الأربعاء فبراير 18, 2026

فصل فى الواجبات القلبية

(270) تكلم عن الإيمان بالله وبما جاء عن الله والإيمان برسول الله وبما جاء عن رسول الله.

   مما يجب على المكلفين من أعمال القلوب الإيمان بالله وهو أصل الواجبات أى الاعتقاد الجازم بوجوده تعالى على ما يليق به وهو إثبات وجوده بلا كيفية أي بلا شكل ولا كمية أي بلا حجم ولا مكان. ويقرن بذلك الإيمان بما جاء به سيدنا محمد عن الله تعالى من الإيمان به أنه رسول الله والإيمان بحقية ما جاء به عن الله تعالى.

(271) تكلم عن الإخلاص بالطاعة.

   من أعمال القلوب الواجبة الإخلاص وهو إخلاص عمل الطاعة لله تعالى أى أن لا يقصد بعمل الطاعة محمدة الناس والنظر إليه بعين الإحترام والتعظيم والإجلال.

   الشرح: الإخلاص معناه أن يعمل الطاعة لله من غير أن ينوي بها أن يحبه الناس، أو أن يمدحوه، أو أن ينظروا إليه بعين الإكرام. فإنه إن عمل عملا من أعمال الخير ليمدحه الناس، وقع في ذنب كبير هو الرياء، وليس له ثواب. النية تقلب العمل المباح إلى عمل فيه ثواب، فالنية هي إكسير العمل، والإكسير شيء يوضع في النحاس فينقلب ذهبا، كذلك النية تقلب العمل المباح إلى طاعة.

(272) تكلم عن الندم على المعاصي.

   من الواجبات القلبية التوبة من المعاصى إن كانت كبيرة أو صغيرة وهى الندم ويجب أن يكون الندم لأجل أنه عصى ربه فإنه لو كان ندمه لأجل الفضيحة بين الناس لم يكن ذلك توبة.

   الشرح: من الواجبات القلبية الندم على المعاصي أي أن يستشعر في قلبه الندم لأنه عصى الله وهذا واجب في المعاصي كلها سواء كانت المعصية صغيرة أم كبيرة، ويجب أن يكون الندم لأجل أنه عصى ربه فإنه لو كان ندمه لأجل الفضيحة بين الناس أو خسارة ماله فى القمار لم يكن ذلك توبة.

(273) ما معنى التوكل على الله.

   التوكل هو الإعتماد فيجب على العبد أن يكون اعتماده على الله لأنه خالق كل شىء من المنافع والمضار وسائر ما يدخل فى الوجود فلا ضار ولا نافع على الحقيقة إلا الله أي لا أحد يضرك بشيء لم يرده الله، ولا أحد ينفعك بشيء لم يكتبه الله لك.

(274) ما معنى المراقبة لله.

   من واجبات القلب المراقبة لله ومعنى المراقبة استدامة خوف الله تعالى بالقلب بتجنب ما حرمه وأداء ما فرضه ولذلك يجب على المكلف أول ما يدخل فى التكليف أن ينوى ويعزم أن يأتى بكل ما فرض الله عليه من أداء الواجبات واجتناب المحرمات.

الشرح: من واجبات القلب المراقبة لله وهي استحضار أن الله مطلع عليه مما يدفعه إلى تجنب ما حرمه الله وتجنب الغفلة عن أداء ما أوجبه عليه.

(275) ما معنى الرضى عن الله.

   يجب على المكلف أن يرضى عن الله أى لا يعترض على الله اعتقادا ولفظا باطنا وظاهرا فى قضائه وقدره فيرضى عن الله تبارك وتعالى فى تقديره الخير والشر والحلو والمر والرضا والحزن والراحة والألم مع التمييز فى المقدور والمقضى فإن المقدور والمقضى إما أن يكون مما يحبه الله وإما أن يكون مما يكرهه الله، والمقضى الذى هو محبوب لله على العبد أن يحبه والمقضى الذى هو مكروه لله تعالى كالمحرمات على العبد كراهيتها من حيث إن الله تعالى يكرهها ونهى عباده عنها.

   الشرح: يجب على المكلف أن يرضى عن الله أي أن لا يعترض على الله لا اعتقادا ولا لفظا لا باطنا ولا ظاهرا في قضائه وقدره فيرضى عن الله تبارك وتعالى في تقديره الخير والشر والحلو والمر والرضا والحزن والراحة والألم فلا يعترض على الله في أي شأن من ذلك. والذي يجب أن يرضى به العبد تقدير الله. أما المقدور، أي ما يحصل بتقدير الله من الشرور، فلا يجب أن يرضى به، بل ينكره. ولذٰلك قال ٱلمؤلف رحمه ٱلله: مع التمييز في المقدور والمقضي فإن المقدور وهو ما قدره ٱلله في ٱلأزل والمقضي وهو ما خلقه ٱلله، إما أن يكون مما يحبه الله كالطاعة وإما أن يكون مما يكرهه الله كالمعصية. فالمقضي أي ٱلمخلوق الذي هو محبوب لله كٱلطاعات، يجب على العبد أن يحبه وأما المقضي أي ٱلمخلوق الذي هو مكروه لله تعالى كالمحرمات فــيجب على العبد أن يكرهه.

(276) ما معنى الشكر على نعم الله.

   الشكر قسمان شكر واجب وشكر مندوب فالشكر الواجب هو ما على العبد من العمل الذى يدل على تعظيم المنعم الذى أنعم عليه أو على غيره بترك العصيان لله تبارك وتعالى فى ذلك وهذا هو الشكر المفروض على العبد.

   والشكر المندوب هو الثناء على الله تعالى الدال على أنه هو المتفضل على العباد بالنعم التى أنعم بها عليهم مما لا يدخل تحت إحصائنا.

