الخميس فبراير 19, 2026

ذكر كتاب ﷺ إلى ملك بني حنيفة

811- وأرسل السليط لليمامة
812- وأكرم الرسول إذ أنزله
813- وسال أن يجعل بعض الأمر

 

لهوذة ملك بني حنيفة
وقال ما أحسن ما يدعو له
له فلم يعط قضى في الكفر

 كتب رسول الله ﷺ (وأرسل) به (السليط) بن عمرو العامري (لليمامة) مدينة على يومين من الطائف وأربعة من مكة([1])، باعثا به ﷺ (لهوذة) بن علي (ملك) بإسكان اللام للوزن (بني حنيفة) بن لجيم بن صعب وكانوا من نصارى العرب، ويجوز في هوذة ضم الهاء وفتحها.

(و)لما قدم سليط على هوذة بكتاب النبي ﷺ مختوما (أكرم) هوذة (الرسول) أي رسول نبي الله سليطا (إذ أنزله) هوذة وحياه وقرأ كتاب رسول الله ﷺ إليه وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر([2])، فأسلم تسلم وأجعل لك ما تحت يديك».

وقال سليط لهوذة: إنك سودتك([3]) أعظم حائلة([4])، وأرواح في النار([5])، وإنما السيد من متع بالإيمان ثم تزود بالتقوى، وإن قوما سعدوا برأيك فلا تشقين به، وأنا ءامرك بخير مأمور به وأنهاك عن شر منهي عنه، ءامرك بعبادة الله وأنهاك عن عبادة الشيطان، فإن في عبادة الله الجنة وفي عبادة الشيطان النار، فإن قبلت نلت ما رجوت وأمنت ما خفت، وإن أبيت فبيننا وبينك كشف الغطاء وهول الـمطلع([6])، فقال هوذة: يا سليط سودني من لو سودك تشرفت به، وقد كان لي رأي أختبر به الأمور ففقدته، فاجعل لي فسحة يرجع إلي رأيي فأجيبك به إن شاء الله.

(و)كان هوذة لما قرأ كتاب النبي ﷺ إليه كتب إلى النبي كتابا، ومما (قالـ)ـه فيه أن (ما أحسن ما يدعو له) رسول الله، وأن هوذة شاعر قومه وخطيبهم، وأن العرب تهاب مكانه، (و)لم يسلم هوذة بل (سال) بإبدال الهمزة مد تخفيفا أي وسأل هوذة رسول الله ﷺ فيما كتب إليه (أن يجعل) أي يسند (بعض الأمر) أي من النبوة أو الخلافة (له) أي لهوذة من بعده ﷺ([7])، ولم يطلع هوذة سليطا على ما كتب.

ثم أجاز هوذة سليطا بجائزة وكساه أثوابا من نسج هجر حتى انصرف وقدم بالكتاب على النبي ﷺ وأخبره، فلما قرئ الكتاب على النبي ﷺ قال: «لو سألني سيابة([8]) من الأرض ما فعلت، باد([9]) وباد ما في يديه»، (فلم يعط) هوذة شيئا، ولا شك أنه لا نبي يبعث بعد محمد ﷺ، فقد ختم الله عز وجل بمحمد النبيين.

ولما انصرف رسول الله ﷺ من الفتح جاءه جبريل عليه السلام فأخبره بأن هوذة قد (قضى) أي مات (في الكفر) على نصرانيته، فقال ﷺ: «أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ يقتل بعدي»، فقا قائل: يا رسول الله من يقتله؟ فقال له رسول الله ﷺ: «أنت وأصحابك»، فكان كذلك.

([1]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (3/237).

([2]) أي: إلى حيث يبلغ الإبل والخيل من الأرض، والمراد إلى أقاصي المعمورة.

([3]) أي: اختارك سيدا على الناس.

([4]) أي: بالية.

([5]) يعني: كسرى لأنه كان هو الذي توجه.

([6]) أي: الحرب.

([7]) شرح الـمواهب اللدنية، شهاب الدين الزرقاني، (5/44).

([8]) بفتح السين وتخفيف الياء أي قطعة.

([9]) أي: هلك هو.