الخميس فبراير 19, 2026

ذكر كتابه ﷺ إلى الـمقوقس

806- وحاطبا أرسل للمقوقس
807- أهدى له مارية القبطيه
808- من ذهب وقدح ومن عسل

 

 

فقال خيرا ودنا لم يوئس
وأختها سيرين مع هديه
وطرف من مصر من بنها العسل

 

 (وحاطبا) ابن أبي بلتعة (أرسلـ)ـه رسول الله ﷺ بكتاب منه (للمقوقس) ملك الإسكندرية جريج بن مينا، والـمقوقس لقب كل أمير للإسكندرية، فدفع حاطب إليه كتاب رسول الله ﷺ، فأنزله الـمقوقس في منزله وأقامه عنده، ثم بعث إليه وقد جمع بطارقته فقال: إني سأكلمك بكلام وأحب أن تفهمه مني، أخبرني عن صاحبك أليس هو نبي؟ فقال حاطب: بلى هو رسول الله، قال: فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث خرجوه من بلده إلى غيرها؟ فقال: عيسى ابن مريم أليس تشهد أنه رسول الله، فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يغلبوه أن لا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله عز وجل حتى رفعه الله إليه([1]) في السماء.

وروي أن حاطبا قال للمقوقس: كان رجل قبلك([2]) يزعم أنه الرب الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى([3])، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر بك غيرك، فقال: هات، قال حاطب: إن ذلك دين لن تدعه إلا لما هو خير منه([4])، وهو الإسلام الكافي به الله فقد ما سواه([5])، إن هذا النبي ﷺ دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له يهود، وأقربهم منه([6]) النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد ﷺ([7])، وكل نبي أدرك قوما فهم من أمته فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدركه هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح([8])، ولكن نأمرك به([9])، (فقال) الـمقوقس في مدح النبي ﷺ (خيرا) وهو قوله: إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه([10]) ولا ينهى إلا عن مرغوب عنه([11])، ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه ءالة النبوة([12]) بإخراج الخبء([13]) والإخبار بالنجوى([14])، (ودنا) أي قرب من أن يسلم لكنه لم يفعل كما أنه (لم يؤئس) أي لم يقطع بأنه لن يسلم بل قال: سأنظر: لكن لا ينفعه ذلك ما دام على غير الإسلام، فالتردد في الدخول في الإسلام يزيد الكافر كفرا، والعزم على الدخول في الإسلام في الـمستقبل لا يخرج الكافر من دائرة الكفر إلا أن يدخل في الإسلام.

وقال الـمقوقس لحاطب هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد، فـ(ـأهدى له) أي للنبي ﷺ (مارية) بنت شمعون (القبطية) نسبة إلى القبط بكسر القاف – وهم نصارى مصر([15]) (وأختها سيرين مع هدية) أي هدايا كثيرة، منها ألف مثقال (من ذهب) وفرس وبغلة شهباء وحمار أشهب، (و)أرسل أيضا بـ(ـقدح) من قوارير وطيب (و)بشيء (من عسل و) بـ(ـطرف) جمع طرفة([16]) وهي ما يستملح من المال والـمتاع الجديد، فمن هذه الطرف عشرون ثوبا لينا وعمامة، كل ذلك (من) بلاد (مصر) لا من الإسكندرية خاصة، وكذلك (من) قرية (بنها)([17]) كان (العسل) الذي أهداه له لجودة عسلها، وروي أن رسول الله ﷺ دعا لعسل بنها بالبركة.

([1]) أي: إلى محل كرامته وهي السماء، والله تعالى موجود أزلا وأبدا بلا مكان ولا جهة، كان قبل خلق الـمكان بلا مكان، ولم يزل بعد خلق الـمكان بلا كيف ولا مكان.

([2]) يعني فرعون الوليد بن الـمصعب.

([3]) بأن أغرقه في الدنيا ويدخله النار في الآخرة.

([4]) أي: إن أسلمت فإنما تترك دين الباطل لدين الحق الإسلام، أما دين غير الإسلام فلا خير فيه ألبتة.

([5]) أي: كفى بالإسلام دينا، ومن اعطيه فكأنما لم يفقد شيئا.

([6]) أي: نصارى ذلك الوقت كانوا أقرب مودة للمسلمين وأقل إيذاء لهم من غيرهم من الكافرين.

([7]) أي: كل بشر بمن بعده بأنه يخرج نبي يدعو على عبادة الله وحده وأن لا يشرك به شيء.

([8]) أي: إن كنت تدعي تعظيم عيسى المسيح عليه السلام فإن دين عيسى هو الإسلام، والذي ندعوك إليه هو الإسلام، والذي ننهاك عنه هو غير دين الإسلام وهو الكفر.

([9]) أي: نأمرك باتباع دين الإسلام الذي كان عليه عيسى عليه السلام وكذلك عليه كل الأنبياء، قال الله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} [ءال عمران: 19]، وقال أيضا: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 85]

([10]) أي: لا يأمر بما تأنفه النفوس بل يأمر بما فيه خير للمرء.

([11]) أي: عند أولي الألباب.

([12]) أي: علامات تدل على صدق دعواه النبوة.

([13]) أي: الإخبار عن بعض الـمغيبات.

([14]) أي: الإخبار عما يتناجى به بعض الناس وهم يخفونه عنه.

([15]) شرح الـمواهب اللدنية، شهاب الدين الزرقاني، (3/160).

([16]) بإسكان الراء.

([17]) قال ياقوت في «معجم البلدان» (1/501): «بكسر أوله وسكون ثانيه مقصور من قرى مصر، يسمونها اليوم بنها بفتح أوله». وضبطت في نسخة الناظم التي بخطه بفتح الباء.