سؤال العبد يوم القيامة
قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى ءاله الطيبين الطاهرين.
أما بعد فقد قال رسول الله ﷺ «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه وعن جسده فيم أبلاه وعن ماله من أين أخذه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل به».
فى هذا الحديث الصحيح أن الإنسان يسأل يوم القيامة عن هذه الأشياء الأربعة
الأول عن عمره فيم أفناه لأن وجود الإنسان بإيجاد الله نعمة فيسأل العبد عن هذه النعمة، الله أنعم عليه بالوجود فيسأل عن هذه النعمة، يسأل فيما أفنيت عمرك، فإما أن يكون أفنى عمره فى طاعة الله وإما أفنى عمره فى معصية الله، هذا يعامل على ما يليق به وهذا يعامل على ما يليق به.
والأمر الثانى يسأل عن جسده فيم أبلاه أى ماذا عمل بجوارحه بيده ورجله وعينه وأذنه، هل استعمل هذه النعم فى طاعة الله أم فى معصية الله لأن العين واللسان واليد والأذن والرجل كل هذا من نعم الله، من استعمله فى طاعة الله ينال فى الآخرة أجرا جزيلا فى الآخرة، لهذا يسأل عن جسده فيما أبلاه.
والأمر الثالث المال، يسأل الإنسان من أين جمعت هذا المال إن كان أخذه من حلال وصرفه فى حلال من غير معصية الله، ليس عليه عقوبة بل إن صرفه فى طاعة الله فى نفقة أهله وفى الصدقات ونحو ذلك يكون هذا المال الذى جمعه من حلال وصرفه فى طاعة الله ذخرا كبيرا فى الآخرة، أما إن جمعه من حرام فالويل له ثم الويل، وأما إن جمعه من حرام وصرفه فى الصدقات فلا يقبله الله منه.
ليس كل ما يصل إليه يد الإنسان حلالا، حتى الشىء الذى تصل إليه يده من غير طريق السرقة والغصب منه ما هو محرم، المال له أحكام، القرءان الكريم ذكر المال الحلال والمال الحرام، فإذا جمع المال من حرام ثم صرف منه كثيرا فى بناء مسجد ونحو ذلك لا يقبل الله منه، الله لا يقبل من الصدقات وبناء المساجد ونحو ذلك إلا ما كان مال حلال.
ثم بعض الناس يجمعون المال من حرام يكون عندهم مال كثير ثم يموتون ويتركون هذا المال لأهليهم وأقاربهم، هذا الشخص ترك وبالا عليه، أهله ينتفعون به (إن علموا أنه من حرام لا يجوز لهم الانتفاع بهذا المال بل يردوه لأصحابه) أما هو يؤاخذ عليه فى الآخرة لأنه مال حرام جمعه لهم من طريق حرام ثم تركه لهم وذهب إلى القبر.
الأمر الرابع هو تعلم علم الدين الحلال والحرام، تعلم ما هو فرض من طاعة الله وتعلم ما هو محرم فى شرع الله، فإن كان ما تعلمه طبقه وأدى الفرض، أدى ما فرض الله عليه وتجنب ما حرمه الله عليه كما تعلمه من علم الدين، هذا منزلته عالية فى الآخرة، أما إن لم يتبع علمه وتبع هواه أضاع بعض الواجبات أو ارتكب بعض الذنوب الكبيرة فهو له ويل كبير فى الآخرة.
ثم إن هؤلاء الأربعة من ختم الله له بالإسلام فمات مؤمنا ومتجنبا للكفريات فمهما كثرت ذنوبه فهو تحت المشيئة إن شاء الله عاقبه بذنوبه وإن شاء عفا عنه، لذلك نحن إذا علمنا مسلما من أهل الكبائر مات لا نقول هذا من أهل النار لا يجوز.
الصدقة من مال حلال قد يغفر الله بها بعض الكبائر، لها نفع كبير مهما قلت، لها عند الله وزن كبير لذلك قال الرسول عليه السلام «سبق درهم مائة ألف درهم» قيل كيف ذلك يا رسول الله قال «رجل له درهمان (أى من الحلال) تصدق بأحدهما وأبقى الآخر لنفسه ورجل ءاخر تصدق بمائة ألف من عرض ماله» أى له مال كثير، من هذا المال الذى هو ملايين أعطى مائة ألف وترك لنفسه الكثير الكثير، هذا الذى تصدق بدرهم وترك لنفسه درهما ثوابه أعظم من ذلك الذى تصدق بمائة ألف لأن هذا غلب نفسه لأجل الآخرة، ما قال أنا ما عندى إلا درهمان كيف أخرج درهما منهما، ءاثر الآخرة وخالف نفسه ورغب فيما عند الله من الثواب، هذا ثوابه أفضل من ذلك الغنى، ليس شرطا أن يكون الشخص تصدق بالكثير بل العبرة أن يكون المال حلالا.
ثم لو تصدق بحبة تمر على إنسان جائع هذه التمرة الواحدة لها عند الله وزن كبير، قد يعتق الله المسلم من ذنوب كبيرة بصدقة قليلة إن كان المال حلالا وكانت النية تقربا لله ليست للرياء، ليس ليقال فلان كريم يبذل المال لله، إنما نيته التقرب إلى الله بلا رياء.
ثم إن الله تبارك وتعالى أخر أكثر جزاء الكفار والمسلمين العصاة إلى الآخرة، أكثر الكفار الذين طغوا وكفروا بالله وبأنبيائه أخر عذابهم إلى الآخرة وبعضهم انتقم منهم فى الدنيا، قوم نوح عليه السلام لما كذبوه وبقوا على عبادة الأوثان الخمسة تعب معهم، هو كان لا يمل من دعوتهم إلى الإسلام وهم يقابلونه بالسب والشتم وأحيانا يضربونه قضى وهو صابر على هذا تسعمائة وخمسين سنة ما ءامن به إلا نحو ثمانين شخصا الله أنزل عليه الوحى بأنه لا يؤمن منهم إلا القدر الذين ءامنوا فقطع الأمل منهم وصار يدع عليهم بعد أن قطع الأمل منهم فدعا عليهم بأن لا يترك الله منهم أحدا على الأرض، الله استجاب دعاءه كل أولئك حتى الأطفال الله أهلكهم لأن الله علم أن أطفالهم لو كبروا لا يؤمنون، الله أهلكهم بالغرق أمر الأرض فارتفع ماؤها أربعين ذراعا وأمر السماء فصارت تمطر قطرات كل قطرة كالجبل ليس كالعادة اجتمع ماء الأرض وماء السماء فغطى جبال الأرض كلها أما نوح ومن ءامن معه الله نجاهم وأهلك البقية حتى ابنه كنعان الذى أكله الغرق لأنه كفر. والحمد لله رب العالمين.