الأربعاء يناير 28, 2026

سيدنا محمد أفضل الأنبياء وأمته خير الأمم
وشريعته أسهل الشرائع

درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى في الرابع من شوال سنة ثلاث وأربعمائة وألف من الهجرة الشريفة الموافق للخامس عشر من نيسان سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة وألف رومية وهو في بيان أن سيدنا محمدا أفضل الأنبياء وأمته خير الأمم وشريعته أسهل الشرائع. قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:

الحمد لله رب العالمين وصلوات الله  البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى ءاله الطيبين الطاهرين وصل اللهم وسلم على سائر إخوانه من النبيين كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وعلى ءاله الطاهرين.

أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى أرسل نبينا محمدا ﷺ ءاخر الأنبياء وقد أراد تبارك وتعالى أن يكون هو صفوة خلقه فإن من قبله من الأنبياء مقدمة لإظهار صفوته. الدليل على ذلك أن الله أخذ العهد والميثاق على ءادم ومن بعده من النبيين أنه إن ظهر محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه([1]) وجعل شريعته ﷺ أيسر الشرائع وذلك لأن من قبله من الأنبياء لا تصح صلاتهم إلا في موضع معين مخصوص للصلاة إن بعد المكان أو قرب من منازلهم وفي ذلك مشقة كبيرة وأما سيدنا محمد ﷺ فقد جعل له ولأمته المكان الذي أدركتهم فيه الصلاة، أي: وقتها مسجدا لهم وفي ذلك يسر كبير. ثم إن بعض من قبلنا من الأنبياء كانت مقدار الزكاة ربع أموالهم وأما في هذه الشريعة فقد جعل الله زكاة أموالهم في النقود في الأثمان ربع العشر، أي: من مائتي درهم خمسة دراهم وجعل صيامهم، أي: صيام هذه الأمة فيما بين الفجر وغروب الشمس أما بعض الأمم الذين كانوا قبل هذه الأمة كانوا يواصلون الليل والنهار بلا أكل ولا شرب، وأحل لهم الغنائم ولم يحل الله الغنائم لنبي من الأنبياء، كانوا إذا قاتلوا العدو الكفار فغلبوهم فما كان من أموال الكفار النقد وغيره إلا ذوي الأرواح، أي: البهائم يجمع في مكان فتنزل نار من السماء فتأكلها أما هذه الأمة فالله تعالى علم ضعفها فأحل لهم أن يأكلوها وحرم عليهم أن يحرقوها بالنار، وقد كان في بعض من مضى من الأمم، أي: أمم الأنبياء من فرض عليهم خمسون صلاة وأما بنو إسرائيل فرض عليهم صلاتان لكن هاتان الصلاتان لا بد أن يؤدوهما بالوضوء أما هذه الأمة فقد أحل لهم التيمم من فقد الماء يتيمم فيصلي والمريض الذي يضره الماء يتيمم فيصلي هذا بعض ما فضلهم الله به في الدنيا أما في الآخرة فإنهم يكونون يوم القيامة غرا محجلين، أي: تكون وجوههم وأيديهم وأرجلهم منورة قبل دخول الجنة فيميزون بها عن سائر الأمم وذلك من أثر الوضوء، الذي صلاته صحيحة بتمام شروطها من الطهارة وغير ذلك هذه علامة المؤمن من أمة محمد المسلمين من أمة محمد ﷺ.

ثم إن الله تبارك وتعالى فضل نبينا محمدا بأن جعله أكثر الأنبياء تبعا وذلك أن أمم الأنبياء، أي: كل من تبع الأنبياء يكونون يوم القيامة ثلث أهل الجنة قبل دخول الجنة يصفون مائة وعشرين صفا ثمانون صفا من هذه الأمة والأربعون صفا من سائر الأمم فينبغي أن يعلم هذا أي هذه الفضائل لنبينا محمد ﷺ التي خصه الله تعالى بها. وقد يظن كثير من الناس أن هذه الشريعة هي أشق الشرائع وهذا من الجهل بالحقيقة.

بنو إسرائيل هم ذرية يعقوب u ومن ذريته من الأنبياء يوسف u وموسى وهارون أخو موسى وداود وسليمان بن داود وعيسى ابن مريم لأن مريم من ذرية داود، يعقوب u كان له اسمان يعقوب وإسرائيل وكذلك المسيح عيسى له اسمان؛ أحدهما: المسيح، والآخر: عيسى عليه الصلاة والسلام سيدنا محمد ﷺ له اسمان شهيران؛ أحدهما: محمد، والآخر: أحمد وله أسماء غيرهما لكن هذين أشهر أسمائه.

وهناك أنبياء من بني إسرائيل من ذرية يعقوب ذكروا في القرءان أما عدد الأنبياء جملتهم فقد ورد في عددهم حديث صحيح الإسناد أن الرسول ﷺ قال: «أنتم متمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله»([2]).اهـ. هذا الحديث ظاهره أن عدد الأنبياء سبعون لكن يحتمل.اهـ. هذا الحديث ظاهره أن عدد الأنبياء سبعون لكن يحتمل أن يكون معناه: أن الأمم الكبيرة من أمم الأنبياء سبعون وما سوى هؤلاء السبعين أمم كانت قلة([3])؛ لأنه ورد في الحديث أن بعض الأنبياء يكون معه يوم القيامة مع بعضهم ثلاثة ومع بعضهم أربعة ومع بعضهم اثنان وبعض ليس معه أحد لأن كثيرا منهم قتلوا قتلتهم الكفار كذبوهم فقتلوهم. وهناك حديث ءاخر فيه أنهم أكثر من مائة ألف أن الأنبياء أكثر من مائة ألف بعضهم رسل وبعضهم أنبياء غير رسل، الرسل أفضل من الأنبياء غير الرسل؛ لأن الرسل كل أنزل عليه شرع جديد، أي: في بعض الأحكام أنزل عليه من الأحكام شيء لم ينزل على من قبله من الأنبياء.

الله تبارك وتعالى بحكمته أحل في شرائع بعض الأنبياء شيئا وحرمه على من بعد ذلك، النبي ءادم u أحل له أن يزوج بنيه من بناته، كانت حواء تلد توأمين أحدهما ذكر والأخرى أنثى فكان التوأم الذكر من هذا البطن يحل له أن يتزوج الأنثى من البطن الآخر هذا لحكمة التناسل حتى يبقى نسل البشر مستمرا ثم حرمه على من جاء بعد ءادم وهو ابنه شيث، شيث u كان مفردا من بين أولاد ءا دم نبأه الله بعد موت ءادم أنزل عليه خمسون كتابا وبعد وفاته نبئ إدريس، ويسمى أخنوخ اسم أعجمي ليس عربيا، ونوح كذلك اسمه لم يكن عربيا، العرب من بين الأنبياء هود وصالح وشعيب ومحمد هؤلاء عرب صلوات الله وسلامه عليهم وعلى ءالهم. معنى ءال الأنبياء من اتبعهم بالإسلام أما لفظ الأمة فلها معنيان من اتبع النبي وءامن به يسمى أمته ومن لم يتبعه من الذين أرسل إليهم ليتبعوه فكذبوه يسمون أمة الدعوة، أمة ذلك النبي من هم ملزمون باتباعه بهذا المعنى يقال للذين كذبوه أمته، الذين أرسل إليهم هذا النبي، والذين اتبعوه من الذين أرسل إليهم يقال لهم: أمة الإجابة أما الذين لم يتبعوه؛ بل كذبوه فيقال لهم: إنهم من أمة الدعوة؛ لأنه دعاهم إلى الإسلام فامتنعوا وأبوا يقال لهم: أمة الدعوة.

فمن الأنبياء الذين قتلوا قتلتهم كفار بني إسرائيل زكريا ويحيـى عليهما السلام، أما يحيـى u فقد روي في سبب قتله أنه كان في زمانه ملك يحب ابنة زوجته تعلق قلبه بها فأراد أن يتزوجها فمنعه يحيـى قال حرام، هذه البنت أمها كانت تعيش عيشة الملوك بسبب هذا الملك عملت مكيدة، فقالت: هذا كيف يحرم عليك اقتله وتزوج البنت فسمع كلامها من أجل هذه البنت قتل يحيـى، أتي برأسه محمولا إليه كان دمه لم يكن يجمد، الدم يجمد بسرعة فسلط الله عليه ملكا قاهرا جاءهم فقتل ذلك الملك، وتلك المرأة كانت لبست ثوبا جميلا أحمر فسلط الله عليها الحدأة ظنت هذا الثوب الأحمر لحما فنتفتها الحدأة، هذه الحدأة طير مثل الباز من عادته إذا رأى اللحم أو الشيء الأحمر ينقض عليه، فإن وجده لحما أخذه وإن لم يكن لحما يتركه، الله سلط على هذه المرأة أم البنت الحدأة، مزقتها هذه الحدأة.

