الثلاثاء يناير 27, 2026

ظهور التجسيم

لو تتبعنا آثار التجسيم لنعرف أصله ونشأته لوصلنا إلى مطلع القرن الهجري الثاني، هذا العصر الذي دهمت فيه العقيدة الاسلامية أعشاش الوثنية والمجوسية وغيرها من الملل والنحل، فكشفت عن زيغها حتى تركها كثير ممن كان مقيما عليها إلى دين الاسلام، ودخل أهلها فيه أفواجا أفواجا.

ولكن بعد انتشار الاسلام هذا الانتشار السريع، نشأت بسبب اختلاط المسلمين بغيرهم مشاكل فكرية لم تكن معروفة في زمن الرسالة، ومن أهم الأسباب في ذلك اختلاط العرب بالعجم، الذي أدى إلى ظهور اللحن([1]) مما دفع العرب إلى جمع اللغة ووضع علومها وتقعيدها. فلما دخل في دين الاسلام أفواج من أمم لم يتذوقوا بيان العربية، وقفوا على بعض الألفاظ القرآنية مجردة عن سياقها، وهم لهم جذور في مخالفة التنـزيه في الوثنية والأديان المحرفة. فصار من كان معتنقا لهذه الملل يشكل عليه وجود بعض هذه الألفاظ فصارت في حقه موهمة للتجسيم والتشبيه.

ولهذا كان في السلف من يتخوف من التحديث بمثل هذه الأحاديث الموهمة بدون شرح إشفاقا على هؤلاء وغيرهم، وفي ذلك يقول القاضي عياض: «رحم الله الامام مالك، فلقد كره التحدث بمثل هذه الأحاديث الموهمة للتشبيه والمشكلة المعنى، والنبي ﷺ أوردها على قوم عرب يفهمون كلام العرب على وجهه وتصرفاتهم في حقيقته ومجازه واستعارته وبليغه وإيجازه، فلم تكن في حقهم مشكلة، ثم جاء من غلبت عليه العجمة وداخلته الامية، فلا يكاد يفهم من مقاصد العرب الا نصها وصريحها، فتفرقوا في تأويلها أو حملها على ظاهرها شذر مذر([2]) فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فأما ما لا يصح من هذه الأحاديث فواجب ألا يذكر منها شيء في حق الله ولا في حق أنبيائه ولا يتحدث بها ولا يتكلف الكلام على معانيها»([3]) اهـ.

ومما يؤكد ما سبق أن أول ظهور لمقالة التشبيه والتجسيم ممن يدعي الاسلام وهو ليس بمسلم كان في بلاد بعيدة عن مراكز منابع العلوم الاسلامية، وذلك في بلخ من بلاد خراسان حيث أظهر مقاتل بن سليمان السدوسي (ت 150هـ) مقالته فقال([4]): «إن الله جسم وله جوارح وأعضاء من يد ورجل وعينين» اهـ. وهناك ايضا ظهرت مقالة هشام بن الحكم (ت 190هـ) فقال([5]): «إن لله جسما يقوم ويتحرك» اهـ.

وهناك ايضا ظهرت مقالة جهم بن صفوان الذي تصدى لمقالة مقاتل وهشام غير انه أفرط في النفي كما أفرط خصماه في التشبيه، وجرت بين الفريقين مناظرات انتقل صداها إلى علماء المسلمين من السلف الصالح رضوان الله عليهم لما سارع العوام اليهم يسألون عن الحق في ما أحدثه هذا النزاع من الإفراط والتفريط، وفي ذلك يقول الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه([6]): «أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطل، ومقاتل مشبه» اهـ. ويقول ايضا([7]): «أفرط جهم في النفي حتى قال: إنه ليس بشيء، وأفرط مقاتل في الاثبات حتى جعل الله تعالى مثل خلقه» اهـ.

وكان موقف السلف في أول ظهور هذه البدعة هو إظهار الطعن والبراءة من الخائض فيها من الفريقين كما سبق عن الإمام أبي حنيفة، وكانوا ايضا يبدعون السائل على وجه التشكيك ويزجرونه، ومن ذلك الحكاية المشهورة عن الإمام مالك رضي الله عنه وقد تقدمت في ما أخرج البيهقي: «أن رجلا دخل على الإمام مالك فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى {5} (طه) كيف استوائه؟ قال: فأطرق مالك وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال: الرحمن على العرش استوى {5} كما وصف نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء صاحب بدعة، أخرجوه، فأخرج الرجل» اهـ. فقول مالك رضي الله عنه: «وكيف عنه مرفوع» أي ليس استوائه على عرشه كيفا أي هيئة كاستواء المخلوقين من جلوس ونحو.

