الأربعاء يناير 28, 2026

سورة القيامة

وهي مكية كلها بإجماعهم وهي أربعون ءاية

بسم الله الرحمن الرحيم

  • {لا أقسم}: اتفقوا على أن المعنى أقسم واختلفوا في لا فجعلها بعضهم زائدة كقوله تعالى {لئلا يعلم أهل الكتاب} (1) وجعلها بعضهم ردا على منكري البعث.
  • {بيوم القيامة}: والمعنى في ذلك تعظيم المقسم به وتفخيم شأنه وهو يوم القيامة والنفس.
  • {ولا أقسم بالنفس اللوامة}: الجمهور على أنه قسم ءاخر. وعن الحسن: “أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة فهي صفة ذم، وعلى القسم صفة مدح أي النفس المتقية التي تلوم على التقصير في التقوى”.
  • {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه}: المراد بالإنسان هنا الكافر المنكر للبعث وقال ابن عباس رضي الله عنهما: “يريد أبا جهل”. وقال مقاتل: عدي بن ربيعة وذلك أنه قال أيجمع الله هذه العظام فقال النبي له: “نعم”. فاستهزأ منه فنزلت هذه الآية.
  • {بلى قادرين}: أي بلى نجمعها قادرين على جمعها وإعادتها بعد تفريقها ورجوعها رفاتا مختلطا بالتراب.
  • {على أن نسوي بنانه}: فيه قولان:

أحدهما: أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف البعير وحافر الحمار فيعدم الارتفاق بالأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة وهذا قول الجمهور.

والثاني: نقدر على أن نسوي بنانه كما كانت وإن صغرت عظامها ومن قدر

______________________

  • سورة الحديد/29.

على جمع العظام كان على جمع كبارها أقدر. قاله الزجاج.

  • {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه}: فيه قولان:

أحدهما: يكذب بما أمامه من البعث والحساب قاله ابن عباس.

والثاني: يقدم الذنب ويؤخر التوبة ويقول سوف أتوب. قاله سعيد بن جبير.

فعلى هذا يكون المراد بالإنسان: المسلم وعلى الأول: الكافر.

  • {يسئل أيان يوم القيامة}: أي متى هو تكذيبا به وهذا هو الكافر.
  • {فإذا برق البصر}: قال المفسرون: يشخص بصر الكافر يوم القيامة فلا يطرف لما يرى من العجائب التي كان يكذب بها في الدنيا وقيل تبرق أبصار الكفار عند رؤية جهنم.
  • {وخسف القمر}: قال أبو عبيدة: “كسف وخسف بمعنى واحد أي ذهب ضوؤه”.
  • {وجمع الشمس والقمر}: وفي معنى الآية أقوال منها: يجمعان ويقذفان في النار. وقيل: جمع بينهما بذهاب نورهما قاله الفراء والزجاج وإنما قال جمع لتذكير القمر هذا قول أبي عبيدة وقال الفراء لم يقل جمعت لأن المعنى جمع بينهما.
  • {يقول الإنسان}: يعني المكذوب بيوم القيامة.
  • {يومئذ أين المفر}: أي المهرب وهو موضع الفرار وقرأ الجمهور بفتح الميم والفاء وقرأ ابن عباس والحسن وعكرمة بكسر الفاء. قال الزجاج: “فمن فتح فالمعنى أي الفرار ومن كسر فالمعنى أين مكان الفرار”.
  • {كلا لا وزر}: لا ملجأ وأصل الوزر الجبل الذي يمتنع فيه.
  • {إلى ربك يومئذ المستقر}: أي المنتهى والمرجع.
  • {ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر}: فيها أقوال:

منها ينبأ بأول عمله وءاخره. قاله مجاهد. وقيل: بما قدم من الشر وأخر من الخير قاله عكرمة. وقيل: بما قدم من فرض وأخر من فرض قاله الضحاك. وقيل: بما قدم قبل موته من عمل صالح أو سيئ وما أخر بعد موته من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها قاله ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم.

