شَرَفُ الْعِلْمِ عَلَى حَسَبِ شَرَفِ الْمَعْلُومِ
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ رَحَمَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِهِ الطَّيِّبِينَ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ عَلَى شَرَفِ الْمَعْلُومِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: “شَرَفُ الْعِلْمِ عَلَى حَسَبِ شَرَفِ الْمَعْلُومِ“، أَشْرَفُ الْمَعْلُومِ اللَّهُ تَعَالَى. الْعِلْمُ بِِهِ هُوَ أَشْرَفُ الْعُلُومِ. وَالْعِلْمُ بِاللَّهِ هُوَ اعْتِقَادُ وُجُودِهِ بِلاَ كَيْفِيَّةٍ وَلاَ مَكَانٍ. فَهَذِهِ عِبَارَةُ شَيْخِ الْعَارِفِينَ الشَّيْخِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بنِ عَلِيٍّ الرِّفَاعِيِّ. هَذِهِ الْعِبَارَةُ كَافِيَةٌ شَافِيَةٌ، فَإِنَّ الْمَوْجُودَ الَّذِي لَهُ مَكَانٌ وَكَيْفِيَّةٌ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ أَوْجَدَهُ عَلَى تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ وَعَلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ وَالْمُحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ مَخْلُوقٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَالِقُ الْعَالَمِ مَوْجُودًا غَيْرُ جِسْمٍ لأَِنَّ الْجِسْمَ كَثِيفَهُ وَلَطِيفَهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِقْدَارٌ إِمَّا مِقْدَارٌ صَغِيرٌ وَإِمَّا مِقْدَارٌ كَبِيرٌ وَكُلُّ شَىْءٍ لَهُ مِقْدَارٌ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ خَصَّصَهُ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ، وَالشَّىْءُ لاَ يُخَصِّصُ نَفْسَهُ بِمِقْدَارٍ مِنَ الْمَقَادِيرِ فَالإِنْسَانُ لَهُ مِقْدَارٌ وَالْجَبَلُ لَهُ مِقْدَارٌ كَذَلِكَ السَّمَاءُ لَهَا مِقْدَارٌ ثُمَّ الْعَرْشُ كَذَلِكَ لَهُ مِقْدَارٌ وَكُلُّ ذِي مِقْدَارٍ يَتَّصِفُ بِكَيْفِيَّةٍ مِثَالٌ لِذَلِكَ الشَّمْسُ لَهَا مِقْدَارٌ وَلَهَا كَيْفِيَّةٌ وَهُوَ الشَّكْلُ الْمُسْتَدِيرُ فَلاَ يَصِحُّ فِي الْعَقْلِ أَنْ تَكُونَ هِيَ خَصَّصَتْ نَفْسَهَا فِي الْوُجُودِ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ وَعَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ فَلاَ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ إِلَهًا فَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ لاَ يَصِحُّ عَقْلاً أَنْ تَكُونَ إِلَهًا فَكَيْفُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ شَىْءٌ مَوْهُومٌ لَمْ يُشَاهَدْ وَمَا يَظُنُّهُ الْمُجَسِّمَةُ جِسْمًا مُسْتَقِّرًا عَلَى الْعَرْشِ بِقَدْرِ الْعَرْشِ عَلَى زَعْمِ أَكْثَرِهِمْ وَعَلَى أَوْسَعِ مِنْ مِقْدَارِ الْعَرْشِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، هَؤُلاَءِ أَسْخَفُ عَقْلاً مِنْ عَابِدِ الشَّمْسِ مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ فَاسِدَ الْعَقْلِ حَيْثُ إِنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي عِبَادَةِ جِسْمٍ لَهُ مِقْدَارٌ لَكِنْ عَابِدُ الشَّمْسِ يَعْبُدُ شَيْئًا مَوْجُودًا مُحَقَّقَ الْوُجُودِ وَلَهُ نَفْعٌ مُحَقَّقٌ وَهُوَ نَفْعُهُ لِلنَّبَاتِ وَالْهَوَاءِ وَالشَّجَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَمَّا ذَلِكَ الْمَوْهُومُ الَّذِي يَعْبُدُهُ الْمُجَسِّمَةُ فَهُوَ لَيْسَ مُحَقَّقُ الْوُجُودِ وَلاَ تُدْرَكُ لَهُ مَنْفَعَةٌ بِالْمَرَّةِ فَلَوْ فُرِضَ جِدَالٌ بَيْنَ عَابِدِ الشَّمْسِ وَبَيْنَ عَابِدِ ذَلِكَ الْجِسْمِ الْمُتَوَهَّمِ وُجُودُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ لَخَصَمَ عَابِدُ الشَّمْسِ عَابِدَ هَذَا الْجِسْمِ الْمُتَوَهَّمِ يَقُولُ عَابِدُ الشَّمْسِ: أَنَا أَعْبُدُ جِسْمًا مُحَقَّقَ الْوُجُودِ نَحْنُ نَرَاهُ وَأَنْتَ تَرَاهُ وَنَحْنُ نُشَاهِدُ مَنْفَعَتَهُ وَأَنْتَ تُشَاهِدُ مَنْفَعَتَهُ وَأَمَّا أَنْتَ تَقُولُ إِلَهِي شَىْءٌ مَوْجُودٌ فَوْقَ الْعَرْشِ لَمْ تَرَهُ وَلاَ نَحْنُ رَأَيْنَاهُ ثُمَّ عَابِدُ ذَلِكَ الْجِسْمِ الْمُتَوَهَّمِ يَقُولُ: أَنَا عِنْدِي دَلِيلٌ مِنَ الْقُرْءَانِ: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ فَيَقُولُ لَهُ عَابِدُ الشَّمْسِ: أَنَا لاَ أُؤْمِنُ بِكِتَابِكَ أَعْطِنِي دَلِيلاً عَقْلِيًّا، فَعَابِدُ هَذَا الْجِسْمِ الْمُتَوَهَّمِ لَيْسَ عِنْدَهُ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ فَيَقْطَعُهُ عَابِدُ الشَّمْسِ وَيُسْكِتُهُ. أَمَّا الْمُسْلِمُ الْمُنَزِّهُ لِلَّهِ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَصِفَاتِ الْجِسْمِ يَقُولُ لَهُ لِعَابِدِ الشَّمْسِ، الشَّمْسُ جِسْمٌ لَهُ مِقْدِارٌ خَاصٌ وَكَيْفِيَّةٌ خَاصَّةٌ وَلَوْنٌ خَاصٌّ وَصِفَةٌ خَاصَّةٌ فَيَحْتَاجُ إِلَى مَنْ خَصَّصَهُ بِالْوُجُودِ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ وَهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنْ قَالَ عَابِدُ الشَّمْسِ: هِيَ الشَّمْسُ أَوْجَدَتْ نَفْسَهَا عَلَى هَذَا الْحَجْمِ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ فَيَقُولُ الْمُسْلِمُ الْمُنَزِّهُ لاَ يَصِحُّ فِي الْعَقْلِ أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ أَخْرَجَتْ نَفْسَهَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَتُخَصِّصَ نَفْسَهَا بِالْوُجُودِ بَدَلَ الْعَدَمِ وَبِهَذَا الْمِقْدَارِ وَهَذِهِ الصِّفَةِ دُونَ غَيْرِهَا فَتَحْتَاجُ إِلَى مَنْ أَوْجَدَهَا عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ وَعَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ وَعَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لأَِنَّهُ كَانَ جَائِزًا فِي الْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ حَجْمُهَا أَكْبَرَ مِنْ هَذَا أَوْ أَصْغَرَ، وَأَنْ يَكُونَ لَوْنُهَا الْحُمْرَةَ بَدَلَ الْبَيَاضِ، وَأَنْ يَكُونَ حَجْمُهَا أَكْبَرَ مِنْ هَذَا أَوْ أَصْغَرَ مِنْ هَذَا، وَأَنْ تَكُونَ صِفَتُهَا الْبُرُودَةَ بَدَلَ الْحَرَارَةِ وَتَخَصُّصُهَا بِالْوُجُودِ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ وَعَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَعَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مُوجِدٍ لَيْسَ مُتَّصِفًا بِالْمِقْدَارِ وَالْكَيْفِيَّةِ وَالْحَجْمِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ فَالَّذِي أَخْرَجَهَا مِنَ الْعَدَمِ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ وَعَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ وَعَلَى هَذَا الْوَصْفِ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ لاَ غَيْرُ فَيَكُونُ الْمِسْلِمُ الْمُنَزِّهُ خَصَمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ ءَايَةً قُرْءَانِيَّةً اكْتَفَى بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ وَعَابِدُ الشَّمْسِ وَهَذَا الَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ جِسْمًا بِقَدْرِ الْعَرْشِ أَوْ أَكْبَرَ مِنْهُ وَمَنْ يَعْبُدُ كَوْكَبًا