طرق الصوفية وموافقتها للدين
قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى جميع إخوانه النبيين والمرسلين وعلى ءاله الطيبين الطاهرين.
أما بعد فإن الله تبارك وتعالى أكرم هذه الأمة بأن جعل لها يسرا فى الدين، هذا الشرع شرع محمد عليه السلام شريعة سمحاء أى ليس فيها حرج قال تعالى ﴿وما جعل عليكم فى الدين من حرج﴾ [سورة الحج].
أما الشرائع السابقة كان فيها الأمور الثقيلة الصعبة إلى حد كبير، فى بعض الشرائع الزكاة كانت ربع المال أما فى شرعنا فأخف من ذلك بكثير. وكان فى بعض الشرائع خمسون صلاة وفى بعض الشرائع صلاتان لكن تانك الصلاتان كانت فيها صعوبة وذلك أنه ما كان يجوز لهم أن يصلوا الصلاة إلا فى مكان مخصوص فيتعبون للوصول إلى المكان المخصوص، أما فى شرعنا فالرجل يصلى فى السوق إن شاء وإن شاء فى بيته وإن شاء فى المسجد وإن شاء فى البرية حيث لا يوجد بناء. ثم فى بعض الشرائع كان فرضا على الإنسان إذا أصاب ثوبه بول أن يقطعه بالمقص لا يطهره بالماء، كان فيهم زعيم نهاهم قال لهم «لا تقطعوا من البول ثيابكم ولا جلودكم» ثم مات هذا الرجل فعذب فى قبره.
وكان فى بعض الشرائع إذا أذنب ذنبا فى الليل يرى ذنبه هذا مكتوبا على بابه صباحا، يرى ذنبه الذى عمله فى الليل مكتوبا على بابه فى الصباح، كل هذا يدل على يسر شريعة سيدنا محمد ﷺ.
ثم إن الله تبارك وتعالى من يسر الدين رخص وأذن للعلماء العاملين أن يعملوا عملا محدثا فى الدين إذا كان موافقا للقرءان والحديث غير مخالف لهما، أما ما يخالفهما فلا يقبل.
العلماء العاملون الأولياء أحدثوا فى الدين أمورا لا تخالف القرءان والحديث ولم يذكرها ولا فعلها الرسول، من ذلك طرق أهل الله كالطريقة الرفاعية والطريقة الشاذلية إلى عدد كثير من طرق أهل الله وكلها الرسول ما فعلها ولا قال إنه ستأتى طرق يحدثها علماء من أمتى فاعملوا بها، إنما هؤلاء المشايخ العلماء الأولياء الأتقياء كالشيخ أحمد الرفاعى والشيخ عبد القادر الجيلانى والشيخ أبى الحسن الشاذلى كانوا علماء أتقياء أولياء الله، الله ألهمهم إنشاء هذه الطرق لأنهم وجدوها لا تخالف القرءان ولا الحديث فكانت أول الطرق التى أحدثها العلماء الطريقة الرفاعية والقادرية.
كان الشيخ أحمد الرفاعى بالعراق فى القرن السادس الهجرى وكذلك الشيخ عبد القادر كان فى ذلك العصر، وسبق وفاة الشيخ عبد القادر الجيلانى بنحو بضع عشرة سنة، فهذه الطرق لما كانت توافق شريعة الله لا تخالف القرءان ولا الحديث كان العمل بها عملا مقبولا عند الله وإن لم يفعلها الرسول ولا ذكرها وذلك لأنه عليه السلام قال «من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شىء» رواه مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلى.
كذلك أحدث العلماء كتابة ﷺ عند ذكر اسم محمد، أيام الرسول ما كان هذا، الرسول كتب كتبا إلى رؤساء الدنيا فى ذلك العصر إلى أربعة عشر رئيسا منهم هرقل رئيس الروم، الروم هم الإفرنج إيطاليا وفرنسا ومن على شاكلتهم هؤلاء يقال لهم الروم، كتب مكتوبا إلى رئيسهم كان صورة كتابه
«بسم الله الرحمٰن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم» وفى هذا الكتاب «أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإلا فإن عليك إثم الأريسيين» أى الفلاحين، روى ذلك البخارى فى الصحيح.