  • {بل الإنسان على نفسه بصيرة}: قال الفراء: “المعنى بل على الإنسان من نفسه بصيرة أي رقباء يشهدون عليه بعمله وهي الجوارح”.
  • {ولو ألقى معاذيره}: يعني ولو اعتذر بكل عذر وجادل عن نفسه فإنه لا ينفعه لأنه قد شهد عليه شاهد من نفسه وقيل المعنى ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب ليخفي ما يعمل فإن نفسه شاهدة عليه وهذا في حق الكافر لأنه ينكر يوم القيامة فتشهد عليه جوارحه بما عمل في الدنيا.
  • {لا تحرك به لسانك لتعجل به}: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة وكان إذا نزل عليه الوحي يحرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي مخافة أن لا يحفظه فأنزل الله تعالى هذه الآية”. رواه البخاري وأحمد والترمذي. ومعناها لا تحرك بالقرءان لسانك لتعجل بأخذه.
  • {إن علينا جمعه وقرءانه}: قيل أي ضمه وجمعه في صدرك.
  • {فإذا قرأناه}: أي جمعناه.
  • {فاتبع قرءانه}: أي جمعه قال المفسرون يعني اقرأ إذا فرغ جبريل من قراءته قال ابن عباس: “فاتبع قرءانه أي اعمل به”. وقال قتادة: “فاتبع حلاله وحرامه”. وقال السلطان المنيع والإمام البليغ شيخ الإسلام والمسلمين وعمدة المفتين العبدري في هذه الآية: “فإذا قرأناه” أي قرأه جبريل بأمرنا “فاتبع قرءانه” أي قراءته”.
  • {ثم إن علينا بيانه}: أي أن نبينه بلسانك فتقرأه كما أقرأك جبريل وقيل إذا أشكل شئ من معانيه فنحن نبينه لك وعلينا بيان ما فيه من الأحكام والحلال والحرام وذلك أن النبي كان إذا أشكل عليه شئ سأل جبريل عن معانيه لغاية حرصه على العلم فقيل له نحن نبينه لك.
  • {كلا بل تحبون العاجلة* وتذرون الآخرة}: أي تختارون الدنيا على العقبى وتعملون لها يخاطب كفار مكة. وقرأ أبو عمرو بالياء وقرأ الباقون بالتاء فيهما.
  • {وجوه يؤمئذ ناضرة}: أي مشرقة بالنعيم وقيل حسنة وقيل ناعمة وقيل مضيئة مسفرة وهي وجوه المؤمنين.
  • {إلى ربها ناظرة}: قال ابن عباس رضي الله عنهما: “تنظر إلى ربها عيانا بلا حجاب”. قال علماء أهل السنة: رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا وأجمعوا على وقوعها في الآخرة وأن المؤمنين يرون الله سبحانه وتعالى دون الكافرين بدليل قوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}. وزعمت طوائف من أهل البدع كالمعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه وأن رؤيته مستحيلة عقلا وهذا الذي قالوا خطأ صريح وجهل قبيح وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى وقد رواها نحو من عشرين صحابيا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وءايات القرءان فيها مشهورة واعتراضات المبتدعة عليها لها أجوبة مشهورة في كتب المتكلمين من أهل السنة وكذا باقي شبههم وأجوبتها مشهورة مستفاضة في كتب الكلام ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله في خلقه ولا يشترط فيها اتصال الأشعة ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك من المعاني الحسية لأنهم يرونه بلا كيفية ولا جهة ولا ثبوت مسافة. وقال إمام الدنيا ومحدث الزمان العبدري شيخ الأعيان في كتاب الدليل القويم: “اعلم أن رؤية الله تعالى في الدنيا بالبصر لم تقع لأحد من خلقه وأما في الآخرة فواقعة باتفاق أهل الحق ولا يحيل العقل ذلك والمؤمنون يرون الله في الآخرة ولا يرونه في الدنيا وأما الكفار فمحرومون من رؤيته في الدنيا والآخرة”. وقال الإمام البيهقي في كتاب الاعتقاد والهداية: “ولا يجوز أن يكون الله سبحانه عنى بقوله “إلى ربها ناظرة” نظر التفكر والاعتبار لأن الآخرة ليست بدار استدلال واعتبار وإنما هي دار اضطرار ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار لأنه ليس في شئ من أمر الجنة انتظار لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير والآية خرجت مخرج البشارة فأهل الجنة ممكنون مما أرادوا وقادرون عليه وإذا خطر ببالهم شئ أتوا به مع خطوره ببالهم وإذا كان ذلك كذلك لم يجز أن يكون الله أراد بقوله {إلى ربها ناظرة} نظر الانتظار ولأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه”. وقال الأزهري: “من قال إن معنى قوله {إلى ربها ناظرة} بمعنى منتظرة فقد أخطأ لأن العرب لا تقول نظرت إلى شئ بمعنى انتظرته إنما تقول نظرت فلانا أي انتظرته فإذا قلت نظرت إليه لم يكن إلا بالعين”. وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في الفقه الأكبر: “والله تعالى يرى في الآخرة يراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ولا كمية ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة”. وقال أيضا: “ولقاء الله لأهل الجنة بلا جهة ولا تشبيه ولا كيف حق”. وقال الإمام أبو منصور الماتريدي في كتاب التوحيد: “إن رؤية الله في الآخرة واجبة سمعا بلا كيف فإن قيل كيف يرى قيل بلا كيف إذ الكيفية تكون لذي صورة. بل يرى بلا وصف قيام وقعود واتكاء وتعلق واتصال وانفصال ومقابلة ومدابرة وقصير وطويل ونور وساكن ومتحرك ومماس”، ثم قال: “ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك”.
  • {ووجوه يومئذ باسرة}: أي عابسة كالحة متغيرة مسودة قد أظلمت ألوانها وعدمت ءاثار النعمة والسرور منها لما أدركها من اليأس من رحمة الله تعالى وذلك حين يميز بين أهل الجنة والنار.
  • {تظن}: تستيقن والظن هنا بمعنى اليقين. وقال الفراء: “أي تعلم”.
  • {أن يفعل بها فاقرة}: أن يفعل بها أمر عظيم من العذاب. والفاقرة الداهية العظيمة والأمر الشديد الذي يكسر فقار الظهر ويقصمه. وقيل: الفاقرة دخول النار. وقيل: هي أن تحجب تلك الوجوه عن رؤية الله.
  • {كلا}: قال الزجاج: “ردع وتنبيه”. المعنى ارتدعوا عما يؤدي إلى العذاب”. وقال غيره: معنى كلا، لا يؤمن الكافر بهذا.
  • {إذا بلغت}: يعني النفس. وهذه كناية عن غير مذكور.
  • {التراقي}: جمع ترقوة وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق. ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشراف على الموت.
  • {وقيل من راق}: فيه قولان:

