804- ودحية أرسله لقيصرا
|
| وهو هرقل فعصى واستكبرا
|
كتب رسول الله ﷺ كتابا (و)أعطاه (دحية) بن خليفة الكلبي فـ(ـأرسله) به (لقيصرا) ملك الروم (وهو) من اسمه (هرقل) يدعوه إلى الإسلام، والتنوين في «دحية» و«هرقل» للضرورة والألف في «قيصرا» للإطلاق.
وأمر رسول الله ﷺ دحية أن يدفع الكتاب إلى عظيم بصرى الحارث بن أبي شمر الغساني ليدفعه إلى قيصر الروم هرقل، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر، فلما جاء قيصر كتاب رسول الله ﷺ قرأه وقال: التمسوا إلي ههنا أحدا من قومه لنسألهم عن محمد.
وكان أبو سفيان([1]) بالشام في رجال من قريش قدموا تجارا، فجاءهم رسول من قيصر فانطلق بهم إلى إيلياء([2]) فأدخلوا على قيصر وحوله عظماء الروم، فقال قيصر لترجمانه: سلهم أيهم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم إليه نسبا، قال: ما قرابة ما بينك وبينه؟ فقال: هو ابن عمي، قال قيصر: أدنوه مني، ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه: إني سائله عن الذي يزعم أنه نبي، فإن كذب فكذبوه، فقال أبو سفيان في نفسه: والله لولا الحياء يومئذ أن يأثر أصحابي عني الكذب لكذبته عنه حين سألني عنه ولكني استحييت أن يأثروا الكذب عني فصدقته عنه.
وجعل قيصر يسأل عن رسول الله ﷺ فقال لترجمانه: قل له: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ فقال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب: قال: فهل قال هذا القول أحد منكم قبله؟ قال: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه على الكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، قال: فهل من ءابائه من ملك؟ قال: لا، قال: فأشراف الناس يتبعونه أو ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم، قال: فيزيدون أو ينقصون؟ قال: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحدهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، قال: فهل يغدر؟ قال: لا، قال: فهل قاتلتموه وقاتلكم؟ قال: نعم، قال: فكيف كانت حربكم وحربه؟ قال: كانت دولا وسجالا، يدال علينا الـمرة وندال عليه الأخرى، قال: فماذا يأمركم به؟ قال: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عما كان يعبد ءاباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، فقال لترجمانه قل له: إني سألتك عن نسبه فيكم فزعمت أنه ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله فزعمت أن لا، فقلت: لو كان أحد منكم قال هذا القول قبله قلت رجل يأتم بقول قد قيل قبله، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن لا، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك: هل كان من ءابائه من ملك، فزعمت أن لا، فقلت لو كان من ءابائه ملك قلت يطلب ملك ءابائه، وسألتك: أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسالتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فزعمت أن لا، فكذلك الإيمان حين تخلط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، وسألتك هل يغدر فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون، وسألتك: هل قاتلتموه وقاتلكم، فزعمت أن قد فعل، وأن حربكم وحربه تكون دولا ويدال عليكم الـمرة وتدالون عليه الأخرى، وكذلك الرسل تبتلى وتكون لها العاقبة، وسألتك: بماذا يأمركم فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، ويناكم عما كان يعبد ءاباؤكم ويأمركم بالصلاة والصدقة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة.
فقال له قيصر: هذه صفة نبي قد كنت أعلم أنه خارج ولكن لم أظن أنه منكم، وإن يكن ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين، ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت([3]) لقيه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه.
ثم دعا قيصر بكتاب رسول الله ﷺ وأمر به فقرئ، فإذا فيه([4]): «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام([5])، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين([6])، فإن توليت([7]) فإن عليك إثم الأريسيين([8])، و{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}[آل عمران:64]»، فلما أن قضى قيصر ذلك علت أصوات الذين حوله من عظماء الروم وكثر لغطهم وأمر بأبي وأصحابه فأخرجوا.
(فعصى) وأبى الدخول في الإسلام (واستكبرا) أي أدبر عن الحق وتعظم في نفسه إلا أنه أرسل مع دحية دنانير وكتابا لرسول الله ﷺ يقول فيه: إني معكم ولكني مغلوب على أمري، فلما بلغ رسول الله ﷺ الكتاب قال: «كذب عدو الله، ليس بمسلم وهو على النصرانية» وقسم الدنانير على الـمسلمين.
([2]) بكسر الهمزة واللام اسم مدينة بيت الـمقدس، قاله في «معجم البلدان» (1/239).
([4]) صحيح البخاري، أبو عبد الله البخاري، (1/8).
([6]) أي: يؤتى أجرين لإيمانه إن ءامن ولكونه سببا في إيمان من يتبعه على الإيمان.
([7]) أي: أعرضت عن الإسلام وأبيت الدخول فيه.
([8]) هم الفلاحون، وفي بعض الروايات: «فإن عليك إثم الأكارين» ومعناه: أن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون إلى الكفر بانقيادك إليه، فعليهم إثمهم وعليك إثمك وإثم فوق إثمك، ونبه بهؤلاء على جميع الرعايا لأن الزراعين كانوا هم الأغلب فيهم ولأنهم أسرع انقيادا فإذا أسلم أسلموا وإذا امتنع امتنعوا غالبا، وتقديم لفظ «عليك» على اسم «إن» مفيد للحصر أي مع أن عليهم إثم ضلالهم إلا أنه ليس إثم إضلالهم عليك، فقد اكتسبوا الإثم بضلالهم واكتسبت الإثم بكونك سببا لبقائهم على الضلال فوق إثم كفرك.