صفات المتحابين في الله
يا أحباب الله ورسوله… يا عُشّاق الحبيب محمّد
إن من صفات المتحابين بالله أنهم يتعاونون على طاعة الله تعالى، ولا يغش بعضهم بعضاً أي لا يزين أحدهم لأخيه المسلم المعصية ولا يغشه في المعاملة بل يبذل له النصيحة ابتغاء مرضاة الله، فهم عباد لله متحابون، يتناصحون ويتزاورون ويتباذلون أي يهدي بعضهم بعضاً الهدايا صغيرها وكبيرها، كل ذلك محبة في الله وابتغاء للأجر والثواب من الله تعالى وليس ذلك لهوى ولا لنسب ولا لحاجة دنيوية ولا لغرض من أغراض الدنيا الرخيصة الزائلة.
يا عُشّاق الحبيب محمد… ويا أحباب الله ورسوله
إنّ للمتحابين في الله تعالى درجة كبيرة عالية وفضلاً عظيماً ومقاماً عالياً، فمما ورد عن الرسول الأعظم ﷺفي فضلهم وعظيم منزلتهم عند الله تعالى قوله عليه الصلاة والسلام: “إن من عباد الله عباداً ليسوا بأنبياء يغبطهم النبيون والشهداء” قالوا (أي الصحابة) من هم لعلنا نحبهم، قال ﷺ: “قوم تحابوا بنور الله ليس بينهم أرحام ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور” ثم قرأ ﷺ: “ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون” رواه ابن حبان.
وعن الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول عن ربه: “حقّت محبتي على المتزاورين في، وحقت محبتي على المتحابين فيّ، وحقت محبتي على المتناصحين فيّ، وحقّت محبتي على المتباذلين فيّ، وجوههم نور على منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء، والصديقون، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن” رواه ابن حبان.
يقول رسول الله ﷺ:“المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله يغبطهم([1]) بمكانهم النبيون والشهداء”([2]).
وفي رواية يقول نبينا المصطفى ﷺ: “إن المتقين يتحابون بنور الله” أي من أجل مرضاة الله ومن أجل طاعته، أي يتحابون لأن طاعة الله عز وجل تجمعهم سواء كان بينهم رحم أو نسب ام لا، لأن مبتغاهم الأول والأهم هو رضا خالقهم رب العالمين والتزام شرعه الذي أوضحه الصادق المصدوق الأمين نبينا الأعظم وحبيبنا الأكرم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.
يا أحباب الله ورسوله… يا عاشقي الحبيب محمد
لقد ورد في حديث صحيح آخر رواه الحاكم في بيان صفة المتحابين في الله “أنهم تصافوا فيما بينهم” أي تصافوا الحب في الله فيما بينهم. “وأنهم ينتقون أطايب الكلام كما ينتقي آكل التمر أطايبه” وورد عنه ﷺ في حديث آخر قوله: “هؤلاء أولياء الله تحابوا بنور الله” (أي من أجل الله)، ليس بينهم أرحام تجمعهم ولا أنساب إنما تحابوا لوجه الله أي ابتغاء للثواب من الله.
يا عُشّاق الحبيب محمد.. ويا أحباب الله ورسوله
لقد وصف الرسول الأعظم ﷺ المتحابين بالله بأوصاف جميلة حسنة ترفع من مقامهم ومرتبتهم، منها أنهم تصافوا الحب فيما بينهم، وأنهم تحابوا بنور الله أي من أجل الله وابتغاء مرضاته وثوابه، ووصفهم بأنهم يختارون من الكلام فيما بينهم أطيب الكلام أي ما فيه فائدة، أي يتركون اللغو والغش ولا يتعاملون بالمداهنة وهي تحسين الباطل وتزيينه كما يفعل الرجل مع الرجل لأنه صديقه أو قريبه أو رئيسه، بل يتعاملون معاملة صافية في دين الله لا يخالطها غش ولا مداهنة، وذلك لأن الجامع الذي جمع بين المتحابين بالله تعالى هو التعاون في مرضاة الله، وليس همهم التعاون للوصول إلى مطمع دنيوي، ولا معصية الله تعالى كمساعدة أقربائهم على الظلم.
يا عُشّاق الحبيب محمد… ويا جند مُحمّد
لقد وصف الحبيب المصطفى سيدنا محمد ﷺ المتحابين في الله بقوله: “تحابوا بنور الله” ليفهمنا أنه ليس سبب التحاب بينهم مالاً ولا وظيفة ولا قرابة ولا تمادحاً أي مقابلة المدح بالمدح من أجل حظوظ أنفسهم الدنيوية، ويؤخذ من هذا الحديث أن المتحابين في الله تعالى لا يكتم بعضهم بعضاً ما فيه النصح لهم، بل يخلص بعضهم لبعض النصح لأن همهم وهدفهم الأسمى هو مرضاة الله تعالى وإرضاؤه وابتغاء ثوابه وأجره، فلذلك كان من شأنهم وسيرتهم انهم لا يزين بعضهم لبعض الباطل مراعاة للخاطر كما هو حال كثير من أهل الدنيا الذين تجمعهم المطامع الدنيوية، حيث يداهن بعضهم بعضاً ويتبادلون التعاون على الظلم والمعصية من أجل مراعاة خاطر بعضهم بعضاً، وهذا هو حال أهل الباطل والضلال وأصحاب البدعة الذين يتحابون ويعاون بعضهم بعضاً في الدنيا على نصرة وتأييد باطلهم الذي يجتمعون عليه، من أجل الهوى الذي ينتسبون إليه، وهؤلاء يوم القيامة تنقلب محبتهم التي كانوا عليها في الدنيا إلى عداوة، ويكونون أعداء بعضهم لبعض يفر هذا من هذا وهذا من هذا إلا المتقين فإن مودتهم تبقى بينهم في الآخرة حيث النعيم المقيم الذي لا ينقطع ولا يزول، قال الله تبارك وتعالى: { الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المُتَّقِينَ } [سورة الزخرف/67].