وروى اللالكائي عن أم سلمة رضي الله عنها وربيعة بن أبي عبد الرحمن أنهما قالا: «الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول» اهـ. فمرادهما بقولهما: «غير مجهول» أنه معلوم وروده في القرآن بدليل رواية عند اللالكائي وهي: «الاستواء مذكور» أي مذكور في القرآن ولا يعنيان أنه بمعنى الجلوس ولكن كيفية الجلوس مجهولة كما زعم بعض المشبهة النجديين! ويرد زعمهم قول أم سلمة وربيعة: «والكيف غير معقول»، فإن معناه أن الاستواء بمعنى الهيئة كالجلوس لا يعقل أي لا يقبل العقل لكونه من صفات الخلق، لأن الجلوس لا يصح الا من ذي أعضاء كالألية والركبة، تعالى الله عن ذلك، فلا معنى لقول المشبهة: «الاستواء معلوم والكيفية مجهولة» يقصدون بذلك أن الاستواء هو الجلوس لكن كيفية ذلك الجلوس غير معلومة! وهذا ضلال لأن الجلوس كيفما كان لا يكون الا بأعضاء، وهؤلاء يوهمون الناس أن هذا مراد مالك بما روي ولم يثبت عنه: «والكيف مجهول» ولو ثبت لكان مراده ما قدمناه وهو أنه بمعنى الحقيقة.

ولما عمت البلوى وانتشرت البدعة، نهض العلماء لقمعها، وكانوا أغنى الخلق عن هذا البحث لولا انتشار البدعة، ولم يعد مقبولا سكوت الأمة عن هذه الضلالات، فتعين فرضا كفائيا الذب عن السنة ومحاربة تلك البدع والفتن.

وقد اتفق جميع أهل المذاهب من أهل السنة على ترك السكوت عن ذلك المنكر، فتكلم في ذلك المحدثون والفقهاء والمتكلمون دفاعا عن الدين والقرآن، حتى المعتزلة كانوا قد أنكروا القول بالتجسيم والتشبيه، ولكن مالوا إلى رأي جهم في نفي الصفات والعياذ بالله، وقالوا بخلق القرآن، ولما أفرط المعتزلة بالنفي قابلهم بعض المبتدعة بالغلو في الاثبات فأثبتوا بعض الأخبار الواهية المنكرة، وجمعوا الصحيح مع الضعيف المنكر في مصنفات وسموها أخبار الصفات، وسموا هذه المصنفات بالتوحيد أو السنة أو الرد على الجهمية. ولم يكن هذا الإفراط المقابل بالتفريط الا وبالا على المسلمين، وتعمق بسببه الخلاف والتنازع، واشتد به الصراع الفكري، وبعدت الشقة بين المتنازعين وكثرت الفرق المبتدعة وتشعبت حتى اقبل القرن الرابع الهجري، وقد بلغ السير الزبى، فلم يكن بد من تأليف رسائل في العقيدة لحفظ عقائد المسلمين وصد المبتدعة المشوشين فوضعت العقيدة الطحاوية في مصر على يد أبي جعفر الطحاوي، في الوقت الذي ظهر فيه نجم الإمامين أبي منصور الماتريدي في سمرقند، وأبي الحسن الأشعري في بغداد.

وتهيأ للمذهب الأشعري أن يسود ويغلب، لأنه نشأ في عاصمة الخلافة بغداد، وملتقى علماء الأمة ورجالها، فسهل الله تعالى له منهم من يقوم بنصرته وتأيده وتأصيله.

وكان إمام الأشاعرة الذي أخرجه الله عز وجل من نسل الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه إماما صداعا بالحق، فقام بنصرة دين الله وجاهد بلسانه وبيانه، وزاد في التبيين لأهل اليقين أن ما جاء به الكتاب والسنة وما كان عليه سلف هذه الأمة مستقيم للعقول الصحيحة([11]).

وبظهور المذهب الأشعري انحسر التيار المعتزلي، ولكن بذر الشيطان بذرته بين بعض الحنابلة الذين ظهر من بينهم من غلا وشبه الله تعالى بمخلوقاته، وإليهم انتسب ابن تيمية الحراني الذي ظهر في القرن الثامن بعد مئات السنين من موت الإمام أحمد بن حنبل، ولم يكن هذا حال الجميع، بل قد توافق المحدثون والفقهاء من الحنابلة المنزهة مع المتكلمين الأشاعرة والماتريدية.