مِنَ الْكَوَاكِبِ أَوْ شَمْسًا أَوْ شَخْصًا مِنَ الأَشْخَاصِ مِنَ الإِنْسِ كُلُّهُمْ مُخَالِفُونَ لِلْعَقْلِ وَمُخَالِفُونَ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الأَنْبِيَاءُ لأَِنَّ الأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ جَاؤُوا بِإِثْبَاتِ مَوْجُودٍ لَيْسَ لَهُ مِقْدَارٌ وَلاَ شَكْلٌ وَلاَ كَيْفِيَّةٌ وَلاَ تَحَيُّزٌ فِي جِهَةٍ وَمَكَانٍ فَالْمُجَسِّمُ الَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ فَوْقَ الْعَرْشِ أَوْ حَالٌّ فِي جَمِيعِ الأَمْكِنَةِ مُخَالِفٌ لِلْعَقْلِ وَلِمَا جَاءَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ، الأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ دِينُهُمْ وَاحِدٌ، إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لاَ يَكُونُ جِسْمًا مُتَحَوِّلاً مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ فَأَبْطَلَ دِينَ قَوْمِهِ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الْكَوْكَبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالْقُرْءَانُ أَثْنَى عَلَى دَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ وَحُجَّتِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ إِبْرَاهِيمُ اسْتَدَلَّ عَلَى بُطْلاَنِ أُلُوهِيَّةِ الْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ بِالتَّحَوُّلِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَمِنْ صِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ، وَبِأَنَّ الْحَرَكَةَ وَمُقَابِلَهَا وَهُوَ السُّكُونُ صِفَةٌ لاَ تَلِيقُ بِاللَّهِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَافَقُوا حُجَّةَ إِبْرَاهِيمَ لأَِنَّهُمْ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَسَائِرِ مَا هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْجِسْمِ كَاللَّوْنِ وَالاِنْفِعَالِ مِنْ لَذَّةٍ إِلَى تَأَلُّمٍ أَوْ مِنْ صِحَّةٍ إِلَى مَرَضٍ أَوْ مِنَ انْبِسَاطٍ إِلَى انْقِبَاضٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَنْفُونَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى الاِتِّصَافَ بِصِفَةٍ حَادِثَةٍ، وَقَالُوا عِلْمُهُ عِلْمٌ وَاحِدٌ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ شَامِلٌ لِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ، وَقُدْرَتُهُ قُدْرَةٌ وَاحِدَةٌ شَامِلَةٌ لِكُلِّ الْمَقْدُورَاتِ وَمَشِيئَتُهُ مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ شَامِلَةٌ لِكُلِّ الْمُمْكِنَاتِ أَيْ مَا يَجُوزُ عَقْلاً وُجُودُهُ وَكَلاَمُهُ كَلاَمٌ وَاحِدٌ مِنْ غَيْرِ حَرْفٍ وَصَوْتٍ هُوَ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَوَعْدٌ وَوَعِيدٌ وَخَبَرٌ وَسُؤَالٌ وَذَلِكَ لأَِنَّ الْعَقْلَ يَقْضِي بِأَنَّ الْمُتَجَدِّدَ حَادِثٌ وَاتِّصَافُ الْقَديِمِ الأَزَلِيِّ بِالْحَادِثِ يُنَافِي الْقِدَمَ، وَلَيْسَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُتَكَلِّمًا بِكَلاَمٍ ثُمَّ يَحْدُثُ فِي ذَاتِهِ كَلاَمٌ ءَاخَرُ ثُمَّ كَلاَمٌ ءَاخَرُ وَكَذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عِلْمُهُ مُتَجَدِّدًا بِأَنْ يَسْبِقَ بَعْضُ عِلْمِهِ بَعْضَ عِلْمِهِ فَالْمُشَبِّهَةُ وَمِنْهُمُ الْوَهَّابِيَّةُ مُخَالِفُونَ لِلدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ وَلِلدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ الَّذِي هُوَ مِنْ مُحْكَمَاتِ الْقُرْءَانِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ فَإِنَّ هَذِهِ الآيَةَ صَريِحَةٌ فِي نَفْيِ مُشَابَهَةِ شَىْءٍ لِلَّهِ تَعَالَى بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لأَِنَّ الشَّىْءَ يَشْمَلُ كُلَّ مَا هُوَ مَوْجُودٌ، كَلِمَةُ شَىْءٍ تَشْمَلُ كُلَّ أَنْوَاعِ الْعَالَمِ فَهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ بِلاَ مَكَانٍ لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مَكَانٍ لَكَانَ لَهُ أَمْثَالٌ كَثِيرَةٌ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ اللَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمٍ ثُمَّ يَحْدُثُ فِي ذَاتِهِ كَلاَمٌ ثُمَّ يَحْدُثُ بَعْدَهُ كَلاَمٌ لأَشْبَهَ الْخَلْقَ لأَِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ فِي وَقْتٍ ثُمَّ نَتَكَلَّمُ بَعْدَهُ بِكَلاَمٍ هُوَ حَرْفٌ وَصَوْتٌ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَكَذَا فِي مَمَرِّ الأَوْقَاتِ وَهَذَا مُشَابَهَةٌ لِلْخَلْقِ، فَوَجَبَ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ وَاعْتِقَادُ أَنَّ لَهُ كَلاَمًا غَيْرَ مُتَجَزِّئٍ وَكَلاَمُهُ وَاحِدٌ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ. ثُمَّ مِنْ جُمْلَةِ شُبُهَاتِ الْوَهَّابِيَّةِ إِيرَادُ حَدِيثِ الْجَارِيَةِ يَرَوْنَ هَذَا الْحَدِيثَ أَقْوَى دَلِيلٍ يَجُرُّونَ بِهِ النَّاسَ إِلَى عَقِيدَتِهِمْ، هَذَا الْحَدِيثُ يُرْوَى عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَيْسَ ثَابِتًا عَنْهُ وَهُوَ أَنَّ رَجُلاً لَطَمَ جَارِيَةً لَهُ مِلْكٌ لَهُ جَارِيَةٌ لَهُ هِيَ مِلْكٌ لَهُ ثُمَّ نَدِمَ فَعَرَضَ عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يُعْتِقَهَا إِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً فَقَالَ ائْتِ بِهَا فَقَالَ لَهَا الرَّسُولُ: أَيْنَ اللَّهُ فَقَالَتْ فِي السَّمَاءِ فَقَالَ: مَنْ أَنَا قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، هَذَا الْحَدِيثُ مُعَارِضٌ لِحَدِيثٍ رَوَاهُ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالْحَدِيثُ إِذَا رَوَاهُ عَشَرَةٌ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَنَحْوُ ذَلِكَ مُتَوَاتِرٌ مِثْلُ الْقُرْءَانِ أَيْ شَىْءٌ يُخَالِفُهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَعِنْدَ الأُصُولِيِّيِنَ أَيْ حَدِيثٌ يُعَارِضُ الْحَدِيثَ الْمُتَوَاتِرَ فَهُوَ بَاطِلٌ قَالُوا: إِلاَّ أَنْ يَقْبَلَ تَأْوِيلاً أَيْ أَنَّهُ إِنْ قَبِلَ تَأْوِيلاً أَيْ مَعْنًى خِلاَفَ ظَاهِرِهِ يُؤْخَذُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ تَأْوِيلاً فَلاَ يُؤْخَذُ بِهِ، الْوَهَّابِيَّةُ تَأْخُذُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ تَقُولُ: الرَّسُولُ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَهَا عَنْ تَعْيِينِ الْمَكَانِ لِلَّهِ وَتَقُولُ: الْحَدِيثُ فِي ءَاخِرِهِ فَقَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ، ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ هَكَذَا، هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ أَنَّ الرَّسُولَ قَالَ لِشَخْصٍ اسْمُهُ مُعَاوِيَةُ بنُ الْحَكَمِ قَالَ لَهُ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ، هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُهُ مُسْتَحِيلٌ مَرْفُوضٌ بَاطِلٌ لأَِنَّ ظَاهِرَهُ إِثْبَاتُ الْمَكَانِ لِلَّهِ وَفِيهِ أَنَّ الرَّسُولَ حَكَمَ بِالإِسْلاَمِ وَالإيِمَانِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَهَذَا لَيْسَ عَقِيدَةً خَاصَّةً لِطَائِفَةٍ مِنَ طَوَائِفِ الْبَشَرِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى تَقُولُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَكَذَلِكَ عُبَّادُ الأَوْثَانِ يَقُولُونَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَإِنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ أَشْيَاءً مِنَ الْوَثَنِ وَالصَّنَمِ فِي الأَرْضِ أَوْ بَعْضِ الْكَوَاكِبِ، قَبِيلَةٌ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ كَانُوا يَعْبُدُونَ الشِّعْرَى وَهِيَ كَوْكَبٌ مَعْرُوفٌ، يُقَالُ لَهُمْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَحْكُمَ الرَّسُولُ بِالإيِمَانِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ لأَِنَّ هَذِهِ عَقِيدَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْكُفَّارِ، كَيْفَ يَحْكُمُ الرَّسُولُ بِالإيِمَانِ بِهَذَا الاِعْتِقَادِ الَّذِي هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بنِ الْحَكَمِ الَّذِي تَصُولُ بِهِ الْوَهَّابِيَّةُ عَلَى النَّاسِ لإِخْرَاجِهِمْ مِنْ عَقِيدَةِ الإِسْلاَمِ إِلَى عَقِيدَةِ الْكُفْرِ خَالَفَ الْحَدِيثَ الْمُتَوَاتِرَ، مَا هُوَ هَذَا الْحَدِيثُ هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ” هَذَا الْحَدِيثُ الْمُتَوَاتِرُ الَّذِي هُوَ مِثْلُ الْقُرْءَانِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَكُونُ مُسْلِمًا إِلاَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَحَدِيثُ الْجَارِيَةِ ظَاهِرُهُ يُخَالِفُ هَذَا، فَإِذًا حَدِيثُ الْجَارِيَةِ بَاطِلٌ لاَ يَجُوزُ الأَخْذُ بِظَاهِرِهِ أَمَّا مَنْ أَوَّلَهَ وَلَمْ يُفَسِّرْهُ عَلَى الظَّاهِرِ فَلاَ بَأْسَ، بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِثْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَذَا الْحَدِيثُ حَدِيثُ الْجَارِيَةِ فِي مُسْلِمٍ يَقُولُ: لاَ يَحْمِلُونَهُ عَلَى الظَّاهِرِ هَؤُلاَءِ يُؤَوِّلُونَهُ، النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَوَّلَهُ لأَِنَّ ظَاهِرَهُ لاَ يَجُوزُ الأَخْذُ بِهِ لأَِنَّهُ مُعَارِضٌ لِحَدِيثٍ مُتَوَاتِرٍ حَدِيثِ “أُمِرْتُ” الْمَذْكُور، يَا لَيْتَ مُسْلِمًا لَمْ يُورِدْ هَذَا الْحَدِيثَ، أَيُّ فَائِدَةٍ فِيهِ، هُوَ مُسْلِمٌ يَعْتَقِدُ التَّنْزِيهَ كَالْبُخَارِيِّ لأَِنَّهُ كَانَ تِلْمِيذَ الْبُخَارِيِّ وَكَانَ يَتَعَصَّبُ لِلْبُخَارِيِّ إِذَا خَالَفَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلاَ يَعْتَقِدُ غَيْرَهُ، فَالَّذِينَ أَوَّلُوهُ قَالُوا: قَوْلُ: “أَيْنَ اللَّهُ” مَعْنَاهُ مَا اعْتِقَادُكِ فِي تَعْظِيمِ اللَّهِ، وَقَوْلُ الْجَارِيَةِ:”فِي السَّمَاءِ” مَعْنَاهُ اللَّهُ عَالِي الْقَدْرِ جِدًّا لَيْسَ مُرَادُهَا أَنَّهُ مُتَحَيِّزٌ فِي السَّمَاءِ هَكَذَا أَوَّلَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ، فَلَمْ يَرُدُّوهُ، أَمَّا مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الظَّاهِرِ فَهُوَ كَافِرٌ، مَنْ حَمَلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الظَّاهِرِ كَالْوَهَّابِيَّةِ فَهُوَ كَافِرٌ، الْمَكَانُ لِلْجِسْمِ، اللَّهُ كَانَ قَبْلَ الْمَكَانِ بِلاَ مَكَانٍ، ثُمَّ خَلَقَ الْمَكَانَ فَهُوَ عَلَى مَا كَانَ مَا تَحَيَّزَ فِي الْمَكَانِ، مَوْجُودٌ بِلاَ مَكَانٍ، لأَِنَّ التَّحَيُّزَ وَالاِنْتِقَالَ مِنْ صِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ عَلاَمَةُ الْمَخْلُوقِ وَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى إِبْطَالِ عِبَادَةِ الْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ، هَؤُلاَءِ الْوَهَّابِيَّةُ وَأَمْثَالُهُمْ خَالَفُوا مَنْهَجَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَدَلِيلَهُ وَأَخَذُوا بِعَقِيدَةِ طَوَائِفَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ إِنَّ الْمُشَبِّهَةَ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُرَكَّبٌ مُصَوَّرٌ، اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُرَكِّبُ الْجِسْمَ، نَحْنُ – الْبَشَر – جِسْمٌ مُرَكَّبٌ، كَذَلِكَ الْمَلاَئِكَةُ كَذَلِكَ الْجِنُّ كَذَلِكَ الْبَهَائِمُ كُلُّ هَذَا جِسْمٌ مُرَكَّبٌ، هَؤُلاَءِ مِنْ سَخَافَةِ عُقُولِهِمْ جَعَلُوا اللَّهَ مُرَكَّبًا، نَحْنُ جِسْمٌ مُرَكَّبٌ، يَصِحُّ مِنَّا الْجُلُوسُ لأَِنَّ الإِنْسَانَ مُرَكَّبٌ عَلَى جُزْءٍ أَسْفَلَ وَجُزْءٍ فَوْقَ هَذَا الأَسْفَلِ فَيَحْصُلُ الْجُلُوسُ مِنْهُ، هَؤُلاَءِ الْوَهَّابِيَّةُ وَأَمْثَالُهُمْ جَعَلُوا اللَّهَ مِثْلَنَا لأَِنَّ الْقُعُودَ لاَ يَصِيرُ إِلاَّ بِالْجِسْمِ الْمُرَكَّبِ، الشَّجَرُ لاَ يُقَالُ لَهُ جَالِسٌ وَالْجَبَلُ لاَ يُقَالُ لَهُ جَالِسٌ، الْوَهَّابِيَّةُ جَعَلُوا اللَّهَ مِثْلَ الْبَشَرِ بِقَوْلِهِمْ: “اللَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ” وَالأَئِمَّةُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ كُلُّهُم يُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَصِفَاتِ الْجِسْمِ الْقُعُودِ وَمَا أَشْبَهَهُ، قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ كَفَرَ“، اطَّلَعَ عَلَى نَصِّ الشَّافِعِيِّ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، الْقَاضِي حُسَيْنٌ كَانَ يُقَالُ لَهُ: “حَبْرُ الأُمَّةِ” لِقُوَّتِهِ فِي الْعِلْمِ وَتَمَكُّنِهِ كَمَا كَانَ يُقَالُ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ: “حَبْرُ الأُمَّةِ”، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ هَذَا نَقَلَ نَصَّ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ قَالَ: “مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ جِسْمٌ لاَ كَالأَجْسَامِ كَفَرَ” لأَِنَّهُ لاَ مَعْنَى لِقَوْلِ الْقَائِلِ: “جِسْمٌ لاَ كَالأَجْسَامِ” لأَِنَّهُ لَمَّا قَالَ:”جِسْمٌ” شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ، فَقَوْلُهُ:”لاَ كَالأَجْسَامِ” لاَ مَعْنَى لَهُ، كَالَّذِي يَقُولُ: “زَيْدٌ حَيٌّ لَيْسَ حَيًّا” كَلاَمُهُ مُتَنَاقِضٌ، لِذَلِكَ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: “كَافِرٌ” بِقَوْلِهِ: “اللَّهُ جِسْمٌ” كَفَّرَهُ وَلَمْ يَعْتَبِرْ قَوْلَهُ: “لاَ كَالأَجْسَامِ” شَيْئًا. وَالْمُحَدِّثُونَ فِي كُتُبِ اصْطِلاَحِ الْحَدِيثِ وَالأُصُولِيُّونَ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ هَكَذَا قَرَّرُوا أَنَّ أَيَّ حَدِيثٍ يُخَالِفُ الْمُتَوَاتِرَ فَهُوَ بَاطِلٌ، إِذَا كَانَ لاَ يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، قَالُوا: “بَاطِلٌ”، الْوَهَّابِيَّةُ أَخَذَتْ بِظَاهِرِهِ كَأَنَّهُمْ رَدُّوا عَلَى الْقُرْءَانِ لأَِنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ تَقْضِي بِأَنْ لاَ يُشْبِهُ الْعَالَمَ لاَ بِالتَّحَيُّزِ وَلاَ بِالْجِسْمِيَّةِ وَلاَ بِالْكَيْفِيَّاتِ وَلاَ بِالتَّكَلُّمِ بِالصَّوْتِ لأَِنَّ التَّكَلُّمَ بِالصَّوْتِ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ، وَالتَّحَيُّزُ فِي جِهَةٍ وَمَكَانٍ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ هَذِهِ الآيَةُ صَريِحَةٌ لَكِنَّ الْمُجَسِّمَةَ لاَ تَفْهَمُهَا تَعْدِلُ إِلَى إِيرَادِ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ: ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فَيُفَسِّرُونَ هَذِهِ الآيَةَ بِالْجُلُوسِ وَالاِسْتِقْرَارِ وَيَتْرُكُونَ الْمَعْنَى الَّذِي يُوَافِقُ الآيَةَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ وَهُوَ الْقَهْرُ لَوْ قَالُوا: ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أَيْ قَهَرَ الْعَرشَ لَوَافَقُوا الْحَقَّ، لَكِنْ تَرَكُوا ذَلِكَ بَلْ قَالُوا: “قَعَدَ” خَالَفُوا الْقُرْءَانَ الآيَةَ الْمُحْكَمَةَ هَذِهِ الآيَةَ كَمَا أَنَّهُمْ خَالَفُوا الْعَقْلَ، الآيَاتُ الْمُحْكَمَةُ هِيَ الأَصْلُ فِي الْقُرْءَانِ وَالآيَاتُ غَيْرُ الْمُحْكَمَةِ يُقَالُ لَهَا الْمُتَشَابِهَاتُ تُرَدُّ إِلَى الْمُحْكَمَاتِ كُلُّ ءَايَةٍ مِنَ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ أَيْ يُوهِمُ ظَاهِرُهَا أَنَّ اللَّهَ لَهُ جِسْمٌ، أَنَّ اللَّهَ لَهُ أَعْضَاءٌ وَأَنَّ اللَّهَ مُتَحَيِّزٌ فِي جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ يَتَحَرَّكُ يَنْزِلُ وَيَطْلَعُ، كُلُّ هَذِهِ الآيَاتِ وَمَا كَانَ عَلَى شَاكِلَتِهَا مِنَ الأَحَادِيثِ تُرَدُّ إِلَى الآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ هَكَذَا كَانَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، السَّلَفُ مَنْ كَانُوا فِي الثَّلاَثِمِائَةِ الأُوَلِ مِنْ تَارِيخِ الْهِجْرَةِ هَؤُلاَءِ يُقَالُ لَهُمُ السَّلَفُ، الشَّافِعِيُّ مِنْهُمْ وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ ثُمَّ الأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَهَذَا الطَّحَاوِيُّ، فَالْوَهَّابِيَّةُ لَيْسُوا مِنَ السَّلَفِ وَلاَ مِنَ الْخَلَفِ، لِلتَّمْوِيهِ عَلَى النَّاسِ سَمُّوا أَنْفُسَهُم السَّلَفِيَّةَ وَهُمْ كَاذِبُونَ مُخَالِفُونَ لِلسَّلَفِ وَلِلْخَلَفِ، مَنِ السَّلَفُ؟ السَّلَفُ هُمْ هَؤُلاَءِ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ، أَبُو حَنِيفَةَ وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَرَأَى بَعْضَ الصَّحَابَةِ وَالشَّافِعِيُّ وُلِدَ سَنَةَ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ، أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ قَبْلَ ثَلاَئِمِائَةٍ وَمَالِكٌ قَرِيبٌ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ حَيْثُ الْوِلاَدَةُ هَؤُلاَءِ رُؤُوسُ السَّلَفِ، الْوَهَّابِيَّةُ ضِدُّ هَؤُلاَءِ كُلِّهِمْ وَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ سَلَفِيَّةٌ لِيُوهِمُوا النَّاسَ أَنَّهُمْ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَهُمْ كَاذِبُونَ لَيْسُوا عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَلاَ عَلَى مَذْهَبِ الْخَلَفِ، نَحْنُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مَعَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ لأَِنَّ الْخَلَفَ الَّذِينَ وَافَقُوا السَّلَفَ هُمْ كَالسَّلَفِ ثُمَّ الْحَنَابِلَةُ الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى الإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ كَانُوا، الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْهُمْ، أَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ فَهُمْ مُجَسِّمَةٌ كَثُرَ فِيهِمُ التَّجْسِيمُ كَابْنِ تَيْمِيَةَ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ كَذَبُوا عَلَى الإِمَامِ أَحْمَدَ أَلَّفُوا تَآلِيفَ نَسَبُوا إِلَيْهِ أَنَّهُ يَقُولُ أَنَّ اللَّهَ مُتَحَيِّزٌ فِي جِهَةٍ وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ كَلاَمًا مُتَعَاقِبًا يَحْدُثُ بَعْضُهُ بَعْدَ بَعْضٍ، نَسَبُوا إِلَيْهِ مَا هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ بَعْضُهُ أُلِّفَ بِاسْمِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ بَعْضٌ افْتَرَى عَلَى أَحْمَدَ بِاسْمِ غَيْرِهِ وَأَشَدُّهُمْ فِي نَشْرِ التَّجْسِيمِ ابْنُ تَيْمِيَةَ دَرَسَ الْفِقْهَ الْحَنْبَلِيَّ ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ طَالَعَ كُتُبَ الْفَلاَسِفَةِ الْكُفَّارِ فَأَخَذَ مِنَ الْمُشَبِّهَةِ مَا عِنْدَهُمْ وَأَخَذَ مِنَ الْفَلاَسِفَةِ بَعْضَ مَا عِنْدَهُمْ مِمَّا هُوَ كُفْرٌ يَقُولُ: “الْعَالَمُ جِنْسُهُ أَزَلِيٌّ مَعَ اللَّهِ” أَيِ اللَّهُ مَوْجُودٌ بِلاَ بِدَايَةٍ وَجِنْسُ الْعَالَمِ مَوْجُودٌ بِلاَ بِدَايَةٍ فَهُوَ مِنْ أَكْفَرِ الْكُفَّارِ لأَِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ أَخْبَثِ كَلاَمِ الْفَلاَسِفَةِ فِي هَذَا الْعَصْرِ الْفَلْسَفَةُ تُعَلَّمُ فِي الْمَدَارِسِ أَحْمَد كِفْتَارُو قَبْلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً مُنْذُ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْجَامِعِ الأُمَوِيِّ فِي رَمَضَانَ كَانَ يُدَرِّسُ قَالَ: الإِسْلاَمُ يَأْمُرُ بِكَذَا، الإِسْلاَمُ يَأْمُرُ بِالْفَلْسَفَةِ هَذَا الدَّلِيلُ عَلَى جَهْلِهِ، الْفَلْسَفَةُ مِنَ الْعُلُومِ الْمُحَرَّمَةِ كَالْكَهَانَةِ وَالسِّحْرِ مِنَ الْعُلُومِ الْمُحَرَّمَةِ لَيْسَتْ مِنَ الْعُلُومِ الْمُبَاحَةِ، هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الطَّرِيقَةَ قُلُوبُهُمْ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى الْجَهْلِ وَالْسِنَتُهُمْ تُنَادِي بِأَنَّهُمْ عُلَمَاء هَؤُلاَءِ ضَرُّوا النَّاسَ، الْفَلْسَفَةُ مِنَ الْعُلُومِ الْمُحَرَّمَةِ كَالسِّحْرِ وَالْكَهَانَةِ ذَكَرَ ذَلِكَ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ الأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِر، لِذَلِكَ ابْنُ سِينَا وَالْفَارَابِيُّ كُفِّرَا كَافِرَانِ، ابْنُ تَيْمِيَة يُخْفِي أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْفَلاَسِفَةِ لَكِنَّهُ وَافَقَ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْفَلاَسِفَةُ الأُوَلُ الَّذِينَ قَبْلَ بِعْثَةِ الْمَسِيحِ وَافَقَهُمْ وَيَدَّعِي أَنَّهُ شَيْخُ السُّنَّةِ وَجَمَاعَتُهُ تُسَمِّيهِ شَيْخَ الإِسْلاَمِ وَهُوَ خَلَطَ ءَارَاءَ الْفَلاَسِفَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْكِرَ أَنَّهُ مِنْهُمْ مِنْ أَخْبَثِ خَلْقِ اللَّهِ، ابْنُ تَيْمِيَة أَخَذَ مِنْهُمْ أَخْبَثَ عَقَائِدِهِمْ وَهِيَ أَنَّ الْعَالَمَ جِنْسَهُ أَزَلِيٌّ بَعْضُهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: الْفَلاَسِفَةُ فَرِيقَانِ قِسْمٌ مِنْهُمْ قَالَ: الْعَالَمُ بِهَيْئَتِهِ وَصُورَتِهِ وَمَادَّتِهِ قَديِمٌ ثُمَّ قِسْمٌ مِنْهٌمْ قَالَ: قَديِمٌ بِمَادَّتِهِ مُحْدَثٌ بِصُورَتِهِ وَتَرْكِيبِهِ، ابْنُ تَيْمِيَة أَخَذَ بِقَوْلِ الْفَرِيقِ الأَخِيرِ وَأَوْهَمَ النَّاسَ أَنَّهُ شَيْخُ الْحَدِيثِ.