يا عُشّاق الحبيب محمّد… ويا أحباب الله ورسوله
إن الله تبارك وتعالى يحب هؤلاء الأولياء المتحابين به، وقد أعلى من درجاتهم ومقامهم وأكرمهم في الآخرة بأن جعل وجوههم يوم القيامة من نور، يجلسون على منابر من نور، ممتلئين سروراً ورضاً. وأكرمهم أيضاً بأنهم يجمعون قبل دخول الجنة يوم القيامة فيكونون بمظهر حسن مشرق جميل يغبطهم على حسن مقامهم وهيئتهم ومكانهم أنبياء الله الذين هم أفضل الخلق عند الله، وكذلك الشهداء والصديقون. ومعنى يغبطهم أي يسرون لرؤيتهم على هذه الهيئة الجميلة والمظهر الحسن من غير تمني زوال هذه النعمة عنهم أي لا يحسدونهم.
يا عاشقي الحبيب محمّد…
لقد شوّق الرسول ﷺ أصحابه إلى هؤلاء المتحابين في الله وبين عظيم فضلهم وعلو درجتهم عندما قال لأصحابه: “إن من عباد الله عباداً ليسوا بأنبياء يغبطهم النبيون والشهداء”، لذلك اشتاق الصحابة الكرام لمعرفة صفات هؤلاء العباد وطلبوا من رسول الله ﷺ أن يبين لهم صفاتهم، وقالوا له: يا رسول الله من هم لعلنا محبهم؟.. فقال لهم عليه الصلاة والسلام: “إنهم قوم تحابوا بنور الله (أي من أجل طاعته فلا يغش بعضهم بعضاً)، وقال: “ليس بينهم أرحام ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور، ثم قرأ عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: { أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [سورة يونس].
يا عُشّاق محمد… يا أحباب الله ورسوله
إن المتحابين في الله هم أحباب الله ورسوله ولقد ذكر الله تبارك وتعالى من أحوالهم الحسنة انهم لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، أي ليس عليهم في القبر خوف ولا وحشة ولا ضيق، وكذلك يوم القيامة هم آمنون لا يخافون ولا يحزنون، قال النبي المصطفى ﷺ: “لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس”. ذلك لأنهم خافوا الله تعالى في الدنيا كما ينبغي، تركوا الحرام والكلام الخبيث في الدنيا خوفاً من الله تعالى، وسارعوا إلى أداء الفرائض واجتنبوا المحرمات خوفاً من الله تعالى، فلذلك كانت لهم هذه الميزة وهي أنهم لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس.
قال الله تبارك وتعالى: { أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ (64)} [سورة يونس].
يا عُشّاق الحبيب محمد… ويا أحباب الله ورسوله
لنسع جاهدين في هذه الدنيا لنكون من المتحابين في الله حتى نكون في أخرانا من الذين يسر لرؤيتهم فيما هم عليه من الرفعة وعلو الدرجة الأنبياء والشهداء، وكن يا أخي المسلم مع إخوانك المتحابين بالله، فإذا ما زرت يا أخي المسلم أهلك أو صديقك فأخلص نيتك لله تعالى وحده، وإذا ما أحببت أحداً من المسلمين فليكن ذلك لله تعالى ولمصلحة شرعية يرضاها الله ورسوله لا لغرض دنيوي رخيص، وإذا ما خاصمت أحداً فخاصمه لله واجعل غضبك لله، وابذل المال لله، وأعط لله وامنع لله، وراع في كل أعمالك مرضاة الله تعالى وحده، وتذكر قول الرسول الأعظمﷺ: “من أحبّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان” رواه ابو داود.
وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: “أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله عز وجل” رواه الطبراني.
وليكن أحب مخلوق إليك- يا أخي في الله- سيدنا الأعظم محمداً رسول الله ﷺ الذي قال: “ثلاثٌ من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه منه كما يكره أن يقذف في النار” متفق عليه.
دُعاءٌ ومناجاة…
اللهم إنا نسألك حبّك وحبّ من يحبّك والعمل الذي يبلغنا حبّك، اللهمّ اجعل حبّك أحبّ إلينا من أنفسنا وأهالينا ومن الماء البارد.
([1] ) معنى يغبطهم أي يسرون لرؤيتهم في ظل العرش من غير تمني زوال هذه النعمة عنهم أي لا يحسدونهم.
([2] ) صحيح ابن حبان، محبة الله للمتناصحين والمتباذلين فيه (2/338).