صِلَةُ الأرْحامِ
إنَّ صِلَةَ الأرحامِ مِنْ أعْظَمِ الوَصايَا التي أَوْصَى بها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَّتَهُ.
ومِمّا يَدُلُّ على عَظَمَةِ هذهِ الطاعَةِ أنّهُ معَ ما لَها منَ الأجرِ والثّوابِ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ يوْمَ القِيامةِ إلّا أنَّ لها بَرَكاتٍ ومنافِع تعودُ على الشخصِ في دُنْياهُ كذلك.
فقدْ وردَ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِمَا يَرْوِيهِ الإمامُ أحمدُ في مُسْندِه “مَنْ سَرَّهُ أنْ يُمَدَّ لهُ في عُمُرُهِ ويُوَسَّعَ لهُ في رزْقِهِ ويُدْفَعَ عنهُ مِيتَةُ السُّوءِ فَلْيَتَّقِ اللهَ ولْيَصِلْ رَحِمَهُ”.
وليسَ مَعنى الحديثِ أنَّ صِلَةَ الرَّحمِ تُغَيِّرُ مَشيئَةَ اللهِ أوْ تُبَدِّلُ قضاءَهُ، فاللهُ قدَّرَ أعْمالَنا وأرْزاقَنا وكيفَ سَنَموت ومَتى سَنَموتُ مِنْ قَبلِ أنْ نُخْلَق.
ومشيئةُ اللهِ عزَّ وجلَّ لا تتَغَيَّرُ كَما لا تتَغَيَّرُ باقِي صفاتِه. فالتَّغَيُّرُ مِنْ صِفاتِ المَخْلوقاتِ واللهُ مُنَزَّهٌ عنْ ذلك. ألَسْنا نقولُ “سُبحانَ الذي يُغَيِّرُ ولا يَتَغَيَّرُ” ؟ إنَّما الذي يتَغَيَّرُ يا أحْبابَنا ويَتَبَدَّلُ هوَ ما في صُحُفِ الملائِكةِ.
فالملائِكةُ الكِرامُ لا يَعْلَمونَ الغَيْبَ بلْ يكونُ مَكْتوبًا عِنْدَهُمْ في صُحُفِهِمْ مثلًا “إذا فُلانٌ وصلَ رَحِمَهُ فعُمرُهُ كذا ورِزْقُهُ كذا، وإنْ قطَعَ رَحِمَهُ فعُمرُهُ كذا ورِزْقُهُ كذا” أمّا الذي سَيَحْصلُ على الحَقيقةِ فَلا يكونُ إلّا الذي شاءَهُ اللهُ تعالى بِمَشيئَتِهِ الأزَليَّةِ التي لا تتَغَيَّرُ ولا تَتَبَدَّلُ، وعَلِمَهُ بِعِلْمِهِ الأزَليِّ الذي شَمِلُ كلُّ شىءٍ فهوَ سبحانَهُ يَعْلَمَ ما كانَ وما سيَكونُ.
وفي الخِتامِ، أوصِي أحْبابَنا الكِرامِ باسْتِغْلالِ فتْرَةِ عيدِ الفِطرِ المُبارَكِ بصِلَةِ الأرحام، فمن انْشَغَلَ في رَمضان وقصَّرَ في صِلَةِ رحِمِهِ فلا يَنْبَغي أنْ يَبْقَى على تَقْصيرِهِ في يَوْمِ العيد، فَلْنَتَرَفَّع عنِ الأحْقادِ والضّغائنِ ولْنَطْرُدِ الجَفاءَ والعَداوةَ مِنْ نفوسِنا ولْنُقْبِلْ على صِلةِ أرْحامِنا قاصِدينَ رِضَا اللهِ تعالى عَسى أنْ يَرْزُقَنا مِنْ بَرَكاتِ هذهِ الطّاعةِ العَظيمةِ.
اللهُمَّ وَفِّقْنا لِصِلَةِ أرْحامِنا وتَجاوَزْ عنْ خَطَايانا وذُنوبِنا بِرَحْمَتِكَ يا ربَّ العالَمين