أحدهما: أنه قول الملائكة بعضهم لبعض من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب.

والثاني: أنه قول أهله هل من راق يرقيه بالرقى. ويقف حفص على {من} وقفة خفيفة.

  • {وظن}: أي أيقن الذي بلغت روحه التراقي.
  • {أنه الفراق}: للدنيا المحبوبة.
  • {والتفت الساق بالساق}: فيها أقوال أحدها: التفت ساقاه عند الموت. وقيل: التفت ساقاه في الكفن، وقيل: الشدة بالشدة. قال الزجاج: “ءاخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة”.
  • {إلى ربك يومئذ المساق}: أي إلى الله المنتهى.
  • {فلا صدق ولا صلى}: يعني أبا جهل لم يصدق بالقرءان ولم يصل لله تعالى.
  • {ولكن كذب وتولى}: أي كذب بالقرءان وتولى عن الإيمان والتصديق.
  • {ثم ذهب إلى أهله يتمطى}: أي رجع إليهم يتبختر ويختال.
  • {أولى لك فأولى}: هو تهديد ووعيد.
  • {ثم أولى لك فأولى}: قال الزجاج: “العرب تقول أولى لفلان إذا دعت عليه بالمكروه. ومعناه ويل لك مرة بعد مرة”. قال قتادة: “ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية أخذ بمجامع ثوب أبي جهل بالبطحاء وقال له: “أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى” فقال أبو جهل “أتتوعدني يا محمد والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا وإني لأعز من مشى بين جبليها” فلما كان يوم بدر صرعه الله شر صرعة وقتله أشد قتلة. وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن لكل أمة فرعونا وفرعون هذه الأمة أبو جهل”.
  • {أيحسب الإنسان أن يترك سدى}: أيحسب الكافر أن يترك مهملا لا يؤمر ولا ينهى ولا يكلف في الدنيا ولا يحاسب في الآخرة.
  • {ألم يك نطفة من مني يمنى}: أي يصب في الرحم. والمعنى كيف يليق بمن خلق من شئ قذر مستقذر أن يتكبر ويتمرد عن الطاعة. قرأ نافع والكسائي تمنى بالتاء. وقرأ حفص ويعقوب بالياء يمنى.
  • {ثم كان علقة}: أي صار المني قطعة دم جامد بعد أربعين يوما.
  • {فخلق فسوى}: أي خلق الله منه بشرا سويا.
  • {فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى}: أي جعل من الإنسان الصنفين الذكر والأنثى أي خلق من مائه أولادا ذكورا وإناثا.
  • {أليس ذلك}: الذي فعل ذلك.
  • {بقادر على أن يحيي الموتى}: أي بقادر على إعادته بعد الموت. وقرأ أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “يقدر”. قال ابن عباس رضي الله عنهما: “إذا قرأ أحدكم هذه الآية فليقل اللهم بلى”. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من قرأ منكم والتين والزيتون فانتهى إلى ءاخرها أليس الله بأحكم الحاكمين فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ومن قرأ لا أقسم بيوم القيامة فانتهى إلى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى فليقل بلى ومن قرأ والمرسلات فبلغ فبأي حديث بعده يؤمنون فليقل ءامنا بالله”. أخرجه أبو داود.