836- ………………………
|
| والابن حزم عمرو الرضي
|
(و)كذلك أرسل رسول الله ﷺ كتابا (لـ)ـالصحابي الجليل (ابن حزم عمرو) ابن زيد الخزرجي الـمكني بأبي الضحاك (الرضي) أي الـمرضي عند رسول الله ﷺ، فقد استعمله النبي ﷺ وهو ابن سبع عشرة سنة على بلحارث بن كعب بنجران ليفقههم في الدين ويعلمهم القرءان ويأخذ صدقاتهم، وذلك سنة عشر بعد أن بعث إليهم النبي ﷺ خالد بن الوليد فأسلموا، وقد سبق خبر بعث خالد في البعوث السرايا قبل هذا الباب.
ونص كتاب ﷺ إلى عمرو: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا بيان من الله ورسوله {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1]، عهد من محمد رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن([1])، أمره بتقوى الله في أمره فإن الله مع الذين اتقوا([2]) والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره، وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم، ويعلم الناس القرءان ويفقههم فيه، وينهى الناس([3])، ولا يمس أحد القرءن إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم، ويلين لهم([4]) في الحق، ويشد عليهم في الظلم، فإن الله عز وجل كره الظلم ونهى عنه وقال: {ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: 18]، ويبشر الناس بالجنة وبعملها([5])، وينذر الناس النار وعملها، ويستألف([6]) الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج([7]) وسننه وفرائضه وما أمر الله به، والحج الأكبر والحج الأصغر، فالحج الأصغر العمرة، وينهى الناس أن يصلي الرجل في ثوب واحد صغير إلا أن يكون واسعا فيخالف بين طرفيه([8]) على عاتقيه([9])، وينهى الناس أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ويغضي إلى السماء بفرجه([10])، ولا يعقد شعر رأسه إذا عفا في قفاه([11])، وينهى الناس إذا كان بينهم هيج([12]) أن يدعوا إلى القبائل والعشائر([13])، وليكن دعاؤهم إلى الله([14]) عز وجل وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله([15]) عز وجل ودعا إلى العشائر والقبائل([16]) فليعطفوا فيه بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله عز وجل وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ([17]) الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم([18]) إلى الكعبين، وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمرهم الله، وأمروا
بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والخشوع([19])، وأن يغلس بالصبح([20])، ويهجر بالهاجرة([21]) حتى تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض([22])، والمغرب حين يقبل الليل، ولا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء([23])، والعشاء أول الليل([24])، وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها، والغسل عند الرواح([25]) إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمسا لله([26]) عز وجل، وما كتب على المؤمنين في الصدقة([27]) من العقار فيما سقى العين([28]) وفيما سقت السماء العشر، وما سقت القرب فنصف العشر، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي عشرين أربع، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع([29]) أو تبيعة جذع([30]) أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، فإنها فريضة الله عز وجل التي افترض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد([31]) فهو خير له، وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا([32]) من نفسه فدان دين الإسلام فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه
ما عليهم، ومن كان على نصرانية أو يهودية فإنه لا يفتن عنها([33]) وعلى كل حالم([34]) ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه من الثياب، فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله([35]) عز وجل وذمة رسوله الله ﷺ، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله وللمؤمنين جميعا([36])، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته».
تتمة: روى البيهقي هذا الحديث في «دلائل النبوة» و«السنن الكبرى»، لكنه عقب على جزء من الحديث وهو من قوله: «وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني» إلى قوله: «فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين» فقال([37]): «هذا منقطع وليس في الرواية الموصولة»، ثم أورد البيهقي عقب ذلك الرواية من طريق ءاخر وقال إنه منقطع، وأوردها من طريق ثالث أيضا وقال: «وهذه الرواية في رواتها من يجهل ولم يثبت بمثلها عند أهل العلم حديث، فالذي يوافق من ألفاظها وألفاظ ما قبلها رواية مسروق مقول به، والذي يزيد عليها وجب التوقف فيه». اهـ. ومع ذلك فإنا دفعنا ما في الجزء الـمنقطع من الإشكال في بعض العبارات، والله أعلم.
([1]) أي: إلى نجران من مخاليف اليمن.
