليبيت في بيته فأذن، فقال لي ولدي: جاء الشيخ بالليل وغطاني بردائه. فحمدت الله على نعمة أن حظي والدي وأنا وأهلي وأولادي بمعرفة هذا الرجل الصالح والاستفادة منه.
قلت وفي ليلة ظلماء اشتد فيها الضيق والكرب على المسلمين في بيروت، وأصاب الخوف قسما منهم، واشتدت فيها المعارك، ودخل الرصاص البيت الذي نحن فيه، صار شيخنا يقرأ {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} [يس: 9]، وأعاد الشيخ هذه الآية نحو ثلاث عشرة مرة، وقام شيخنا ليلا فتوضأ وصلى ركعتين وقرأ في الركعة الثانية: {لإيلاف قريش *إيلافهم} [قريش: 1، 2] إلى ءاخر السورة، ثم جلس وصار يدعو قائلا: «رب أسألك بنبيك محمد أن تكفينا ما أهمنا يا ذا الجلال والإكرام» مرددا إياها كثيرا، ثم ألبسني ثوبه ووضع يده علي وصار يقول: رب أسألك بنبيك محمد أن تكفيني ومن أحبني ما أهمنا يا ذا الجلال والإكرام، مرددا ذلك، ثم صار يقرأ سورة {لإيلاف قريش *إيلافهم} مرددا إياها عدة مرات، ثم صار يقول: «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» مرددا إياها عدة مرات، ثم صار يقول: «اللهم صل على محمد وءاله وسلم» مرددا إياها عدة مرات، ذلك شعرت أن الكرب ذهب عني أغلبه وشعرت بعد برهة باطمئنان كبير وخف القصف إثر ذلك كثيرا، ثم قام فصلى الصبح وصلينا معه، ثم قرأ بعض الأوراد وقرأنا نحن، ثم نمنا، وبعد يومين أصابت قذيفة شرفة البيت الذي نحن فيه، فصار الشيخ يقول بعد حصول ذلك ببرهة: «لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين».
وقال أخي الشيخ نبيل: كان شيخنا رحمه الله يوصيني بوالدي خيرا وأن أحسن معاملته ويوصي ببر الوالدين والإحسان إليهما، وعندما مرض والدي قصده الشيخ إلى المستشفى لزيارته قبل زيارته للمدينة المنورة، ثم توفي والدي رحمه الله فلما رجع الشيخ من سفره كنت وإخوتي الذكور في بيته فنادانا، وقال: أعظم الله أجركم، وقال: رأيت والدكم في الـمنام يلبس البياض ويقول أبيات شعر يمدح فيها الأشراف، وقد أخبرني والدي رحمه الله أنه رأى النبي ﷺ في الرؤيا أكثر من مرة والحمد لله على ذلك.
والشيخ كان من أهل الوفاء الشديد ومقابلة الإحسان بالإحسان، فجاء إلى بيتنا بعد وفاة والدي وعزى الوالدة والأهل ودعا لوالدي وقرأ له الفاتحة، وبعد وفاة جدي والد والدتي جاء إلى بيتنا بالليل وعزى والدتي والأهل. وأذكر أنني قشرت له التفاح وقدمت له فأكل قطعة ثم قام وقدم لي الباقي وقال: كل.
تواضع وأنس وعلم وهيبة وطيبة ووفاء وحنان وكثرة ذكر، كان يذكر الله بين اللقمة واللقمة، بل وأثناء التدريس أحيانا يهلل سرا بين جملة وجملة. ومرة كلم شيخنا في كتاب للفاروثي رضي الله عنه يتكلم فيه عن سيدنا أحمد الرفاعي وكراماته، فطلب الشيخ الكتاب من الشيخ أحمد الرفاعي المداح رحمه الله فقال له الشيخ أحمد من باب المباسطة: بشروط، فقال له شيخنا من شدة تعلقه بالرفاعي رضي الله عنه وتواضعه وحبه للعلم «ألتزم كل الشروط».
رحم الله تعالى شيخنا الشيخ عبد الله الهرري رحمة وسعة وجزاه عنا خير الجزاء.