   الشرح: ليس الشكر الواجب مجرد أن يقول الإنسان بلسانه: “الشكر لله” أو “الحمد لله”. فلو قال بلسانه عشرة آلاف مرة في اليوم: “الشكر لله”، ثم هو يستعمل يده في معصية الله، ورجله في معصية الله، ولسانه في معصية الله، فهذا لا يكون شاكرا لله عز وجل الشكر الواجب. إنما الشكر الواجب أن لا تستعمل نعمة الله في معصية ربك. أما الشكر المسنون، فهو مثل أن تدعو لمن أحسن إليك، لقول رسول الله ﷺ: “من لم يشكر الناس لم يشكر الله” ومعناه: أنه من كمال الشكر لله تعالى أن تشكر من أحسن إليك.

(277) ما تعريف الصبر وما هو الصبر الواجب.

   الصبر هو حبس النفس وقهرها على مكروه تتحمله أو لذيذ تفارقه فالصبر الواجب على المكلف هو أن يصبر على أداء ما أوجب الله من الطاعات والصبر عما حرم الله أى كف النفس عما حرم الله والصبر على تحمل ما ابتلاه الله به بمعنى عدم الاعتراض على الله أو الدخول فيما حرمه بسبب المصيبة فإن كثيرا من الخلق يقعون فى المعاصى بتركهم الصبر على المصائب.

   الشرح: الصبر هو حبس النفس وقهرها على مكروه تتحمله أو لذيذ تفارقه وواجبه ثلاثة أقسام أولها الصبر على أداء ما أوجب الله كالصلاة، والصيام، والزكاة، وسائر الواجبات وثانيها الصبر عن ما حرم الله تعالى كالصبر عن النظر إلى ما حرم الله، وعن الزنى، وعن كل ما نهى الله عنه وثالثها الصبر على ما ابتلاك الله به من المصائب والبلايا بمعنى عدم الاعتراض على الله أو الدخول فيما حرمه الله بسبب ذلك.

وليتذكر المؤمن قول الله تعالى فى سورة البقرة ﴿ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾.

  الله تعالى أخبرنا فى هذه الآية عما يحصل لنا فى الدنيا فقال تعالى ﴿ولنبلونكم﴾ أى أن الله تعالى يبتلى عباده ﴿بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين﴾ أى المؤمنين الصابرين الراضين عن الله فلا يتسخطون عليه ولا يعترضون وإن كانت المصائب تقلقهم وتحزنهم وتؤذيهم فى أجسادهم ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله﴾ أى نحن خلق لله وملك له يفعل بنا ما يشاء هو الذى أحيانا وهو الذى يميتنا. ﴿وإنا إليه راجعون﴾ أى إننا صائرون إليه للجزاء.

   هؤلاء بشرهم الله تعالى بأنه تنالهم صلوات من الله أى رحمات مقرونة بالتعظيم أى الرحمات الخاصة لأن الرحمات العامة فى الدنيا يشترك بها المؤمن والكافر والبر والفاجر كالانتفاع بالهواء العليل والصحة والمال الوافر وغير ذلك من أنواع النعم الدنيوية، أما الرحمات الخاصة فلا ينالها إلا المؤمنون الصابرون المسلمون لله تسليما.

   فالصبر مع الإيمان درجة عالية فقد قال رسول الله ﷺ من يرد الله به خيرا يصب منه أى إذا أراد الله بعبده المؤمن خيرا أى رفعة فى الدرجة يبتليه بمصائب الدنيا ويحفظه من مصائب الدين. والمسلم الذى تكثر عليه المصائب مع سلامة الدين أفضل عند الله من المسلم الذى يعيش متقلبا فى الراحة ولا تصيبه المصائب إلا فيما ندر. وقد جاء عن الرسول ﷺ أنه قال عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، رواه مسلم. فالمؤمن فى الحالين على خير إن أصابته نعمة بسط ورخاء فى الرزق يشكر الله وإن أصابته ضراء أى بلية ومصيبة يصبر ولا يتسخط على ربه بل يرضى بقضاء الله فيكون له أجر بهذه المصيبة.

   وحكى أن رجلا من الصالحين كان مقطوع اليدين والرجلين مصابا بالعمى وزيادة على ذلك أصيب بمرض الآكلة وهو مرض يصيب الأطراف فيسود العضو المصاب ويهترئ ثم يتساقط، وكان شديد الفقر لا أحد يهتم به حتى رءاه الناس على الطريق والدبابير تأكل من رأسه، وكان رضى الله عنه مقطوع اليدين فلا يقدر على دفعها عنه ومقطوع الرجلين فلا يقدر على الهرب منها فمر من أمامه أناس فلما رأوه قالوا سبحان الله كم يتحمل هذا الرجل فسمعهم فقال الحمد لله الذى جعل قلبى خاشعا ولسانى ذاكرا وبدنى على البلاء صابرا إلهى لو صببت على البلاء صبا ما ازددت فيك إلا حبا. هكذا يكون الصالحون هكذا يكون طلاب الآخرة الذين عرفوا الله فأدوا حقه.

     واعلم رحمك الله أن الصبر عند الغضب من أعظم أنواع الصبر، فهو يمكن الإنسان من ضبط نفسه وكظم غيظه لأن الغضب هلاك كبير يفسد على الشخص دينه ودنياه يخرج الإنسان من دينه أحيانا، وأحيانا يعكر عليه أمر معيشته. كثير من الناس يكفرون عند الغضب يسبون خالقهم أو يسبون شعائر الإسلام كالصلاة ونحو ذلك. وقد يوصل الغضب إلى القتل ظلما أو إلى قطيعة الرحم وكثير من المشاجرات بين الأهل وبين الأصدقاء تحصل فى حال الغضب.

