الدرس السابع عشر
رؤية النبى ﷺ فى المنام وعند الموت
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله وسلم. وبعد فإن الله أرسل محمدا ﷺ بمكارم الأخلاق فكان ﷺ لا يسبق جهله حلمه أى أن الله جعل خلقه الحلم فكان يخالق الناس بخلق حسن. قال أنس بن مالك رضى الله عنه فى وصف رسول الله ﷺ كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا وأحسنهم خلقا اهـ وأما أبو هريرة رضى الله عنه فقد قال ما رأيت أحسن من رسول الله ﷺ كأن الشمس تجرى فى وجهه اهـ [رواه أحمد فى مسنده].
والذى يرى الرسول عليه الصلاة والسلام فى المنام فأكمل ما يكون أن يراه فى صفته الأصلية ومن رءاه بتلك الصفة الأصلية كان له الحظ الأوفر إذ إن من يراه على تلك الصفة ضمن له أن يموت على الإيمان وأن يراه يقظة، لا بد من ذلك فإما أن يراه فى حال الصحة وإما أن يراه عند الاحتضار أى عند خروجه من الدنيا يراه بالعين المفتوحة. وأما الذى يراه بغير صفته الأصلية فليس له تلك المزية الكاملة. فصفته الأصلية أنه ﷺ أبيض مشرب بالحمرة واسع العينين دقيق الحاجبين يكاد يكون أقرن من غير قرن والقرن هو اتصال الحاجب بالحاجب، أكحل العينين قال أبو هريرة رضى الله عنه كأن الشمس تجرى فى وجهه اهـ [رواه أحمد فى مسنده] وكان واسع الجبين شديد سواد شعر الرأس ولم يكن له من الشيب إلا نحو عشرين شعرة، كان متماسك البدن لا نحيفا ولا سمينا، كان شديد سواد الحدقة شديد بياض العينين إلا أنه كان فيه خطوط حمرة، وكان ربعة أى معتدلا إلى الطول، أجلى الجبهة أى ظاهرها لا يغطيها شعر رأسه، واسع الجبين شثن الكفين والقدمين أى أن كفيه لم تكونا نحيفتين ولم تكن قدماه نحيفتين بل غليظتين [أى أنهما إلى الغلظ وهو محمود فى الرجال غير مرغوب فى النساء]، بعيد ما بين المنكبين، كأنه أشم الأنف [أشم أى مرتفع قصبة الأنف مع استواء أعلاها وإشراف الأرنبة قليلا]، دقيق الأنف، مشرق اللون، أهدب الأشفار.
فمن رءاه ﷺ فى المنام بهذه الصفة فهو مضمون له أن ينال كل فضيلة تكون لمن رءاه ﷺ، وكذلك من رءاه يقظة ووجد فيه هذه الصفة وقال له عن نفسه أنا رسول الله يقظة فليصدق أنه هو أما مجرد أن يظهر له شبح فيظن بقلبه أن هذا رسول الله فلا يأخذ بذلك.
فمن رأى رسول الله ﷺ على صفته التى كان عليها فى المنام فلا خلاف فى أنه يصدق عليه الحديث الصحيح الذى قاله الرسول ﷺ من رءانى فى المنام فسيرانى فى اليقظة اهـ [رواه البخارى] فإما أن يراه وهو فى صحته العادية قبل الموت وإما أن يراه عند الموت قبل الآخرة، أما الذى رءاه فى غير صورته التى كان عليها فى المنام فكثير من العلماء قالوا لا فرق بين أن يراه فى المنام على صورته التى كان عليها وغير صفته تلك وقال بعض من العلماء إن ذلك لا يكون رؤية لرسول الله ﷺ لأنه لم يره على صورته الحقيقية التى كان هو خلق عليها، فالأقرب فى تفسير قوله ﷺ فإن الشيطان لا يتزيا بصورتى اهـ [رواه البخارى] أن الشيطان لا يستطيع أن يظهر بصورة رسول الله ﷺ الحقيقية التى كان عليها.