([2]) أي: بالنصر والعون والتأييد، وهو عز وجل موجود أزلا وأبدا بلا كيف ولا مكان ولا جهة.
([3]) أي: عما لا يرضي الله ورسوله.
([5]) أي: العمل الـموصل إليها.
([9]) بأن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى ثم يعقدهما على صدره، قاله النووي في «شرح مسلم» (4/233).
([10]) هو أن يقعد على أليتيه ناصبا ساقيه محتويا عليهما بثوب أو نحوه أو بيده، ونهى عنه خشية أن يفضي إلى كشف العورة.
([11]) أي: كثر وطال لناحية قفاه.
([13]) أي: بحمية الجاهلية التي فيها نهي عن معروف وإعانة على منكر.
([16]) أي: إلى عادات الجاهليين المحرمة.
([19]) والخشوع ليس من شروط الصحة بل من شروط الكمال.
([20]) أي: يصليها في أول وقتها ليتمكن من طول القراءة.
([21]) أي: أن يبادر إلى فعل الظهر أول الوقت قبل اشتداد الحر.
([22]) أي: ما لم تغرب في مرأى أهل الأرض.
([23]) أي: لخروج وقت المغرب ودخول العشاء بكثرة النجوم في السماء.
([24]) أي: أول الوقت الـمظلم منه، وإلا فالليل يبدأ بغروب الشمس.
([25]) هو الذهاب بعد الزوال في وقت الهاجرة أي نصف النهار.
([26]) أي: يصرف فيما أمر الله به وهو صرفه للبيت الحرام.
([29]) ذكر البقر الذي بلغ سنة.
([30]) ما دخل من البقر في السنة الثانية، وقيل: في الثالثة.
([32]) أي: خالصا من النفاق الحقيقي.
([33]) «لا يفتن» أي لا يقاتل ما دام ملتزما بالعهد والشروط، وليس معنى «لا يفتن» أنه على الحق والصواب بل هو كافر بدليل قول الله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}، وقوله تعالى: {قل يا أيها الكافرون}، فالرسول ﷺ خاطبهم بهذا الخطاب وهو شديد عليهم جدا: {يا أيها الكافرون}، وبدليل ءايات ونصوص حديثية كثيرة جدا، فمعنى «لا يفتن» أي من كان من أهل الذمة بينه وبين الـمسلمين عهد فإن المسلمين لا يقاتلونه ما دام يبذل الجزية للمسلمين صاغرا، وليس في ذلك رضى بالكفر ولا إعانة عليه.
وأما ما ورد في بعض كتب السير من أن رسول الله ﷺ «عاهد يهود الـمدينة وأقرهم على دينهم» فمعنى أقرهم أنه ترك قتالهم إذا التزموا بالجزية ولم ينقضوا العهد ولم يخرجوا على الرسول ﷺ أو خليفته، وليس معنى أقرهم أنه رضي أو أذن أو أحب أو سمح لهم أن يكفروا لأن الرضى بالكفر كفر.
فالحذر الحذر من الزنادقة الذين يحملون نحو هذا الحديث على القول بأن الإسلام يكفل حرية الاعتقاد ويزعمون أن حرية اختيار دين غير الإسلام مصونة بنص القرءان، ألا لعنة الله على من افترى على دين الله، فلو كان الأمر كما يزعمون لما أرسل الله الأنبياء، وأين يذهبون بالحديث الـمتواتر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، ويقال لهم: لم خلق الله جهنم ولمن خلقت؟! ولو كان الأمر كما زعم هؤلاء الضالون فلم قاتل الأنبياء من كان على غير الإسلام؟! فالحذر الحذر من شياطين الإنس الذي يهلكون الناس بمثل هذه الفتاوى التي تناقض أصل الإسلام، والله حسيبهم.
([34]) أي: الجزية على كل حالم، والحالم هنا من بلغ الحلم وجرى عليه حكم الرجال، قاله في «النهاية» (1/434).
([35]) أي: ثبت له الأمان بمشيئة الله وحكمه.
([36]) ليس معنى ذلك أن الكافر إن دفع الجزية لا يكون عدوا لله، بل الكافر في كل حال عدو لله، والمعنى أن من منع ذلك يثبت عليهم ما يثبت على أعداء الله الحربيين من قتال الـمسلمين لهم.