   من ملك نفسه عند الاستشعار بالغضب سلم ونجا من الهلاك سلم من مهالك الدنيا والآخرة أما من اتبع الغضب لا بد أن يهلك والشديد هو الذى يملك نفسه عند الغضب كما قال رسول الله ﷺ ليس الشديد من غلب الناس ولكن الشديد من ملك نفسه عند الغضب وقال موصيا من استوصاه لا تغضب ثلاثا. فلا ينبغى للمؤمن أن ينساق وراء الغضب بل يعود نفسه على ترك الغضب فينبغى أن يكون بطىء الغضب سريع الرضا قال رسول الله ﷺ من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء. وترك الغضب يحتاج إلى مخالفة النفس لأن النفس تحب أن تعلو على الغير بحيث إذا إنسان سبه يريد أن ينتقم منه بأكثر مما سبه أو بدل السب يضربه أو يقتله.

   الإنسان فى حال الغضب ليشفى غيظه قد يتكلم بما يضره فى دينه ودنياه أو فى دينه فقط. فضبط النفس عند الغضب من أكبر الوسائل للنجاة، فيه حفظ الدين وحفظ البدن. لو كنا نعمل بحديث رسول الله ﷺ لا تغضب كنا سلمنا من مهالك كثيرة. وليعلم أن الغضب ليس عذرا. إذا واحد غضبان سب له أباه أو أمه هل يقول هذا معذور، أكثر الناس كيف يضرب بعضهم ظلما ويقتل بعضهم ظلما أليس بسبب الغضب هل يكون عذرا.

   وعلاج الغضب كما بين رسول الله ﷺ بقوله إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ، رواه أبو داود. وروى ابن السنى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت دخل على النبى ﷺ وأنا غضبى ثم قال يا عويش قولى اللهم اغفر لى ذنبى وأذهب غيظ قلبى وأجرنى من الشيطان. وروى البخارى عن سليمان بن صرد أنه قال كنت جالسا مع النبى ﷺ ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال النبى ﷺ إنى لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد.

     ومما ينفع لتفريج الكرب عن المسلم أن يقول يا ذا المعروف الذى لا ينقطع أبدا ولا يحصيه غيرك فرج عنى ما أهمنى وهذا مما علمه سيدنا عزرائيل عليه السلام لنبى الله يعقوب عليه السلام لما غاب عنه ابنه يوسف عليه السلام. وأن يقول الله الله ربى لا أشرك به شيئا معناه يا الله يا الله فرج عنى ما بى من الكرب فأنت ربى ولا أشرك بك شيئا، وهو ينفع لأمور كثيرة منها طرد الوسواس والهم وتيسير الرزق ويقال مرتين لدفع ظلم الظالم فمن أراد أن يواجه ظالما يخاف شره يقولها فى وجهه مرتين ليكفيه الله شره. وأن يقول اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. ومن وقع فى ضيق وقال يا حى يا قيوم يا حى يا قيوم الله يفرج عنه. ومما ينفع المسلم إذا أصابه كرب أو شدة أن يقول سبع مرات يا قوى يا متين وسبع مرات لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم وسبع مرات لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين فقد ورد أن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب طلبه الحجاج بن يوسف وكان يريد قتله فقال الحسن قبل أن يدخل عليه لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين ثم دخل عليه فقال الناس اليوم يقتل لكن الحجاج تغير خاطره فبدل أن يقتله أكرمه وقضى له حاجة، قال له قبل أن تأتى كنت أبغض الناس إلى والآن صرت أحب الناس إلى.

(278) تكلم عن بغض الشيطان.

   يجب على المكلفين بغض الشيطان أي كراهيته لأن الله تعالى حذرنا فى كتابه منه تحذيرا بالغا قال الله تعالى ﴿فاتخذوه عدوا﴾، والشيطان هو الكافر من كفار الجن وأما مؤمنوهم فهم كمؤمنى الإنس فيهم صلحاء وفيهم فساق ويطلق الشيطان ويراد به إبليس الذى هو جدهم الأعلى ورئيسهم.

تنبيه: لا يقصد بهذا الكلام بغض كل الجن، بل بغض الشياطين، وهم كفار الجن. الجن ليسوا جميعا كفارا، بل منهم المؤمن والكافر، والمؤمنون منهم صنفان: أتقياء وغير أتقياء، كما في البشر، فمنهم الفاسق ومنهم الصالح، والأتقياء قلة في الإنس والجن. فالجني الكافر يقال له “شيطان”، وأما الجني المؤمن فيقال له “جني مؤمن”، فإن كان تقيا فهو “جني تقي”، وإن كان فاسقا فهو “جني فاسق”.

   والله تعالى خلق الجن من النار، وأبوهم الأول وجدهم الأعلى هو إبليس، رئيس الشياطين. وخلقهم الله من مارج من نار، أي من اللهب الصافي الذي يكون في أعلى النار. وكان إبليس يعبد الله ويخالط الملائكة في الجنة، واسمه الأول “عزازيل”، فلما كفر سمي “إبليس”، وأصلها “أبلس” أي “أبعد من الخير”، فمعنى “إبليس” أي “المبعد من الخير”.

   واعلم أن الجن أجسام لطيفة لا يراهم أحد من البشر على هيئتهم الأصلية لقوله تعالى فى إبليس وذريته ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ لكن يجب الإيمان بوجودهم لأن وجودهم ثابت بالقرءان والحديث فمن أنكر وجودهم مع علمه بذلك  كفر. والله تعالى أعطاهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة وخلق فيهم شهوة الأكل والشرب والجماع فهم يأكلون ويشربون ويتناكحون ويتوالدون ولا ينامون.

