السبت فبراير 28, 2026
  • رِجـلٌ مِنْ جَراد

    الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيِّدنا محمَّد أشرف الخلق والمرسلين؛

    من المعروف لدى علماء اللغة العربية أن كلمة “رِجل” لا تقتصر على معنى العضو الذي يستخدمه الإنسان في المشي، بل قد تأتي كذلك على معنى الفَوْجِ والجَماعة.

    ففي لغة العرب يقال “رِجلٌ مِن جَراد”، أي فَوْجٌ مِنْ جَراد. وهذا المعنى موجود بكثرة في كلام العرب وشِعرهم.

    فها هو الشاعر أبو تمّام يصفُ حاله عندما وصله خبر ساءَهُ وسبَّبَ له الحَمَّ والحزن الشديد حتى كأن الشمس حجبها الكسوف أو سترها قطعة عظيمة من الجراد فقال: “كأنّ الشمسَ جلَّلَها كُسوفٌ أو استَترَت برِجلٍ منْ جَراد”.

    كما ذكر الأصمعيٌّ أنّ أحد فرسان العرب في الجاهلية واسمه أبو حنبل جارية بن مُرٍّ الطائيّ قد نزل بقرب بيته فوجٌ منَ الجراد، فجاء الناس لصيده، فسألهم أين تريدون؟ فقالوا نريد جارك، أي الجراد. فقال: أما إذ جعلتموه جارا فوالله لا تصلون إليه أبدا. ثم منعهم حتى انصرفوا. فافتخر به بعض أبناء قبيلته فقال: ومِنّا بنُ مُرٍّ أبو حنبل أجار من الناس رِجلَ الجَراد.

    بعد هذا البيان لا نستغرب من تفسير “الرِّجل” بمعنى “الفَوْج” في الحديث الذي رواه البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يُقالُ لجهنَّم هل امتلأتِ فتقول هل مِنْ مزيد فيَضَعُ الجبَّارُ رِجلَهُ فيها فيَنزَوي بعضُها إلى بعضٍ فتقول قَطٍ قَط” أي اكتَفَيْتُ اكتَفَيْت.

    فمعنى كلمة “رِجل” في الحديث “الجماعة” كما ذكر الإمام المفسر السيوطي في كتابه <<التوشيح على الجامع الصحيح>>. أي أنّ اللهَ تعالى يضعُ الفوجَ الأخيرَ من خلْقِه الذين هم حِصَّةُ جهنَّم.

    فليس معنى “الرِّجل” هنا أنّ اللهَ تعالى له رِجل بمعنى العُضو، فهذا تشبيهٌ صريح وضلالٌ مُبين وخروجٌ عن العقيدة الإسلامية التي من قواعدها أنّ اللهَ عزّ وجلّ لا يشبهُ شيئًا من مخلوقاتِهِ بأيّ وجهٍ من الوُجُوه.

    فهو القائل سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.

    فالحذر الحذر أحبابنا من مثل هذه التفسيرات الفاسدة والتي قد يقع به البعض بسبب تجرؤهم على تفسير النصوص الشرعية مع الجهل بقواعد الدِّين وباللغة العربية وبمعانيها.

    نسألُ اللهَ تعالى أنْ يُفقِّهنا في دِينِنا وأنْ ينفَعنا بما علَّمَنا إنَّه سميعٌ مجيبٌ والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.