الخميس يناير 29, 2026

عرش بلقيس عند سليمان وكرامة لأحد أتباعه المؤمنين

 

لما رجعت رسل بلقيس إليها أخبروا ملكتهم بخبر سليمان عليه السلام، ووصفوا لها ما شاهدوه من عظمة ملك سليمان عليه السلام وكثرة جنده وقوة بأسه، وأخبروها بأنه رد الهدايا إليها ولم يرض المصانعة، وأنه مصمم على غزو بلادهم بجيش كبير عرمرم لا قدرة لهم عليه، ولما سمعت الملكة “بلقيس” أخبار رسلها عن سليمان عليه السلام وعظيم ملكه أيقنت بعظم سلطانه ومهابته وعدم طاقتها على مقاومته، فبعثت إليه: إني قادمة إليك لانظر ما تدعو إليه، ثم أمرت بعرشها فجعل وراء سبعة أبواب، ووكلت به حرسا يحفظونه وسارت إلى سليمان عليه السلام بجيش كبير مع رجالها وجماعتها.

 

وكان نبي الله سليمان عليه السلام عظيم الهيبة كثيرا ما كان الناس لا يبدأونه بشيء حتى يسأل هو عنه فجلس يوما على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذا؟ فقالوا: “بلقيس” قد نزلت بهذا المكان وكان قدر فرسخ، وكان قد بلغه أن بلقيس عملت هلى حراسة عرشها قبل خروجها، فلما علم سليمان عليه السلام بقدومها إليه، شيد لها قصرا عظيما من زجاج وجعل في ممره ماء وجعل عليه سقفا من زجاج، وجعل فيه السمك وغيره من دواب الماء بحيث يخيل للناظر أنه في لجة من الماء.

 

وأراد سليمان عليه السلام أن يظهر لبلقيس من دلائل عظمته وسلطانه ما يبهرها وأن ترى بعينها ما لم تره من قبل قط، وهو أن ياتي بعرشها إلى قصره ليكون جلوسها عليه في ذلك الصرح العظيم دليلا باهرا على نبوته لأنها خلفته في قصرها واحتاطت عليه، فأمر عليه السلام جنوده وخواصه أن يخبروه عن مخلوق قوي ليأتيه بعرش بلقيس، فتطوع عفريت قوي من الجن وأخبره أنه قادر على إحضار عرش بلقيس في مدة قصيرة لا تتجاوز نصف نهار، يقول الله تبارك وتعالى إخبارا عن سليمان عليه السلام: {قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين* قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} [سورة النمل/٣٨-٣٩] أي مجلسك، وكان سليمان عليه السلام يجلس للقضاء بين الناس من وقت الفجر إلى نصف النهار، ثم قال له: {وإني عليه لقوي أمين} [سورة النمل/٣٩] أي وإني لذو قدرة على إحضاره إليك وذو أمانة على ما فيه من الجواهر النفيسة.

 

وكان هناك عند سليمان عليه السلام رجل من أهل الإيمان مشهور بالتقوى والولاية أعطاه الله معرفة اسمه الأعظم ويدعى ءاصف بن برخيا ويقال إنه ابن خالة سليمان فقال لسليمان عليه السلام ما أخبر الله تعالى بقوله: {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} [سورة النمل/٤٠] أي قبل أن يرجع إليك بصرك إذا نظرت به إلى أبعد غاية منك ثم أغمضته، وكان الأمر كما قال وإذا بعرش بلقيس بعظمته وحليه قائم وحاضر في القصر أمام نبي الله سليمان عليه السلام، فلما رأى سليمان عليه السلام عرش بلقيس عنده في هذه المدة القريبة قال ما أخبر الله به عنه في هذه الآية في قوله: {قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر} [سورة النمل/٤٠] أي هذا من فضل الله علي وفضله على عبيده ليختبرهم على الشكر أو خلافه {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه} [سورة النمل/٤٠] أي يعود نفع ذلك عليه {ومن كفر فإن ربي غني كريم} [سورة النمل/٤٠] أي ترك الشكر.

 

ثم أمر نبي الله سليمان عليه السلام أن يغير بعض معالم العرش ليمتحن بها قوة ملاحظتها وانتباهها وليختبر فهمها وعقلها، قال الله تعالى: {قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون* فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو} [سورة النمل/٤١-٤٢] وهذا من فطانتها وغزارة فهمها لأنها استبعدت أن يكون عرشها لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن تحت حراسة شديدة، ولم تكن تعلم أن أحدا يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب، قال الله تعالى إخبارا عن سليمان عليه السلام: {وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين* وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين} [سورة النمل/٤٢-٤٣] ولمعنى صدها عن عبادة الله تعالى وحده عبادتها للشمس والقمر اتباعا لدين ءابائها لأنها نشأت ولم تعرف إلا قوما كافرين يعبدون الشمس من دون الله تعالى.

 

وكان سليمان عليه السلام قد أمرها بدخول القصر وكان جالسا على سرير عرشه، قال الله تعالى: {فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير} [سورة النمل/٤٤].

 

فلما رأت الدلائل الباهرة والخوارق العجيبة أعلنت إسلامها وتبرأت مما كانت عليه من كفر وضلال، يقول الله تعالى حكاية عن بلقيس: {قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} [سورة النمل/٤٤].

 

وبعد أن أسلمت بلقيس ودخلت تحت سلطان سليمان عليه السلام يقال إنه تزوجها وأقرها على مملكة اليمن وردها إلى بلدها وكان يزورها في مملكتها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام وأمر الجن المسخرين له أن يبنوا له ثلاثة قصور هناك. والله أعلم.