ومن ثناء المحدثين على أبي الحسن الأشعري قول محدث زمانه وشيخ السنة في وقته الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كلام طويل نقله الحافظ ابن عساكر([12])ومنه: «لا يخفى حال شيخنا أبي الحسن الأشعري رحمة الله عليه ورضوانه، وما يرجع إليه من شرف الأصل وكبر المحل في العلم والفضل، وكثرة الأصحاب من الحنفية والمالكية والشافعية الذين رغبوا في علم الأصول وأحبوا معرفة دلائل العقول. وفضائل الشيخ أبي الحسن ومناقبه أكثر من أن يمكن ذكرها، لكني أذكر بمشيئة الله تعالى من شرفه بآبائه وأجداده وفضله بعلمه وحسن اعتقاده وكبر محله بكثرة أصحابه ما يحمل على الذب عنه وعن أتباعه» ثم أخذ البيهقي في ذكر ترجمة الشيخ وذكر نسبه إلى أن قال: «فلم يحدث في دين الله حدثا، ولم يأت فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصرها بزيادة شرح وتبيين، وأن ما قالوا وجاء به الشرع في الأصول صحيح في العقول، بخلاف ما زعم أهل الأهواء من أن بعضه لا يستقيم في الآراء، فكان في بيانه تقوية ما لم يدل عليه أهل السنة والجماعة، ونصرة أقاويل من مضى من الأئمة كأبي حنيفة وسفيان الثوري من أهل الكوفة، والأوزاعي وغيره من أهل الشام، وصار رأسا في العلم من أهل السنة في قديم الدهر وحديثه» اهـ.

واستحسن العلماء من المحدثين والفقهاء والمفسرين والمتكلمين طريقة أبي الحسن الأشعري، وقد اجتهد السبكي([13]) ومن قبله ابن عساكر وغيرهم في ترجمة رجال هذا المذهب. ولا عجب فهم الجمهور الأعظم من علماء الأمة وساداتها، كما قال ابن عساكر([14]): «هل من الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية الا موافق للأشعري ومنتسب إليه وراض بحميد سعيه في دين الله ومثن بكثرة العلم عليه، غير شرذمة قليلة تضمر التشبيه وتعادي كل موحد يعتقد التنزيه» اهـ.

واستمر التوافق بين الحنابلة والأشاعرة بعد أبي الحسن، حتى إن شيخ الحنابلة ببغداد أبا الفضل التميمي حضر جنازة الإمام الباقلاني شيخ الأشاعرة بعد أبي الحسن، وأمر مناديا يقول بين يدي جنازته: «هذا ناصر الدين والذاب عن الشريعة، هذا الذي صنف سبعين ألف ورقة» اهـ. ثم كان يزور قبره كل جمعة.

ومثل هذا يقال في الإمام أبي منصور الماتريدي، لأنه مثل الأشعري رضي الله عنهما حيث قام بتقرير عقائد السلف بالأدلة النقلية والعقلية بإيضاح واسع، فقد جمع هذان الإمامان الإثبات مع التنزيه، فليسا على التشبيه ولا التعطيل، ولعن الله من يسمي الأشعري أو الماتريدي معطلا، فهل خالفا التنزيه الذي ذكره الله بقوله: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير {11} (الشورى)، بل هما نفيا عن الله الجسمية وما ينبني عليها، ما تنقمه المشبهة كالوهابية منهما؛ فإن المشبهة قاست الخالق بالمخلوق فنفت موجودا ليس جسما، والإمامان ومن تبعهما وهم الأمة المحمدية قالوا: إن الله لو كان جسما لكان له أمثال لا تحصى.

وقال العلامة طاشكبري زاده([16]): «ثم اعلم أن رئيس أهل السنة والجماعة في علم الكلام رجلان، أحدهما حنفي والآخر شافعي، أما الحنفي فهو أبو منصور محمد بن محمود الماتريدي، إمام الهدى. وأما الآخر الشافعي فهو شيخ السنة ورئيس الجماعة إمام المتكلمين وناصر سنة سيد المرسلين والذاب عن الدين والساعي في حفظ عقائد المسلمين أبو الحسن الأشعري البصري، حامي جناب الشرع الشريف من الحديث المفترى، الذي قام في نصرة ملة الاسلام فنصرها نصرا مؤزرا» اهـ.

