الأحد يناير 25, 2026

ذكر صفاته وصورته الخلقية الطاهرة

تتجلى عظمة الرسول الأعظم ﷺ في أن الله تبارك وتعالى كمل صورته وخلقته، وخلقه سبحانه وتعالى صورة بهية وأعطاه جمالا رائعا في وجهه الشريف لم يعطه سبحانه وتعالى أحدا غيره من إخوانه الأنبياء، فهو ﷺ أجمل الخلق قاطبة وهو أجمل الأنبياء صورة بما فيهم نبي الله يوسف عليه السلام، فلقد كان جمال وجهه عليه الصلاة والسلام ممزوجا ومقرونا بالهيبة العظيمة مما يدل على علو قدره ﷺ ومكانته وجاهه عند خالقه وبارئه على غيره من إخوانه الأنبياء والمرسلين، وفي هذا يقول الرسول الأعظم ﷺ: “ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت وإن نبيكم- يعني نفسه ﷺ– أحسنهم وجها وأحسنهم صوتا” رواه أحمد في مسنده.

وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ {والطور (1)} فكاد قلبي يطير- اي من حسن صوته ﷺ –وكان ذلك في بدء إسلام جبير.

وأما عن أوصافه ﷺالخلقية وصورته البهية التي وردت في كتب الحديث الشريف فهي كما يلي:

كان النبي الأعظم ﷺ مرفوع القامة، ربعة معتدلا إلى الطول لم يكن ﷺ من قصار الرجال ولا من الطوال، لكنه كان ﷺ معتدلا إلى الطول أقرب، وكان ﷺ بعيد ما بين المنكبين اي عريض ما أعلى الظهر والصدر وهو دليل النجابة (والمنكب هو مجمع العضد الكتف).

كان المصطفى عليه الصلاة والسلام مشرق الوجه، وجهه أبيض مشربا بحمرة (والإشراب خلط لون بلون كأن أحد اللونين سقي بالآخر)، يقول خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه في وصف النبي المصطفى ﷺ: كان أزهر اللون اي أبيض مشربا بحمرة، رواه البخاري. ويقول واصفه أبو هريرة رضي الله عنه: “ما رأيت شيئا أحسن من النبي ﷺ كأن الشمس تجري في وجهه” رواه أحمد والترمذي.

ومما قيل شعرا في وصف لون الرسول ﷺ وعظيم أخلاقه:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه

 

 

ثمال([1]) اليتامى عصمة للأرامل

 

كان المصطفى عليه الصلاة والسلام أشكل العينين، أي يخالط بياض عينيه خطوط حمر وهذا محمود ومطلوب، وكان ﷺ أدعج العينين اي عينيه واسعتين، مع كونه ﷺ شديد سواد الحدقة مع شدة بياضها.

وكان النبي المصطفى ﷺ دقيق الحاجبين لم يكن غليظهما، وكان حاجباه ﷺ متقاربين من غير اتصال وكان أهدب الأشفار اي كثير شعر الجفون.

وكان الحبيب المصطفى ﷺ واسع الجبين، أجلى الجبهة اي أن شعر رأسه غير متدل على جبهته، وكان ﷺ أفنى الأنف اي ليس في طرف أنفه نتوء عن أعلاه بحيث لا يكون جميلا.

وكان النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام سواء البطن والصدر، جهير الصوت، طويل الذراع، قوي المشي إذا مشى كأنما ينحط من صبب اي كأنه ينحدر من مكان عال، وكان من قوة مشيه ﷺ أنه كان يرفع رجليه من الأرض رفعا قويا مسرعا ولا يمشي ﷺ اختيالا وكان ﷺ يقارب خطاه.

وكان النبي المصطفى ﷺ يقبل ويدبر بكل جسمه اي بكل أجزاء بدنه إذا التفت، فكان ﷺ يسارق النظر ولا يلوي عنقه وإذا توجه إلى شيء توجه إليه بكليته ولا يخالف ببعض جسده بعضا.

وكان من شأنه عليه الصلاة والسلام أنه كان طيب الرائحة سواء تطيب أم لم يتطيب، وكان عرقه ﷺ الذي يرشح عن جسده الشريف كاللؤلؤ في البياض والصفاء، وكان ريحه ﷺ أطيب من المسك، فقد روى خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا مر في طريق من طرق المدينة وجد منه رائحة المسك فيقال: مر رسول الله ﷺ.