وهكذا أنبياء كثيرون قتلهم الكفار وهم على الله كرماء؛ لأن الدنيا ليست دار جزاء أحباب الله، دار جزاء أحباب الله الآخرة، الدنيا مشقتها وعذابها لا شيء بالنسبة لعذاب الآخرة، هم هؤلاء الأنبياء مكرمون عند الله والذين قتلوهم المهانون، الأنبياء هم المنصورون من قتل منهم ومن لم يقتل فصار له أتباع وظهور وملك كسليمان u، سليمان حكم الدنيا كلها وسخر الله له الشياطين العفاريت الكبار يعملون له في البناء والغوص في البحور لإخراج الجواهر وهم كفار يطيعونه، الله تعالى ذللهم له يخافون إن خالفوه، أي: عصوا أمره أن يهلكهم في الحال، الأنبياء من كان منهم في الدنيا أتباعه ظاهرين أقوياء على الكفار أشداء عليهم ومن كان غير ذلك؛ بل قتلوا على أيدي الكفار كل منصورون؛ لأنهم في الحياة الدنيا معهم الحجة معهم الحق وأعداؤهم ليس معهم حق عصاة لخالقهم مسخوط عليهم من قبل الله ثم بعد الموت كل الأنبياء في نعيم عظيم في البرزخ وفي الآخرة إلى ما لا نهاية له أما الكفار مع ما يقاسونه في الدنيا من الأمراض والمصائب يكون القبر عليهم نارا، لا يجدون راحة عند موتهم إلى ما لا نهاية له فمن نظر إلى الحقيقة يعلم أن الأنبياء هم المنصورون وأن أعداء الله هم المغلوبون من كان معه الحق مرضيا عند الله فهو الغالب.

ثم هؤلاء بنو إسرائيل اليهود هم من ذرية يعقوب كانوا من أتباع موسى مؤمنين مسلمين ثم لما ظهر عيسى وأظهر المعجزات وقال لهم اتبعوني أنا رسول الله إليكم أتبع التوراة وأبشر بنبي يأتي بعدي اسمه أحمد وأحل لكم بعض ما حرم عليكم حسدوه لما رأوا بعض ما يطلع من يديه من العجائب من شفاء المرضى قالوا: إن ظهر إن اتبعناه نحن نكون من ءاحاد الناس بعد أن كنا رؤساء فكذبوه فأرادوا أن يقتلوه لكن ما مكنهم الله من قتله؛ بل رفعه إلى السماء وهو يقظان فمن قال قتل يكفر إن كان سمع بما جاء في القرءان أن عيسى ما قتلوه ولا صلبوه الكفار ولكن شبه لهم أما الذي لم يسمع فإن سمع بأنه قتل فصدق فلا يكفر.

والنصارى كذلك بعضهم من بني إسرائيل وبعضهم من غير بني إسرائيل، بعض قبائل العرب تنصروا كانوا في اليمن تنصروا، كذلك بعض العرب تهودوا فمن كان من ذرية إسرائيل يقال له: إسرائيلي لا يقال: له إسرائيل؛ بل يقال: إسرائيلي، أي: من ذرية يعقوب، الإسرائيلي، معناه: ينتسب إلى إسرائيل في كونه من ذريته أما إسرائيل بلا ياء فهو يعقوب u، وهذه البلاد كانوا عربا أيضا تنصروا؛ لأن الروم كانوا يحكمون هذه البلاد إلى أوروبة كانوا هم الحاكمين سورية ولبنان والأردن وفلسطين كانوا تحت حكم الروم الأوروبيين، أدخلوا فيهم النصرانية وهم عرب هؤلاء كان يقال لهم: الغساسنة وبنو تغلب لكن بما أن الأوروبيين كانوا يحكمون هذه البلاد كلها دخلوا في دينهم تنصروا ثم الصحابة دخلوا بالقوة هذه البلاد فنشروا الإسلام. انتهى.

والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم.

 

([1]) قال الله تعالى: {وإذ أخذ اللـه ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} [سورة ءال عمران: 81].

([2]) رواه الترمذي في سننه، باب: ومن سورة ءال عمران.

[3])) ممن ذكر هذا الاحتمال عبد الحق الدلهوي في شرحه على المصابيح. وقال عدد من الشراح المراد بالسبعين التكثير.