الخميس يناير 29, 2026

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله أما بعد صيام رمضان من أعظم أمور الإسلام الخمسة، كما جاء في الحديث: “بني الإسلام على خمس” وعد منها صوم رمضان. ورمضان هو أفضل شهور السنة، يجب صومه على كل مسلم مكلف. ولا يجب على الكافر وجوب مطالبة في الدنيا وإن كان يعاقب على تركه في الآخرة. ولا يصح صوم رمضان من حائض ولا نفساء، وإن كان لا يجب عليهما تعاطي مفطر في خلال نهار رمضان، لكن حرام أن يمسكا بنيّة الصيام، فلو تركا الأكل والشرب لا بنيّة الصوم فلا إثم عليهما. ويجب عليهما القضاء بعد ذلك. وهكذا أيضًا حكم من أفطر في رمضان لعذر، إلا من أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فإنه لا يجب عليه أن يقضي بعد ذلك، وذلك كمصاب بالفلج فإنه لا يرجى برؤه أي شفاؤه.

وإنما يجب صوم رمضان بأحد أمرين برؤية الهلال أو باستكمال شعبان ثلاثين، فإذا شهد عدل أنه رأى هلال رمضان، أي شاهد هلال رمضان بعد غروب شمس التاسع والعشرين من شعبان، كان اليوم التالي أول أيام رمضان. فإن لم يحصل ذلك فاليوم التالي هو الثلاثون من شعبان والذي بعده أول أيام رمضان.

وليعلم أن المسافر إذا كان يقصد مسافة قصر بسفره، وهي مرحلتان، يجوز له الفطر في رمضان. والمرحلة ثمانية فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فمرحلتان تكونان ثمانية وأربعين ميلًا، والميل ستة آلاف ذراع فتكون مسافة القصر مائتين وثمانية وثمانين ألف ذراع. فإذا كان إنسان مسافرًا سفرًا غير قصير أي مرحلتين فأكثر يجوز له الفطر بسبب ذلك في رمضان ولو لم يشق عليه الصوم، بشرط أن يكون سفره في غير معصية، وبشرط أن يكون خرج من بلده قبل الفجر.

وليعلم أن المريض يجوز له أن يفطر إذا كان مرضه شديدًا، يعني إذا كان بسبب الصوم تطول مدة مرضه، أو يهلك، أو يتلف عضوه، أو نحو ذلك. فإذا كان يضره الصيام يجوز له أن يفطر. ويجوز الفطر للحامل والمرضع إن شق عليهما الصوم، يعني إذا خافتا على نفسيهما أو خافتا على ولديهما أو خافتا على نفسيهما وعلى ولديهما، مثل أن تخاف الحامل أن يجهد الولد، أو خافت المرضع أن ينقطع لبنها أو يخاف بحيث يتضرر الولد. في هذه الأحوال يجوز للحامل والمرضع الفطر، وعليهما القضاء. وإن أفطرتا فقط خوفًا على الولد فعليهما مع القضاء الفدية. والفدية هي مد من غالب قوت البلد عن كل يوم.

ويشترط لصحة الصوم إيقاع نية صيام يوم رمضان في الليل أي في الليلة التي تسبق نهار الصوم. والليل ابتداؤه من الغروب وانتهاؤه بالفجر. فلو لم ينو في الليل بالمرّة ثم نوى بعد الفجر صوم ذلك اليوم من رمضان لم يصح منه، وهذا في الصوم الواجب. أما النفل فيصح أن ينوي الصيام فيه قبل الزوال أي قبل دخول وقت الظهر. ولو أن الإنسان أكل عند السحور لأجل أنه يريد أن يصوم اليوم التالي من رمضان فهذه نية، ونسيان النية في رمضان لا يحصل حقيقة إلا نادرًا.

ولا بد أن يعيّن الصوم الذي يعلق نيته به، يعني لا بد أن يعيّن أنه يصوم غدًا من رمضان أو أنه يصوم عن نذر أو أنه يصوم عن كفارة، فلا بد من تعيين ذلك وإن كان لا يشترط أن يعين سبب الكفارة أو نوعها.

ومن شروط صحة الصيام الإمساك في نهار رمضان عن الاستمناء وهو استخراج المني بنحو اليد وعن الجماع. فإن جامع في النهار فسَد صومه، إلا إذا كان ناسيًا، أو كان جاهلًا بحرمة ذلك لكونه مثلا قريب عهد بالإسلام أو نحو ذلك فإن صومه لا يفسد في هذه الحال. وليعلم أن الاستمناء في نهار رمضان مفطر أيضًا.

ومن شروط صحة الصيام الإمساك في نهار رمضان عن الاستقاءة. فمن تعمد الاستقاءة أي من طلب القيء بنحو إدخال إصبعه وما شابه فاستقاء فإنه يفطر بذلك. أما إن غلبه القيء من غير طلب منه فلا يفطر، طالما لم يبلع شيئًا من القيء الخارج.