   وإبليس هو أبو الجن خلق قبل ءادم خلقه الله من لهيب النار الصافى لقوله ﷺ خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق ءادم مما وصف لكم، أى من تراب هذه الأرض، رواه مسلم عن عائشة رضى الله عنها. فمن هنا يعلم أن الملائكة والجن ليسوا من جنس واحد فإبليس ليس ملكا ولا طاووسا للملائكة فلا يجوز اعتقاد أن إبليس كان طاووس الملائكة أو رئيسهم كما يقول بعض الجهال بل هو كافر بنص القرءان قال تعالى فى سورة البقرة ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾.

   والجن فيهم التقى والفاسق والكافر وليس فيهم أنبياء. أما الشياطين فهم الكفار من الجن منهم القرين الذى يوكل بالشخص بعد ولادته فإنه يدخل فى صدر غير النبى من غير أن يشعر ويوسوس له ويأمره بالشر. الوسوسة تكون فى الصدر وليس فى الأذن، الشيطان له حديث بكلام خفى مع نفس الإنسان فى الصدر، الأذن لا تسمعه هو يحدث النفس فتفهم عنه لكنه لا يعلم الغيب ولا يعلم بما يحدث به الشخص نفسه. والقرين يلازم العبد إلى وفاته ليلا ونهارا فإذا بات العبد يبقى القرين على خيشومه الذى هو منتهى الأنف فإذا استيقظ العبد يقفز القرين إلى جهة الصدر لذلك يستحب عند الاستيقاظ إذا توضأ الشخص أن يبالغ فى الاستنشاق لإزالة أثر بقاء القرين هناك إلا أن يكون صائما. أما القرين الذى مع الأنبياء فلا يستطيع أن يدخل فى أجسادهم إنما يدور حولهم ويوسوس لهم من الخارج. والشيطان ليس له سلطان على الأنبياء ولا على الأولياء فلا يستطيع أن يغرقهم فى المعاصى. والظاهر أن قرناء الأنبياء سوى سيدنا محمد كانوا شياطين كفارا أما قرين النبى ﷺ فقد أسلم قال رسول الله ﷺ إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم فلا يأمرنى إلا بخير.

   ويوجد غير القرين من الشياطين يشوش على المسلم فى الصلاة يقال له خنزب، فعن عثمان بن أبى العاص الثقفى رضى الله عنه أنه أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن الشيطان حال بينى وبين صلاتى وقراءتى قال ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله من شره واتفل على يسارك ثلاثا رواه الإمام أحمد. وعن أبى بن كعب عن النبى ﷺ أنه قال إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء رواه الترمذى. وينبغى أن لا يسترسل الإنسان مع الوسواس بل ينبغى أن يلجأ إلى الله فى دفعه وأن يعرض عنه وأن يبادر إلى قطعه بالاشتغال بغيره حتى لا تتنكد عيشته وينبغى أن لا يقعد وحده بل يقعد مع الصالحين.

والآن أذكر لكم بعض أوراد التحصين من أذى الجن، وأحثكم على المداومة عليها، فمن أهمها قراءة آية الكرسي بعد كل صلاة وعند النوم، فقد قال النبي ﷺ “من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح” رواه البخاري. وكذلك قراءة المعوذتين وسورة الإخلاص ثلاث مرات صباحا ومساء وبعد كل صلاة وقبل النوم فهي حصن من الشياطين، وقد قال رسول الله ﷺ “ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات، لم يضره شيء” رواه الترمذي، ومن الأوراد العظيمة قول “حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم” سبع مرات في كل يوم حين يصبح وحين يمسي، فقد قال النبي ﷺ “من قالها كفاه الله تعالى ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة“، ومن قال “أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخيـر يا رحمٰن“، فإنه لو دخل إلى وكر الجن لا يستطيعون إيذاءه بإذن الله، وقال رسول الله ﷺ عن المعوذتين “ما تعوذ المتعوذون بمثلهما“، فلا يوجد مثل المعوذتين في القرءان في التعويذ، وكذلك من الأذكار العظيمة التي تحفظ المسلم من الشياطين وأذاهم الإكثار من قول “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير” مئة مرة يوميا فهي حرز من الشيطان طول اليوم، وقراءة سورة البقرة؛ لقول النبي ﷺ “إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة” رواه مسلم، وأيضا الدعاء عند دخول البيت والخروج وقول “بسم الله” عند تناول الطعام والشراب وعند النوم، فإن ذلك يمنع الشياطين من التسلط على الإنسان، فالمداومة على هذه الأذكار والأوراد تحمي المسلم بإذن الله من أذى الجن والشياطين، وتجلب له السكينة والطمأنينة.

(279) تكلم عن بغض المعاصى.

   يجب كراهية المعاصى من حيث إن الله تبارك وتعالى حرم على المكلفين اقترافها فيجب كراهية المعاصى وإنكارها بالقلب من نفسه أو من غيره في حضرته أو في غيبته، أي إذا علم بمعصية من المعاصي فلا بد أن يكرهها بقلبه.

(280) تكلم عن محبة الله ومحبة كلامه ورسوله والصحابة والآل والصالحين.

   يجب على المكلف محبة الله ومحبة كلامه ومحبة رسوله محمد ﷺ وسائر إخوانه الأنبياء وذلك باتباع أوامر الشرع واجتناب نواهيه قال الله تعالى ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله﴾، وأما معنى محبة الصحابة فهو تعظيمهم لأنهم أنصار دين الله ولا سيما السابقين الأولين منهم من المهاجرين والأنصار، وأما الآل فإن أريد بهم مطلق أتباع النبى الأتقياء فتجب محبتهم لأنهم أحباب الله تبارك وتعالى بما لهم من القرب إليه بطاعته الكاملة وإن أريد به أزواجه وأقرباؤه المؤمنون فوجوب محبتهم لما خصوا به من الفضل، وتجب محبة عموم الصالحين من عباد الله.

