الخميس فبراير 19, 2026

ذكر كتابه ﷺ إلى أصحمة النجاشي

(أول من أرسله النبي) ﷺ موفدا (لملك) من ملك الأرض هو الصحابي الجليل (عمرو) ابن أمية و(هو الضمري) أرسله ﷺ (إلى) ملك الحبشة (النجاشي) بتشديد الياء وتخفيفها واسمه أصحمة بن أبجر، والنجاشي لقب ملك الحبشة كقيصر للروم، وأرسل ﷺ مع أمية كتابا في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه الذين هاجروا الهجرة الأولى إلى الحبشة رضي الله عنهم، وجاء في الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله([1]) الملك([2]) القدوس([3]) المؤمن([4]) المهيمن([5])، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله([6]) وكلمته ألقاها إلى مريم([7]) البتول([8]) الطيبة([9]) الحصينة([10])، فحملت بعيسى فخلقه من روحه([11]) ونفخته([12]) كما خلق ءادم بيده([13])، ونفخته([14])، وإني أدعوك إلى الله([15]) وحده لا شريك له، والموالاة على طاعاته، وأن تتبعني وتؤمن بي وبالذي جاءني فإني رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاؤوك فأقرهم([16])، ودع التجبر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله([17])، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى».

وكتب النجاشي إلى رسول الله ﷺ: «بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم بن أبجر، سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته، لا إلٰه إلا هو الذي هداني إلى الإسلام، فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقد قرينا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقا ممصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين وقد بعثت إليك يا نبي الله بأريحا بن الأصحم بن أبجر فإني لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن ءاتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق».

ودعا بحق من عاج وجعل فيه كتاب رسول الله ثم قال: لن تزال الحبشة بخير ما كان هذا الكتاب بين أظهرهم([18]).

(فلما قدما) بألف الإطلاق أي جاء عمرو الضمري إلى النجاشي وقرئ عليه كتاب رسول الله ﷺ وضعه على عينيه و(نزل عن فراشه) أي عرشه الذي يجلس عليه وقعد على الأرض (فأسلما) أي عقب ذلك (وأركب) رسول الله ﷺ (المهاجرين) من الـمسلمين (البحرا) أي أمرهم بالخروج (إليه) أي إلى النجاشي بأرض الحبشة فخرجوا إليه (في سفينتين) اجتازوا بهما بحر القلزم – المعروف اليوم بالبحر الأحمر – (طرا) أي جميعا رجالا ونساء وأولادا.

وكانت أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان وزوجها عبيد الله بن جحش مع الـمهاجرين إلى الحبشة، وولدت له هناك حبيبة وبها كانت تكنى، فتنصر عبيد الله هناك ومات عن أم حبيبة على النصرانية وبقيت أم حبيبة رضي الله عنها على الإسلام، فبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فـ(ـزوجه) أي ولي عقد نكاح رسول الله ﷺ على (رملة) بنت أبي سفيان (عمرو) الضمري و(قبله) أي وقبل (له) أي نكاحه ﷺ منها، (و)قد (مهرها) أي أصدقها (النجاشي) مهرها عن رسول الله ﷺ فـ(ـبذله) وكان أربعمائة دينار ذهبا، وقيل: مائتين([19])، وقيل: أربعة ءالاف درهم([20])، ثم بعثها النجاشي مع شرحبيل بن حسنة وجهزها من عنده.

([1]) أي: أحمد إليك نعمة الله بتحديثك بها، وقيل: أنهي حمده إليك.

([2]) أي: المالك لكل شيء.

([3]) أي: الـمنزه عن العيوب والنقائص في حقه.

([4]) أي: الذي يصدق عباده وعده ويفي بما ضمنه لهم.

([5]) أي: الشاهد على خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل أو اعتقاد.

([6]) أي: روح خلقه الله وشرفه وطهره وكرمه، فإضافة الروح إلى الله تعالى بلفظ «روح الله» إضافة تشريف لروح عيسى عليه السلام، أما الله تعالى فليس روحا ولا يشبه الروح ولا شيئا من الخلق.

([7]) أي: بشارته بإظهار عيسى ﷺ إلى الوجود أرسلها بواسطة الـملك إلى السيدة مريم رضي الله عنها.

([8]) أي: الـمنقطعة عن الزواج بالرجال لانشغالها بطاعة الله، أما تلقيب السيدة فاطمة رضي الله عنها بذلك فهو لارتفاعها على نساء زمانها دينا وفضلا وانفصال درجتها عن درجتهم.

([9]) أي: الطاهرة.

([10]) أي: العفيفة.

([11]) أي: الروح المشرفة عند الله، ينظر التعليق السابق.

([12]) أي: أمر الملك بنفخ روح عيسى في مريم، فنفخ الروح جبريل عليه السلام في فتحة قميص مريم عليها السلام ثم دخل الروح من فمها، قاله شيخنا الإمام الهرري.

([13]) أي: بعنايته، أي: أراد عز وجل لآدم المقام العالي والخير العظيم، فآدم ﷺ خلق مشرف مكرم، ولا يجوز حمل كلمة «بيده» على معنى العضو، ولو كانت للخالق أعضاء لكان مثلنا، ولو كان مثلنا لما استطاع أن يخلقنا، وذلك على الله تعالى محال، ومن وصف الله تعالى بوصف من أوصاف المخلوقات فقد كفر.

([14]) ينظر التعليق السابق.

([15]) أي: أدعوك إلى عبادة الله.

([16]) أي: ضيفهم.

([17]) أي: أدعوك إلى عبادة الله.

([18]) أي: ما دمتم على هديه.

([19]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (2/373).

([20]) دلائل النبوة، أبو بكر البيهقي، (3/460).