وورد أيضا أن الصحابي عقبة بن غزوان قد أصابه مرض الشرى في ظهره وهو ورم كالدرهم حكاك مزعج يحدث كربا وإزعاجا شديدا لصاحبه، فقال له النبي الأعظم ﷺ تجرد اي جرد ظهرك من ثوبك، فلما فعل وضع الرسول المصطفى ﷺ يده عليه فشفي من مرضه بإذن الله تعالى وعبق الطيب به بعد ذلك إلى آخر حياته، وكان هذا الطيب أحسن من طيب المسك والعنبر وغير ذلك من الأطياب.

يقول الصحابي الجليل البراء بن عازب رضي الله عنه في وصف النبي ﷺ: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا.

وروى البيهقي والطبراني عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: قلت للربيع بنت معوذ: صفي لي رسول الله ﷺ قالت: لو رأيته لقلت الشمس طالعة.

وكان الحبيب المصطفى ﷺ شديد سواد الشعر لم يظهره في شعره من الشيب إلا نحو عشرين شعرة بعضها في أول رأسه وبعضها في لحيته وما سوى ذلك بقي على لونه الأصلي.

وكان شعره عليه الصلاة والسلام ليس بالجعد القطط وليس بالسبط اي ليس بالشديد الجعودة ولا بالمنبسط المسترسل بل كان شعره ﷺ بين ذلك. (والقطط هو شديد الجعودة، والسبط هو المنبسط المسترسل).

وكان شعره عليه الصلاة والسلام قد تحلق حلقا حلقا، وكان أحيانا يضرب ويصل إلى أنصاف أذنيه وأحيانا إلى منكبيه الشريفين.

وكان النبي المصطفى ﷺ كث اللحية اي كثير شعرها غليظه.

وكان النبي ﷺ متماسك البدن لم يكن نحيلا ولا سمينا، وكان عليه الصلاة والسلام شثن الكفين والقدمين اي غليظهما من غير قصر ولا خشونة (والمراد غلظ العضو في الخلقة لا خشونة الجلد، وذلك يستلزم قوة في القبض والمشي).

سيدي يا رسول الله… يا بحر الجمال والكمال والعطاء يا محمد… يا سيد الرجال الممجد … يا نعم المؤيد…

وأجمل منك لم تر قط عين

 

وأكمل منك لم تلد النساء

خلقت مبرأ من كل غيب

 

كأنك قد خلقت كما تشاء

يا عشاق النبي الأعظم محمد… يا أعظم وأجمل وأحسن إنسان يا محمد

إني عشقت محمدا قرشيا

 

حبا يفوق محبتي أبويا

ماذا أحدث عن جمال محمد

 

أرني كمثل الهاشمي ذكيا

([1] ) ثمال اليتامى: أي ملجأ وغياث، والمطعم في الشدة.

 

دحض ما لحق بالشيخ محيي الدين بن عربي من شبهات وبراءته من عقيدة الحلول والاتحاد

إن مما ابتلينا به في هذا العصر اناسًا يروجون الاكاذيب الملفقة والاقاويل الفاسدة باسم الصوفية وهم في الحقيقة ما عرفوا من الصوفية الا الاسم بل هم بعيدون كل البعد عن التصوف كما نرى اناسًا اخرون يذمون الصوفية بالاطلاق ويعتبرون التصوف كفرًا وزندقة ليست الصوفية مذمومة على الاطلاق بل المذموم هو من ادعى التصوف ثم خالف الشريعة وترك العمل بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لانّه لا بد للصوفي ان يعمل بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا ليس كما يقول بعض مدعي التصوف عن الذين يشتغلون بالعلم انتم اهل الظاهر اما نحن اهل الباطن يقولونها على معنى الذم وهذا فساد لا يقبله الدين.

فالتصوف هو صفاء المعاملة مع الله والصدق بالقول والعمل والنية، واجتناب المحرم والتزام الواجب والاكثار من نوافل الطاعات وتعليق القلب بالاخرة والعطف على الفقراء والمساكين ومساعدة الارامل والمحتاجين وعدم تعلق القلب بالدنيا وزينتها مع التواضع والانكسار وغض البصر وحفظ الجوارح مع الحلم والتأدب بآداب الشريعة واتباع الرسول في كل صغيرة وكبيرة، والعمل بقول الله تعالى (قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).