   الشرح: يجب على المكلف محبة الله تعالى على ما يليق به بتعظيمه أقصى غاية التعظيم ويجب أن تكون محبة الله هي أعلى محبة في قلب المسلم. ويجب على المكلف محبة كلام الله أي القرءان بالإيـمان به ومحبة رسوله محمد ﷺ بتعظيمه على ما يليق به، بالإيمان به واعتقاد أنه ﷺ أفضل رسل الله، وبتعظيمه تعظيما لائقا به، ولكن دون غلو أو مجاوزة الحد المطلوب شرعا، فلا يوصف بما لا يليق به، كما فعل بعض الناس، فإنهم بالغوا في تعظيم النبي ﷺ حتى قالوا إنه يعلم كل ما يعلمه الله عز وجل، وهذا كفر. ويجب محبة سائر إخوانه الأنبياء كذلك، وكمال هذه المحبة يكون بالانقياد لشرع الله تعالى باتباع أوامره واجتناب نواهيه.

   وأما معنى محبة الصحابة فهو تعظيمهم لأنهم أنصار دين الله ولا سيما السابقون الأولون منهم من المهاجرين والأنصار. والمعنى أنه يجب محبتهم من حيث الإجمال وليس المعنى أنه يجب محبة كل فرد منهم، فليس كل الصحابة أولياء ولا كلهم أتقياء، بل منهم من بلغ تلك الدرجة، ومنهم من أقيم عليه الحد، ومنهم من قال فيهم النبي ﷺ إنه في النار، فلذلك مراد المؤلف رحمه الله محبتهم إجمالا.

   والصحابي هو من لقي النبي ﷺ مؤمنا به في حياته على الوجه المتعارف، ثم مات على الإيمان، وقولنا “على الوجه المتعارف” يعني أن الأنبياء الذين اجتمعوا به ليلة الإسراء في المسجد الأقصى لا يعتبرون من الصحابة لأن ذلك كان بطريق خرق العادة. فيجب على كل مكلف أن يحب الصحابة المحبة الإجمالية لأنهم أنصار دين الله ونقلوا إلينا دينه، نحن عرفنا الدين والقرءان والحديث من طريق واحد وهو طريق الصحابة، فإذا تجب محبة أصحاب الرسول المحبة الإجمالية ولاسيما السابقون الأولون منهم. وهو ما أكده الإمام الطحاوي في عقيدته عن الصحابة بقوله “ولا نفرط في حب أحد منهم” أي لا نتجاوز الحد في محبة أحد منهم وقال “ولا نتبرء من أحد منهم” أي لا نكفر منهم أحدا وقال أيضا “ولا نذكرهم إلا بخير” أي من حيث الإجمال أما من حيث التفصيل فنمدح ونذم على حسب ما يقتضيه الشرع. فيما مضى كان أحد الصحابة يقال له “أبو الغادية”، وهو الذي قتل عمار بن ياسر الذي قال فيه الرسول ﷺ “ويح عمار تقتله الفئة الباغية“. وكان أبو الغادية يطرق الأبواب، فإذا سئل “من؟” قال “قاتل عمار بالباب”. فمثل هذا لا تجب محبته.

    وأما الآل فإن أريد به مطلق أتباع النبي الأتقياء فتجب محبتهم لأنهم أحباب الله تبارك وتعالى لما لهم من القرب إليه بطاعته الكاملة وإن أريد به أزواجه وأقرباؤه المؤمنون فوجوب محبتهم لما خصوا به من الفضل. الآل يطلق على أكثر من معنى؛ فإن أريد بالآل الأتباع الأتقياء، فتجب محبتهم، لأننا مأمورون بمحبة الصالحين، ودليل ذلك قولنا في الصلاة “السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين” فهذا إشارة إلى تعظيمهم ووجوب محبتهم. وإن أريد بالآل أقارب الرسول ﷺ، فهؤلاء أيضا تجب محبتهم، فأزواجه وأقاربه المؤمنون تجب محبتهم لما خصوا به من الفضل. ويجب محبة عموم الصالحين من عباد الله.  

 

فصل فى معاصى القلب

(281) ما هو الرياء بأعمال البر.

   قال رسول الله ﷺ «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغى به وجهه» رواه النسائى. والرياء هو العمل بالطاعة لأجل الناس أى ليمدحوه ويحبط ثوابها وصاحبه عليه إثم.

   الشرح: من معاصي القلب الرياء بأعمال البر أي الحسنات كالزكاة والصوم وقراءة القرءان والرياء هو العمل بالطاعة لأجل الناس أي ليمدحوه ويحبط الرياء ثواب الطاعة التي قارنها وهو من الكبائر حفظنا الله منه.

(282) ما هو العجب بطاعة الله.

   العجب بطاعة الله هو شهود العبادة صادرة من النفس غائبا عن المنة ولا يحبط ثوابها إلا إذا كان مقارنا للعمل وعلى صاحبه إثم.

   الشرح: من معاصي القلب التي هي من الكبائر أن يشهد العبد عبادته ومحاسن أعماله كالصلاة والصيام والصدقة وطلب العلم والدعوة إلى الله نابعة من نفسه غافلا عن تذكر أن الله هو الذي تفضل عليه بها فأقدره عليها وألهمه، فيرى ذلك مزية له. والعجب بطاعة الله لا يبطل الثواب إلا إذا كان مقارنا للعمل، أما إذا حصل بعد الانتهاء من العمل فلا يحبط الثواب، ولكنه حرام. فمن ترك العجب وابتعد عنه فقد نجا وسلم.

(283) ما معنى الأمن من مكر الله.

   هو أن يسترسل الشخص فى المعاصى ويعتمد على رحمة الله قال تعالى ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ ومعنى مكر الله هنا عقوبة الله.