والحاصل أنه بظهور مذهب الأشعري انحصر خلاف العقلاء عن الهوى والعصبية في الألفاظ الموهمة في مسلكين: التفويض مع التأويل الإجمالي أو التأويل التفصيلي. فجميع ما ورد في الكتاب والسنة مما لا يجوز اعتقاد ظاهره كاليد والعين يجب الايمان به مقرونا بالتنزيه، فإن كلا منها قد يستعمل صفة له تعالى لا بمعنى الجارحة بل على وجه يليق به، وقد يؤول كل ذلك لأجل صرف العامة عن الجسمية على وجه يحتمل أن يكون المعنى المراد لله تعالى ولرسوله بتلك النصوص لا على الجزم والقطع بأنه هو المراد، وهذا يسمى تأويلا تفصيليا، كأن يقال: استوى أي قهر، ومن هنا بوب الإمام البيهقي في كتابة الأسماء والصفات الأخبار الواردة في ذلك على وجه التنزيه ونفي التشبيه فقال([17]): «باب ما جاء في اثبات الوجه صفة لا من حيث الصورة» اهـ.

وقال([18]): «باب ما جاء في اثبات العين صفة لا من حيث الحدقة» اهـ.

وقال([19]): «باب ما جاء في اثبات اليدين صفتين لا من حيث الجارحة» اهـ.

وقال ايضا([20]): «باب ما ذكر في الصورة: الصورة هي التركيب، والمصور هو المركب، قال الله عز وجل: يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم {6} الذي خلقك فسواك فعدلك {7} في أي صورة ما شاء ركبك {8} (الانفطار) ولا يجوز أن يكون البارئ تعالى مصورا ولا أن يكون له صورة، لأن الصورة مختلفة والهيئات متضادة، ولا يجوز اتصافه تعالى بجميعها لتضادها، ولا يجوز اختصاصه ببعضها الا بمخصص لجواز جميعها على من جاز عليه بعضها، فإذا اختص ببعضها اقتضى مخصصا خصصه به وذلك يوجب أن يكون مخلوقا وهو محال، فاستحال أن يكون مصورا وهو الخالق البارئ المصور» اهـ.

قاعدتان نافعتان:

أحدها: ما ذكره الحافظ الفقيه البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه ونصه: «والثانية: لا تثبت الصفة لله بقول صحابي أو تابعي الا بما صح من الأحاديث النبوية المرفوعة المتفق على توثيق رواتها، فلا يحتج بالضعيف ولا بالمختلف في توثيق رواته حتى لو ورد اسناد فيه مختلف فيه وجاء حديث آخر يعضده فلا يحتج به» اهـ.

الثانية: قال فيه ايضا ما نصه([21]): «واذا روى الثقة المأمون خبرا متصل الاسناد رد بأمور: أحدها: أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه، لأن الشرع انما يرد بمجوزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا، الثاني: أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة، فيعلم أنه لا اصل له أو منسوخ، الثالث: أن يخالف الاجماع فيستدل على أنه منسوخ أو لا اصل له، لأنه لا يجوز أن يكون صحيحا غير منسوخ وتجمع الأمة على خلافه» اهـ.

ومن ثم نص علماء الحديث أن الحديث اذا خالف صريح العقل أو النص القرءاني أو الحديث المتواتر ولم يقبل تأويلا فهو باطل، وذكره ايضا الفقهاء والأصوليون في كتب أصول الفقه كتاج الدين السبكي في جمع الجوامع وغيره.

قال أبو سليمان الخطابي([22]): «لا تثبت لله صفة الا بالكتاب أو خبر مقطوع بصحته يستند الى اصل في الكتاب أو في السنة المقطوع بصحتها، وما بخلاف ذلك فالواجب التوقف عن اطلاق ذلك، ويتأول على ما يليق بمعاني الأصول المتفق عليها من أقوال أهل العلم من نفي التشبيه» اهـ.

ثم قال: «وذكر الأصابع لم يوجد في شيء من الكتاب ولا من السنة التي شرطها في الثبوت ما وصفناه، وليس معنى اليد في الصفات بمعنى الجارحة حتى يتوهم بثبوتها ثبوت الأصابع، بل هو توقيف شرعي اطلقنا الاسم فيه على ما جاء به الكتاب من غير تكييف ولا تشبيه» اهـ.