دعاه إلى الإسلام لكنه لم يسلم، ءاثر الدنيا على الآخرة هو يعلم أن سيدنا محمدا رسول لأنه فى الكتب السابقة كان الرسول مذكورا نعته ووصفه، ومعلوما عندهم أن عيسى بشر به، رغب هرقل بأن يسلم ثم لما امتحن قومه نفروا عنه فغير كلامه قال إنما أردت أن أعرف صلابتكم على دينكم والآن لقد عرفت ذلك فقد رضيت عنكم.
الشاهد فى هذا أن الرسول ﷺ لما أملى (هو أملى لا يكتب بيده) «بسم الله الرحمٰن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم» الصحابة ما كتبوا ﷺ كذلك كل كتبه التى كتبها إلى رؤساء أو غيرهم ما كان فيها ﷺ ثم بعد ذلك بزمن بعيد يحتمل أن يكون مائة سنة أو مائتى سنة العلماء صاروا يكتبون ﷺ. هذه والطريقة تدخلان تحت حديث «من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده».
فمن ينكر الطريقة والمولد بدعوى أن الرسول ما فعله ولا أمر به يقال لهم أنتم ونحن نكتب عند ذكر اسم النبى ﷺ أنتم تكتبون كما نحن نكتب والرسول ما قاله ولا الصحابة فكيف تحللون هذا وهو مما لم يفعله الرسول ولا قال افعلوا، الوهابية هل تريد إبقاءها بهذا، بهذا يحجون بهذا يفحمون، لا حجة لهم إلا العناد، يقال لهم أنتم متحكمون لا تمشون مع الدليل إنما تمشون مع هواكم.
ثم إن الطرق التى هى حق وقربة إلى الله هذه الثلاثة وبعدها طرق كثيرة. لكن حدثت طريقة يقال لها التجانية فى المغرب منذ مائتين وسبعين سنة تقريبا هذه الطريقة دخلها التحريف من بعض أتباعها لا سيما تجانية السودان، أما الشيخ أبو العباس التجانى فهو برىء مما ينسب إليه فإنه كان عالما أشعريا، ومن جملة ما أدخل هؤلاء أن الشخص بمجرد أن يأخذ طريقتهم يصير أفضل من القطب من غيرهم وهذا خلاف قول الله تعالى ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [سورة الحجرات] الإنسان تكون منزلته أعلى عند الله بحسب التقوى، فمن كان أتقى لله أى ملتزما متمسكا بالشريعة ظاهرا وباطنا فعلى حسب ما هو متمكن فى ذلك يكون عند الله أقرب. وكذلك مذكور فى بعض كتبهم إن شيخهم أبا العباس التجانى أفضل أولياء الله من أيام ءادم إلى أن تقوم الساعة وهذا كذب كبير، أفضل الأولياء أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على ثم باقى العشرة المبشرين بالجنة ثم بقية الأكابر من أولياء الصحابة والتابعين ثم بعد ذلك أولياء الله الذين جاءوا بعد ذلك مثل الشيخ أحمد الرفاعى والشيخ عبد القادر. والشيخ أبو العباس لا يقول هذا الكلام. ولهم وجود فى مصر والمغرب والجزائر وتونس والسودان والحبشة لأنهم بهذا الافتراء يجرون الناس يوهمون أن الشخص بمجرد ما يأخذ طريقتهم صار أفضل من الأولياء من غيرهم، الجاهل الذى لا تمييز عنده يسرع إليهم، يقول ماذا أريد أكثر من هذا بمجرد ما ءاخذ العهد على الشيخ التجانى أصير أفضل من الأولياء، فيسرعون إليهم، بهذا انتشروا وكثر عددهم. فالحذر الحذر، هؤلاء مخالفون لكتاب الله وسنة رسوله. كذلك حدثت طريقة تسمى اليشرطية هؤلاء ينتسبون إلى شيخ اسمه على نور الدين اليشرطى مغربى نزل بعكا فى فلسطين ثم صار له أتباع وكان هو على حق، كان على الشاذلية الأصلية ثم كثير من أتباعه انحرفوا ووقعوا فى أكفر الكفر وهو أنهم يعتقدون أن الله داخل في كل شخص رجل وامرأة، ذكر أو أنثى، داخل فى كل فرد من أفراد البشر هكذا يعتقدون. وحرفوا قول الله تعالى ﴿الحى القيوم﴾ [سورة البقرة] يقولون القيوم القائم فينا، هؤلاء اليشرطية لهم وجود فى بيروت وفى البقاع وفى سوريا لهم وجود، شيخهم اليشرطى لما علم أنهم انحرفوا تبرأ منهم وقد مات منذ سبعين سنة تقريبا فى عكا وقبره ومقامه هناك. من اليشرطية رجل هو عالم مفتى بيروت قبل خمسين سنة، أيام الانتداب الفرنسى كان هو مفتى بيروت يقال له الشيخ مصطفى نجا، هذا رحمه الله أخذ من الشيخ على نور الدين الطريقة واستفاد فصار من الأولياء. كان زاهدا، ما يدخل عليه من قبل الدولة باسم الراتب راتب المفتى لا يأكله بل يوزعه للفقراء. وعين شخصا يلم الجرائد من الأرض وما فيه اسم الله بأجرة، رتب له أجره ليلم. وكان وليا زاهدا ما كان له تعلق بالدنيا، الذى يأخذ الطريقة بعد أن يتعلم العقيدة والأحكام يترقى، أما الذى ينتسب إلى الطريقة قبل أن يتعلم العقيدة عقيدة أهل السنة لا يترقى فكثير هلكوا وما أفلحوا فسدوا بدل أن يترقوا هبطوا إلى الحضيض. قال سيدنا أحمد الرفاعى «غاية المعرفة بالله الإيقان بوجوده تعالى بلا كيف ولا مكان» معنى ذلك أن الله تعالى ليس حجما وليس متصفا بصفات الحجم. أما الكيف صفة المخلوق، المخلوقات لها صفات، هى حجم لها صفات، من صفات الحجم اللون والبياض والسواد والحركة والسكون والتغير من حال إلى حال والتحيز فى جهة ومكان، هذا من صفات الحجم الكثيف واللطيف، فالله تبارك وتعالى ليس حجما لطيفا ولا حجما كثيفا ولا هو متصف بصفات الحجم فهو موجود لا كالموجودات، وكل هذا التنزيه لله تعالى مأخوذ من هذه الآية ﴿ليس كمثله شىء﴾ [سورة الشورى] يفهم من هذه الآية هذا التنزيه أى أن الله ليس حجما كثيفا ولا حجما لطيفا ولا هو متصف بصفات الحجم كالحركة والسكون والانفعال واللون، لا يتصف بكل هذا، من هذه الآية يفهم الذى فتح الله قلبه، أما هؤلاء الوهابية الله أقفل قلوبهم يقرؤون هذه الآية وغيرها من الآيات لا يفهمونها كما يجب.
بعض القلوب الله تعالى أقفلها، ترى الخير شرا والشر خيرا، هذه قلوب مقفلة أقفلها خالقها لأنه أراد بهم شرا، أراد بهم سوءا. من أقفل الله تعالى قلبه مهما رأى من الدلائل لا يبصر ذلك الحق، لا يفهم قلبه ذلك الحق وإن نظر بعينه، وإن نظر إلى هذه الأدلة القرءانية بعينه، لا يهتدى لفهم معانيها على الوجه المراد لله تبارك وتعالى، وكذلك الأحاديث كثير منها ذوات وجوه.
ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون والحمد لله رب العالمين.