   الشرح أن من المعاصي القلبية الأمن من عذاب الله ومعناه الاسترسال في المعاصي مع الاتكال على رحمة الله فهذا من المعاصي الكبائر.

(284) ما معنى القنوط من رحمة الله.

   القنوط من رحمة الله أن يعتقد أن الله لا يغفر له ألبتة وأنه لا محالة يعذبه وذلك نظرا لكثرة ذنوبه مثلا قال تعالى ﴿قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾.

   الشرح: القنوط من رحمة الله كبيرة من الكبائر وهو أن يسيء العبد الظن بالله فيعتقد أن الله لا يغفر له ألبتة وأنه لا محالة يعذبه وذلك نظرا لكثرة ذنوبه مثلا، كمن يقول في نفسه أنا عملت كذا وكذا من الذنوب، الله تعالى لا يرحمني، بل لابد أن يعذبني.

(285) ما هو التكبر.

   التكبر نوعان رد الحق على قائله مع العلم بأن الحق مع القائل لنحو كون القائل صغير السن واستحقار الناس وهو أن ينظر إلى غيره بعين الاحتقار وإلى نفسه بعين التعظيم.

   الشرح أن من معاصي القلب التي هي من الكبائر التكبر على عباد الله وهو نوعان أولهما رد الحق على قائله مع العلم بأن الصواب مع القائل لنحو كون القائل صغير السن فيستعظم أن يرجع إلى الحق من أجل أن قائله صغير السن وثانيهما استحقار الناس أي ازدراؤهم وٱلتقليل من شأنهم كأن يتكبر على الفقير وينظر إليه نظر احتقار أو يعرض عنه أو يترفع عليه في الخطاب لكونه أقل منه مالا. وقد نهى الله تعالى عباده عن التكبر قال الله تعالى ﴿ولا تصعر خدك للناس﴾ أي ولا تعرض عنهم متكبرا والمعنى أقبل على الناس بوجهك متواضعا ولا تولهم شق وجهك وصفحته كما يفعله المتكبرون ﴿ولا تمش في الأرض مرحا﴾ أي لا تمش مشية الكبر والفخر.

   الرسول ﷺ ثبت عنه أنه قال في دعائه اللهم أحيني مسكينا أي متواضعا وأمتني مسكينا أي متواضعا واحشرني في زمرة المساكين. والتواضع هو ترك الترفع على الغير وهو مطلوب مع الكبار والصغار والأغنياء والفقراء لوجه الله. قال رسول الله ﷺ إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة التواضع أى أن أكثر الناس لا يعملون بهذا الأمر الذى هو من أعظم العبادات أى من أفضل الحسنات عند الله وقال ﷺ من تواضع لله درجة رفعه الله درجة حتى يكون فى أعلى عليين. وقد كان النبى ﷺ سيد المتواضعين وأوصى أمته بالتواضع وترك الترفع لأن التواضع يجلب التآلف والتحاب وترك التنافر أما تركه فإنه يسبب خلاف ذلك، والله تعالى يحب لعباده أن يكونوا متواضعين ولا يحب أهل الفخر والعجب والكبرياء. والتواضع يكون سببا للتحاب بين الإخوة وسببا للتواصل وسببا للتزاور وسببا للصبر على أذى الناس، الدعوة إلى الله تحتاج إلى التواضع والتوافق والتحاب أما الاستبداد والترفع فلا يناسب الدعوة إلى الله فينبغى للمؤمن أن يكون متواضعا حتى يترقى عند الله.

(286) تكلم عن الحسد.

   الحسد هو كراهية النعمة للمسلم واستثقالها له وتمنى انتقالها إليه وعمل بمقتضاه.

   الشرح أن من معاصي القلب الحسد. والحسد هو أن يكره الشخص النعمة التي أنعم الله بها على المسلم ويتمنى زوالها ويستثقلها له، وإنما يكون معصية إذا عمل بمقتضاه تصميما أو قولا أو فعلا أما إذا لم يقترن به العمل فيقال له حسد ولكن ليس فيه معصية. مثال الحسد الذي فيه معصية، كشخص رأى عند آخر مالا كثيرا، فتمنى زواله، وصار يذهب للناس ويقول لهم “لا تعاملوه” وذلك حتى لا يكثر ماله، فهذا عمل بمقتضى كراهيته النعمة للمسلم واستثقالها، وهو حرام.

   أما إذا شخص تمنى زوال النعمة الدنيوية عن المسلم، فمجرد هذا التمني ليس حراما مع كونه حسدا. كشخص مثلا رأى عند آخر سيارة، فقال “يا ليت هذه السيارة ليست له”، فتمنى زوال هذه السيارة عنه، فهذا يقال له “حسد” وهو قبيح لكن ما فيه معصية لأنه لم يؤذه. فالحسد منه ما هو محرم، ومنه ما هو ليس محرما.

(287) ما هو الحقد.

   الحقد هو إضمار العداوة للمسلم والعمل بمقتضى هذه العداوة وعدم مخالفة ما يستشعر به في نفسه من ذلك بالكراهية.

   الشرح أن من معاصي القلب الحقد وهو إضمار العداوة للمسلم مع العمل بمقتضاه وذلك بأن يعزم في قلبه على إيذائه أو يقول قولا يؤذيه أو يفعل فعلا يؤذيه بغير حق. أما إذا أضمر العداوة في قلبه فقط ولم يعزم على إيذاء المسلم ظلما كضربه أو السعي في ضرره فلا يكون حراما. فإذا وجد في قلبه بغض المسلم دون أن يعزم على إيذائه، فإن ذلك يقال له حقد وهو قبيح لكن ما فيه معصية لأنه لم يعمل بمقتضاه. فالحقد منه ما هو محرم، ومنه ما هو ليس محرما ولكن الأولى بالمسلم أن يجاهد نفسه في إزالة ما في قلبه من ضغينة، ويستبدلها بالمودة والعفو، طلبا لمرضاة الله.