أما رؤية رسول الله ﷺ الآن فى الدنيا يقظة ليس شيئا مستحيلا، حصل ذلك لبعض الأولياء، فنحن لا ننكر على إنسان صالح متمسك بالشرع ليس من أهل البدعة والدجل إذا قال رأيت رسول الله ﷺ يقظة إذ بعد أن صح عن رسول الله ﷺ أنه قال الأنبياء أحياء فى قبورهم يصلون اهـ [رواه البزار فى مسنده] لا معنى لإنكار من ينكر رؤية رسول الله ﷺ يقظة إذا كان مدعى هذه الرؤية تقيا صالحا لأن الرسول ﷺ بعدما مات موتا حقيقيا أحياه الله تعالى فهو وكل الأنبياء الذين ماتوا أحياء فى قبورهم يصلون، لكن حياتهم هذه ليست كحياتهم الدنيوية إذ حياتهم البرزخية لا تتطلب أكلا ولا شربا إنما هى كحياة الملائكة لا يشتهون أكلا ولا شربا إنما يصلون تلذذا بعبادة الله.
أما من عرف بعدم الاستقامة بطاعة الله فلا نصدقه إن قال إنه رأى رسول الله ﷺ بعد وفاته يقظة. بعض الناس كذبوا على الرسول ﷺ فذهبوا إلى أشخاص وقالوا لهم الرسول يأمرك أن تزوجنى بنتك، كذبوا لتنفيذ مطامعهم الدنيوية. قال عليه الصلاة والسلام إن كذبا على ليس ككذب على أحد اهـ [رواه البخارى].
ورؤية الرسول ﷺ فى المنام تجوز للمسلم التقى والمسلم الفاسق وتجوز لمن هو كافر فى الوقت الحاضر لكن لا بد لهذا أن يسلم قبل أن يموت إن رءاه ﷺ فى المنام وأن يرى النبى ﷺ قبل مفارقة روحه جسده فى حال النزاع، وهذا الذى يرى الرسول ﷺ تلك الساعة يجد من السرور ما لا يوصف وإن كان من سكرة الموت مغلوبا لا يستطيع أن يصف للناس ما يجد، ومن الناس من يمكنهم الله تعالى أن يتكلموا تلك الساعة.
لا مانع أن يرى رسول الله ﷺ فى قبره الشريف فيزداد يقينا وسرورا وطمأنينة قلب بعد أن يبشره الرسول ﷺ بالجنة. هذا ليس بعزيز على الله تعالى.
وإن لم يكن وليا رءاه على فراش الموت وإن كان وليا فقد يراه قبل ذلك لكن أولياء الله تعالى يكتمون ما يحصل لهم من الكرامات ولا يظهرونها إلا لمصلحة شرعية أو لضرورة فهذا عمر رضى الله عنه لما نادى قائد الجيش الذى بعثه إلى أرض العجم للجهاد فى سبيل الله وكان عمر على المنبر فى المدينة يوم الجمعة رأى حال جيشه الذى فى نهاوند بأرض العجم بحالة لو انحاز العدو إلى الجبل وارتكز على الجبل يضر المسلمين فناداه يا سارية الجبل الجبل، الناس اندهشوا فقالوا ما لعمر يتكلم بهذا الكلام وسارية بالعجم ثم راجعوه بعدما نزل وانتهى من الصلاة، سألوه يا أمير المؤمنين سمعناك تقول يا سارية الجبل الجبل فقال ذلك شىء وقع فى قلبى ثم بعد ذلك رجع الجيش من هناك فأخبر قائد الجيش وغيره بأنهم سمعوا صوت عمر فى يوم كذا فانحازوا إلى الجبل فتمكنوا وهزموا العدو وكسروهم اهـ [ذكرها السخاوى فى المقاصد الحسنة عن ابن مردويه وغيره] فعمر لم يبح بذلك ولم يقل يا أيها الناس إنى رأيت حال الجيش وأنا على منبر رسول الله ﷺ فهكذا أولياء الله يخفون كراماتهم ولا يظهرونها إلا من أجل سبب شرعى.