وليعلم أن من ارتد فسَد صومه، فيجب عليه أن يرجع فورًا إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين، وأن يكف باقي النهار عن المفطرات، ثم يقضي هذا اليوم فورًا بعد العيد، سواء كان كفره بالقلب كاعتقاد أن الله يلد أو يولد أو بالجوارح كالدوس عمدًا على لفظ الجلالة الله أو باللسان كسب الله والعياذ بالله تعالى.

واعلموا أن من تعمد إدخال شيء إلى الجوف (وهو ما تحت الحلق) أو إلى داخل الرأس من منفذ مفتوح وكان هذا الشيء له حجم أفطر، إلا إذا بلع من داخل فمه ريقه الخالص يعني الغير مخلوط بشيء آخر وهذا الريق كان طاهرًا غير متنجس فلا يفطر. والقاعدة أن مخرج الحاء هو من الجوف فما كان فوق مخرج الحاء فليس هو من الجوف. فإذا خرج البلغم فجاوز مخرج الحاء يكون خرج عن الجوف صار في الفم، فإذا بلعه بعد ذلك عمدًا يكون قد أفطر. والفم يعد من الشفتين إلى مخرج الحاء، وعلى قول من الشفتين إلى مخرج الهمزة والألف. فإذا دخل إلى الجوف أو إلى داخل الرأس شيء ذو حجم من منفذ مفتوح عمدًا غير الريق الخالص الطاهر من معدنه فسَد الصوم. والمنفذ المفتوح مثل الأنف والدبر والفم، أما العين فليست منفذًا مفتوحًا. فلو قطر في عينه فأحس بالطعم في حلقه لا يفطر. ولا يفطر بالإبرة في الجلد ولا في الشريان ولا في العضل. أما الأذن ففي كونها منفذًا مفتوحًا خلاف بين العلماء.

واعلموا أن الشخص إذا جن لحظة واحدة في خلال نهار رمضان فسَد صومه فورًا. وإذا أغمى عليه كل اليوم فسَد صومه أيضًا، لا إن أغمى عليه ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات أو أربع ساعات بحيث لم يستغرق الإغماء كل النهار فإنه لا يفسد صومه في هذه الحال. أما لو نام كل النهار فصيامه صحيح.

واعلموا أن صوم يوم العيد عيد الفطر أو الأضحى حرام ولا يصح. وكذلك صوم الأيام الثلاثة التي تلي عيد الأضحى، فإن ذلك لا يجوز ولا يصح.

وكذا لا يصح صوم النصف الثاني من شعبان ولا يجوز، إلا إذا وصله الشخص بما قبله. فإذا صام الخامس عشر ثم أكمل فصام النصف الثاني من شعبان يجوز ذلك، أو إذا صام فيه لأجل قضاء يجوز ذلك ولو لم يصل بما قبل، أو صام عن نذر، كأن نذر أن يصوم كل اثنين فيجوز له لو كان في النصف الثاني. وكذلك لو كان له ورد أن يصوم كل اثنين وخميس مثلًا فدخل النصف الثاني من شعبان يجوز له أن يصوم، وذلك لأن رسول الله عليه الصلاة والسلام نهى عن صوم النصف الثاني من شعبان إلا صيامًا كان يصومه الشخص قبل ذلك يعني إلا إذا كان له ورد فإنه يجوز عند ذلك. ومما يحرم صومه أيضًا يوم الشك، ويكون يوم الشك إذا تحدث بعض الناس ممن لا يثبت دخول رمضان بقولهم أنهم رأوا الهلال بعد غروب شمس التاسع والعشرين فإن اليوم التالي يكون يوم الشك. هو يكون في هذه الحال الثلاثين من شعبان لكن يسمى يوم الشك، لأن من لا يثبت الشهر بقولهم قالوا إنهم رأوا الهلال، وذلك مثل النساء والصبيان الصغار وغير العدل. والعدل هو المسلم الذي اجتنب الكبائر ولم يصر على الصغائر وتخلق بأخلاق أمثاله أي التزم بمروءة أمثاله واجتنب خوارم المروءة، فلا يكثر من لعب الشطرنج مثلًا، ولا يشتغل بتطيير الحمام، ولا يشغل كل وقته بالروايات المضحكة التي لا منفعة فيها وإن لم يكن فيها معصية، فإن الذي لا يلتزم ما ذكر ولو لم يكن آثمًا لا تقبل شهادته، فلو تحدث أنه رأى الهلال لا يبني القاضي على كلامه. ويكون اليوم التالي الثلاثين من شعبان لكن يسمى يوم الشك، ولا يجوز صومه لأن عمار بن ياسر قال: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. رواه البيهقي. والله أعلم وأحكم والحمد لله رب العالمين.