(288) تكلم عن المن بالصدقة.

   المن بالصدقة هو أن يعدد نعمته على ءاخذها أو يذكرها لمن لا يحب الآخذ إطلاعه عليها ليكسر قلبه وهو يحبط الثواب ويبطله قال تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾.

   الشرح أن من معاصي القلب التي هي من الكبائر المن بالصدقة وهو أن يعدد نعمته على ءاخذها كأن يقول له ألم أفعل لك كذا وكذا حتى يكسر قلبه أو يذكرها لمن لا يحب الآخذ اطلاعه عليها وهو يحبط الثواب ويبطله. إذا أحسن شخص إلى آخر ثم حصل بينهما خلاف فقال له “ألا تتذكر إحساني إليك؟ أنا صرفت عليك، أنا تصدقت عليك، أنا أعطيتك سيارة، أنا أسكنتك في بيتي” ونحو ذلك ليكسر قلبه، فهذا حرام، ومن الكبائر، ويحبط الثواب، ويذهب أجر الصدقة والإحسان الذي قدمه. وإنما عدها العلماء من معاصي القلب لأن المن يكون أصلا في القلب لأن المان يقصد إيذاء الشخص فيتفرع من ذلك العمل البدني وهو ذكر إنعامه على الشخص بلسانه.

 (289) ما هو الإصرار على الصغيرة المعدود من الكبائر.

   الإصرار على الصغيرة المعدود من الكبائر هو أن تغلب صغائره على حسناته وهو من معاصى القلب لأنه يقترن به قصد النفس معاودة ذلك الذنب وعقد القلب على ذلك.

   الشرح أن من المعاصي القلبية الإصرار على الذنب أي المداومة على الذنب كأن يقول في قلبه أنا أداوم على هذه المعصية. هذا حرام، ولكن ليس كل إصرار يعد كبيرة، ثمة إصرار كبيرة، وثمة إصرار ليس كبيرة.

   الإصرار على الذنب الذي هو معدود من الكبائر هو أن تغلب معاصيه الصغيرة على حسناته فيصير عدد معاصيه الصغيرة ٱلتي فعلها من حين ٱلبلوغ أكبر من عدد حسناته، فيصير بذلك واقعا في هذه الكبيرة.

   وأما مجرد تكرار الذنب الذي هو من نوع الصغائر والمداومة عليه لا إلى ذلك الحد، فيبقى صغيرة. والقيد هو أن تغلب معاصيه الصغيرة على حسناته فيصير عدد معاصيه الصغيرة ٱلتي فعلها من حين ٱلبلوغ أكبر من عدد حسناته.

(290) ما هو سوء الظن بالله وبعباد الله.

   سوء الظن بالله هو أن يظن بربه أنه لا يرحمه بل يعذبه وأن يظن بعباد الله السوء بغير قرينة معتبرة.

   الشرح: من معاصي القلب سوء الظن بالله وهو أن يظن بربه أنه لا يرحمه بل يعذبه كأن يعتقد أن الله لا بد أن يعذبه إذا لم يتب من معاصيه فيقول أنا من المعذبين جزما، فهذا حرام. ولو كان من أهل المعاصي، فإنه لا يجوز له أن يجزم بأن الله سيعذبه، بل يكون بين الخوف والرجاء، فإن رحمة الله واسعة، وهو يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء. ومن معاصي القلب أيضا سوء الظن بعباد الله وهو أن يظن بعباده السوء بغير قرينة معتبرة. مثال على ذلك شخص كان ماشيا في الطريق، فرأى مسلما، فقال في نفسه أظن أن هذا من اللصوص، أو أظن أن هذا من شربة الخمر، وذلك من غير أن يرى أي قرينة تدل على ذلك، فهذا حرام، ومن الظلم الذي نهى الله عنه.

(291) ما حكم الفرح بالمعصية.

   الفرح بالمعصية حرام سواء كانت منه أو من غيره.

   الشرح أن من معاصي القلب الفرح بالمعصية الصادرة منه أو من غيره فمن علم بمعصية حصلت من غيره ولو لم يشهدها ولو في مكان بعيد ففرح بذلك فقد عصى الله. وأما الفرح بكفر الغير فهو كفر لأن الرضا بالكفر كفر، وإذا كان الأمر يتعلق بكفر الإنسان نفسه، فإنه يزداد كفرا.

(292) ما حكم الغدر.

   الغدر حرام وهو كأن يقول لشخص أنت فى حمايتى ثم يفتك به هو أو يحرض غيره على الفتك به وهو حرام ولو بالكافر كأن يؤمنه ثم يقتله.

    الشرح أن الغدر من المعاصي المحرمة وهو من قسم الكبائر وذلك كأن يقول لشخص أنت في حمايتي أو أنت في أمان لن أؤذيك ثم يفتك به هو أو يدل عليه من يفتك به. وكذلك يحرم الغدر بالكافر، فإن قال له “أنت في أماني” فلا يجوز له أن يقتله ولا أن يرشد غيره لقتله لأنه مؤمن، وغاية الأمان تكون إلى أربعة أشهر.

(293) تكلم عن المكر.

   المكر هو إيقاع الضرر بالمسلم بطريقة خفية وهو حرام قال عليه الصلاة والسلام «المكر والخداع فى النار» أخرجه الترمذى.

    الشرح أن من معاصي القلب المكر، والمكر والخديعة بمعنى واحد وهو إيقاع الضرر بالمسلم بطريقة خفية يحتاج فيها إلى استعمال بعض الحيل. فمن مكر بأحد من المسلمين فقد وقع في كبيرة.

(294) تكلم عن بغض الصحابة والآل والصالحين.