الصوفية هم الذين صفّت نفوسهم وزكت اعمالهم فمن كان بهذه الصفة فهو من احباب الله تعالى، وقد كان اول الصوفية ابو بكر الصديق رضي الله عنه ثم اشباهه في سيرته التي هي صفاء المعاملة واتباع الرسول فمن اداى الواجبات واجتنب المحرمات واخلص لله في سره واحسن نيته فذلك هو الصوفي الذي تستنزّل الرحمت بذكره، ليس التصوف مجرد لبس الثياب الرثة وعدم الاكتراث الى صنوف الملذات بل لا بد من التقوى قبل كل ذلك، فكم من اناس يظهرون انفسهم بمظهر التصوف ثم نراهم يحرفون دين الله تعالى بل ومنهم من يعتقد الحلول والاتحاد اي على زعمهم ان الله حل فيهم وهذا كفر وضلال، فمثل هؤلاء هم من اساءوا الى التصوف حتى ظن بعض الناس ان الصوفية كلهم على هذا الاعتقاد.

ومن الكتب التي يجب التحذير منها كتاب ، كذا يجب التحذير من كتاب -فصوص الحكم- وبعض غيرها من مؤلفات الشيخ محيي الدين بن عربي رضي الله عنه.

واما الشيخ محيي الدين بن عربي رضي الله عنه فاعتقادنا فيه انه من العلماء الصالحين والصوفية الصادقين الزاهدين، ترجمه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان(2)، وذكر انه اعتد به حفاظ عصره كابن النجار.
واكثر ما في كتابيه المذكورين مما هو مدسوس عليه مما ليس من كلامه كلمات الوحدة المطلقة، ففي كتابه -الفتوحات المكية- ما يخالف ذلك فان فيها ذم عقيدة الوحدة المطلقة، وذم عقيدة الحلول، فمما فيه لابطال الوحدة المطلقة والحلول قوله في الفتوحات المكية (من قال بالحلول فدينُه معلول وما قال بالاتحاد الا اهل الالحاد). اهـ

فبعد هاتين العبارتين الصريحتين في ابطال عقيدة الوحدة المطلقة وعقيدة الحلول، لا يجوز ان يصدق على الشيخ محيي الدين ما في بعض المواضع الاخرى من هذا النوع.

ومعناه من اعتقد بالحلول او الاتحاد فهو كافر ملحد والعياذ بالله وكان من هؤلاء رجل اسمه الحلاج كان يدعي التصوف ثم يقول ما في الجبة الا الله وانا الله وقد بعث مرة برسالة الى احد مريديه يقول له فيها من الرحمن الرحيم الى فلان، والعياذ بالله من هذا الكفر.

فالتصوف بريء من مثل هذا الرجل الذي تفرس فيه الجنيد امام الصوفية العارفين حيث قال له: لقد فتحت في الاسلام ثغرة لا يسدها الا رأسك، تحققّت فراسة الجنيد بالحلاج الذي قتل على يد الخليفة المقتدر بالله فأراح الله المسلمين من فساده وشره، وقد قال سيدنا احمد الرفاعي الكبير عن الحلاج (لو كان على الحق ما قال انا الحق) وليعلم ايضا انه ليس من التصوف الاجتماع باسم الطريقة بدعوى الذكر كما يفعل بعض المنتسبين الى بعض الطرق ثم نراهم يحرفون اسم الله كأن يقولوا اللا بدل الله ثم يقولون بعد ذلك اه اه فذلك من الحرام الذي لا يرضى الله به لان فيه تحريفًا لاسم الله والله تعالى يقول (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في اسمائه).

ومما في الفتوحات المكية مما لا يصدق عليه ما نقله بعض اهل عصرنا وهو محمد الهاشمي التلمساني نزيل دمشق في رسالة الفها عن الفتوحات المكية:
كل كلام في العالم كلامه القول كله حسن فما وافق الغرض فهو احسن. اهـ وقد حضرت مجلس الشيخ الولي احمد الحارون الدمشقي رحمه الله وكان معروفا في بلده دمشق بالكشف فسألته ان الشيخ محمدا الهاشمي الف رسالة ذكر فيها نقلا عن كتاب الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية هذه العبارة المذكورة فقال الشيخ احمد: هذا الشيخ ما له حق في ان يذكر هذا، الفتوحات المكية فيها دس كثير. اهـ

وقد قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه لطائف المنن والاخلاق مما يؤيد ما ذكرنا ما نصه(3):
وقد نقل الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية اجماع المحققين على ان من شرط الكامل ان لا يكون عنده شطح عن ظاهر الشريعة ابدا بل يرى ان من الواجب عليه ان يحق الحق ويبطل الباطل، ويعمل على الخروج من خلاف العلماء ما امكن. انتهى

هذا لفظه بحروفه ومن تأمله وفهمه عرف ان جميع المواضع التي فيها شطح في كتبه مدسوسة عليه لا سيما كتاب -الفتوحات المكية- فانّه وضعه حال كماله بيقين، وقد فرغ منه قبيل موته بنحو ثلاث سنين، وبقرينة ما قاله في الفتوحات المكية في مواضع كثيرة من ان الشطح كله رعونة نفس لا يصدر قط من محقق، وبقرينة قوله ايضا في مواضع (من اراد ان لا يضل فلا يرم ميزان الشريعة من يده طرفة عين بل يستصحبها ليلا ونهارا عند كل قول وفعل واعتقاد). انتهى
انتهى كلام الشعراني.

ثم قال الشيخ الشعراني في لطائف المنن ما نصه (4):
وليحذر ايضا من مطالعة كتب الشيخ محي الدين بن عربي رضي الله تعالى عنه لعلو مراقيها، ولما فيها من الكلام المدسوس على الشيخ لا سيما الفصوص والفتوحات المكية، فقد اخبرني الشيخ ابو طاهر عن شيخه عن الشيخ بدر الدين بن جماعة انه كان يقول: جميع ما في كتب الشيخ محي الدين من الامور المخالفة لكلام العلماء فهو مدسوس عليه، وكذلك كان يقول الشيخ مجد الدين صاحب القاموس في اللغة.
قلت [الشعراني]: وقد اختصرت الفتوحات المكية وحذفت منها كل ما يخالف ظاهر الشريعة، فلما اخبرت بانهم دسوا في كتب الشيخ ما يوهم الحلول والاتحاد ورد عليّ الشيخ شمس الدين المدني بنسخة الفتوحات التي قابلها على خط الشيخ بقونية فلم اجد فيها شيئا من ذلك الذي حذفته ففرحت بذلك غاية الفرح، فالحمد لله على ذلك. انتهى كلام الشعراني

قال الشيخ ابو الهدى الصيادي ما نصه (5):
والكثير من هذه الفرقة قام قائمهم وقعد قاعدهم منهمكا بمطالعة كتب الشيخ محي الدين بن عربي طاب مرقده، ولا بدع فكتب الشيخ كثرت فيها الدسائس من قبل ذوي الزيغ والبهتان، وعصائب الشيطان، وهذا الذي يطيب القول به لمن يريد براءة الذمة من القطع بما لم يعلم والله تعالى قال (ولا تقف ما ليس لك به علم) الاسراء، وقد نسبوا اعني الدساسين للشيخ ما لا يصح لا عقلا ولا شرعا، ولا ينطبق على حكمة نظرية، ولا يوافق صحاح القواعد العرفانية. اهـ
ثم قال بعد كلام ما نصه (6):
والحق يقال: الذي عليه اهل الورع من علماء الدين انه لا يحكم على ابن عربي رحمه الله نفسه بشيء لاننا لسنا على يقين من صدور مثل هذه الكلمات منه، ولا من استمراره عليه الى وفاته، ولكنا نحكم على مثل هذا الكلام بأنه كفر. اهـ
وقال صاحب المعروضات المزبورة احد الفقهاء الحنفية المشهورين (تيقنا ان اليهود دسوا عليه في فصوص الحكم). اهـ

ـــــــــــــــــــ
1 الاجوبة المرضية، مخطوط (ق/172).
2 لسان الميزان (5/353).
3 لطائف المنن والاخلاق (ص/390).
4 لطائف المنن والاخلاق (ص/394)
5 مراحل السالكين (ص/61)
6 مراحل السالكين (ص/6999)