توفي وقد بلغ ثلاثا وستين، وقيل غير ذلك، يوم الاثنين حين اشتد الضحى لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ومرض أربعة عشر يوما، ودفن ليلة الأربعاء.
ولما حضره الموت كان عنده قدح فيه ماء، فجعل يدخل يده فيه ويمسح وجهه ويقول: «اللهم أعني على سكرات الموت»([1])، وسجي ببرد حبرة، وقيل: إن الملائكة سجته.
وكذب بعض أصحابه بموته، دهشة، حكي عن عمر، وأخرس عثمان، وأقعد علي، ولم يكن فيهم أثبت من العباس وأبي بكر.
ثم إن الناس سمعوا من باب الحجرة: «لا تغسلوه؛ فإنه طاهر مطهر»، ثم سمعوا بعد ذلك: «اغسلوه، فإن ذلك إبليس، وأنا الخضر»، وعزاهم، فقال: «إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب».
واختلفوا في غسله: هل يكون في ثيابه أو يجرد عنها؟ فوضع الله عليهم النوم، فقال قائل لا يدرى من هو: «اغسلوه في ثيابه»، فانتبهوا([2]) وفعلوا ذلك.
والذين ولوا غسله [صلى الله عليه وسلم]: علي، والعباس، وولداه([3]): الفضل وقثم، وأسامة وشقران مولياه. وحضرهم أوس بن خولي من الأنصار. ونفضه علي فلم يخرج منه شيء، فقال: «صلى الله عليك، لقد طبت حيا وميتا».
وكفن [صلى الله عليه وسلم] في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة، بل لفائف من غير خياطة.
وصلى عليه المسلمون أفرادا لم يؤمهم أحد.
وفرش تحته في القبر قطيفة حمراء كان يتغطى بها، نزل بها شقران.
وحفر له [صلى الله عليه وسلم] ولحد([4]) وأطبق عليه تسع لبنات.
واختلفوا: أيلحد له([5]) أم يضرح([6])؟ وكان بالمدينة حفاران، أحدهما يلحد وهو أبو طلحة، والآخر يضرح([7]) وهو أبو عبيدة، فاتفقوا أن من جاء منهما أولا عمل عمله، فجاء الذي يلحد، فلحد له، وذلك في بيت عائشة [رضي الله عنها].
ودفن معه أبو بكر ثم([8]) عمر رضي الله عنهما.
وصلى الله عليه وعلى ءاله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين([9]).
([1]) وفي مخطوط نسخة مكتبة لمولوية بحلب المحفوظة في مكتبة الأسد الوطنية ذات الرقم (17899) زيادة هنا: «فقالت فاطمة رضي الله عنها: «وا كرباه لكربك يا أبت»، فقال عليه السلام: «لا كرب على أبيك بعد اليوم»» اهـ.
([2]) قال في «مختار الصحاح» (ص/304): «وانتبه من نومه: استيقظ» اهـ.
([3]) وأما في «أ»: «وولده» اهـ.
([4]) قال الزبيدي في «تاج العروس» (9/135): «(ولحد القبر، كمنع) يلحده لحدا، (وألحده) ولحد له (عمل له لحدا)، وكذلك لحد الـميت يلحده لحدا» اهـ.
([5]) زيادة «له» من «أ» و«ج» و«د» اهـ.
([6]) قال الجوهري في «الصحاح» (1/386): «والضريح: الشق في وسط القبر، واللحد في الجانب» اهـ.
([7]) قال في «مختار الصحاح» (ص/183): «وقد ضرح القبر من باب قطع أيضا إذا حفره» اهـ.
([8]) كذا في «أ» و«ب» و«د»، وأما في «ج»: «وعمر» اهـ.
([9]) وفي حاشية «أ»: «بلغ مقابلة. تمت السيرة الكريمة بحمد الله تعالى في غرة جمادة الآخرة سنة أربع وستين وسبعمائة» اهـ.