   بغض الصحابة جملة كفر والصحابى هو من اجتمع بالنبى عليه الصلاة والسلام على طريق العادة وءامن به ومات على ذلك أما الآل فالمراد بهم أقرباؤه عليه الصلاة والسلام المؤمنون وأزواجه. والصالحون هم الأتقياء كالعلماء العاملين وغيرهم فيحرم بغضهم.

   الشرح أن من معاصي القلب بغض أصحاب رسول الله ﷺ. والصحابي هو من لقيه في حياته ﷺ بطريق العادة مع الإيمان به سواء طالت صحبته له ﷺ أو لم تطل ومات على ذلك ولو تخللت بين صحبته له وبين موته على الإسلام ردة. والذي يبغض كل الصحابة يكفر. قال الطحاوي في عقيدته وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. المراد بذلك بغض جميع الصحابة، فمن أبغضهم جميعا فهو كافر، ولا يعني بذلك أن من أبغض واحدا منهم يكون كافرا، ولا سيما إذا كان بغضه لسبب شرعي.

   الصحابي الذي قتل عمار بن ياسر رضي الله عنه هو “أبو الغادية” وكان في أيام بني أمية يطرق الأبواب، فإذا سئل “من بالباب؟” يقول “قاتل عمار بالباب” مع أن النبي ﷺ قال في حق عمار “ويح عمار تقتله الفئة الباغية”. فمثل هذا، لو أبغضه أحد لفعله، فلا يكون عليه ذنب.

   وأما الآل فالمراد بهم هنا أقرباؤه ﷺ المؤمنون وأزواجه وقد مر معنا في واجبات القلب محبة الآل، كأمثال حمزة والعباس وفاطمة والحسن والحسين وعائشة وخديجة ونحو ذلك. وأما الصالحون فالمراد بهم الأتقياء الذين أدوا الواجبات واجتنبوا المحرمات، فكما تجب محبة الآل، كذلك تجب محبة الصالحين، وكما لا يجوز بغض الآل، كذلك لا يجوز بغض الصالحين.

(295) تكلم عن البخل فيما أوجب الله وعن الشح والحرص.

   البخل بما أوجب الله حرام كأن يمتنع عن دفع الزكاة بعد الوجوب والتمكن. والشح هو زيادة البخل وهو حرام. والحرص هو شدة تعلق النفس لاحتواء المال وجمعه على الوجه المذموم كالتوصل به إلى الترفع على الناس وعدم بذله إلا فى هوى النفس.

الشرح أن من معاصي القلب البخل بما أوجب الله كالبخل عن أداء الزكاة وبمعناه الشح إلا أن الشح يختص بالبخل الشديد كأن امتنع عن أداء الزكاة وأيضا امتنع عن أداء نفقة الزوجة. ومن معاصي القلب الحرص وهو شدة تعلق النفس لاحتواء المال وجمعه بحيث لا يراعي من أين يأتيه أمن حلال أم من حرام ويقصد بذلك التوصل به إلى الترفع على الناس والتفاخر وعدم بذله إلا في هوى النفس المحرم.

(296) تكلم عن الاستهانة بما عظم الله والتصغير لما عظم الله.

   الاستهانة بما عظم الله حرام والاستخفاف به كفر فمن استخف بالجنة مثلا فقد كفر أما إن لم يستخف لكنه لم ينزلها فى قلبه المنزلة التى أمر الشرع بها فهذا ليس كفرا لكنه حرام. ويكفر من جعل جهنم شيئا خفيفا كمن يقول غدا نتدفأ بنار جهنم.

   الشرح: الاستهانة بما عظم الله حرام وهى الإخلال بالتعظيم الواجب كمس المصحف بغير وضوء. أما التصغير أى التحقير لما عظم الله كالصلاة فهو كفر والعياذ بالله تعالى. وكذلك من الكفر تحقير القرءان كفعل الحلاج حين رءاه بعضهم يكتب شيئا فسأله عنه فقال هذا شىء أعارض به القرءان أي أعمل مثله والعياذ بالله تعالى. ومن تحقير القرءان أيضا ما يقوله بعض التجانية. بعضهم قال ما معناه “أنتم لماذا تتعبون وتشغلون أنفسكم بالقرءان، تحملون هذا الرغيف الثقيل؟ نحن مستغنون عن هذا بصلاة الفاتح” على زعمهم، هٰؤلاء يزعمون أن هناك صيغة صلاة على النبي ﷺ، إذا قالها الواحد يكون له ثواب أكثر مما لو قرأ القرءان بكثير! وهذا كفر والعياذ بالله. فمثل هذا استخفاف بكتاب الله، وهو كفر صريح، نعوذ بالله من ذلك.

   وكذلك من الكفر تحقير علم الدين كقول سيد قطب بأن تعلم الفقه مضيعة للعمر والأجر والعياذ بالله تعالى أو تحقير الجنة كقول بعضهم الجنة لعبة الصبيان والعياذ بالله تعالى أو تحقير عذاب النار كقول بعضهم جهنم مستشفى لا محل تعذيب، وهذا كفر والعياذ بالله.

   واعلم رحمك الله أنه لا يجوز أن يقال عن معصية من المعاصي كبيرة أو صغيرة (معليش) وهي في اللغة العامية معناها لا بأس بذلك فمن قال عن معصية وهو يعلم أنها معصية (معليش) بمعنى لا بأس فهو مكذب للدين فيكون مرتدا.

والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين

لمشاهدة الدرس: https://youtu.be/OhhLH4cvgyc?si=pCVAzxBdqcwuLYhh

 

للاستماع إلى الدرس: https://soundcloud.com/shaykh-gilles-sadek/bahja-14

 

الموقع الرسمي للشيخ جيل صادق: https://shaykhgillessadek.com