957- كان له سرير ٱهده له
|
| أسعد وهو ساج استعمله
|
أما السرير فـ(ـكان له) ﷺ (سرير) قد (أهداه له أسعد) بن زرارة (وهو) أي السرير له قوائم خشبها (ساج) ضرب عظيم من الشجر واحدتها ساجة وجمعها ساجات([1])، كان ينبت قديما بالهند ثم صار يستنبت في غيرها.
وقد (استعمله) أي استعمل أسعد السرير للنبي ﷺ، وهو سرير (موشح) أي محبوك (بالليف) الـمتخذ من سعف([2]) النخيل، وبيان ذلك أن السرير يصنع في الأصل مستطيلا أجوف الوسط ذا قوائم، ثم يرمل أي ينسج الوسط بحبال مفتولة من سعف تتداخل طولا وعرضا كتداخل السدى باللحمة، لكنه لم يكن ﷺ ينام عليه في جميع الأحيان بل ذلك في بعض أوقاته ﷺ، وكان رقاده ﷺ على الرمال أي الليف المنسوج من غير وطاء بينه وبينه، بل ربما وضع على الرمال كساء رقيق أحيانا، فكانت تؤثر خشونة الرمال في جنبه الشريف([3])، وكان تحت رأسه الشريف وسادة من جلد حشوها ليف([4]).
وروى ابن حبان في «صحيحه» عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لرسول الله ﷺ سرير مشبك بالبردي([5]) عليه كساء أسود قد حشوناه بالبردي، فدخل أبو بكر وعمر عليه فإذا النبي ﷺ نائم عليه، فلما رءاهما استوى جالسا فنظرا فإذا أثر السرير في جنب رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر وعمر وبكيا: يا رسول الله، ما يؤذيك خشونة ما نرى من سريرك وفراشك وهذا كسرى وقيصر على فرش الحرير والديباج؟ فقال ﷺ: «لا تقولا هذا، فإن فراش كسرى وقيصر في النار، وإن فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنة».
(ثم) إن رسول الله ﷺ حين توفي (وضعا عليه) أي على هذا السرير (لما مات) ﷺ (ثم رفعا) أي حمل (عليه أيضا بعده) ﷺ أبو بكر (الصديق) رضي الله عنه حين مات (كذاك) حمل عليه (أيضا) من بعد أبي بكر (عمر) بن الخطاب (الفاروق) حين ماتا، ثم كان الناس يحملون عليه موتاهم تبركا به([6]).
تتمة: ما روي في الآثار من أن بعض الخلفاء توارث بعض ما كان عند رسول الله ﷺ أو أنهم اشتروا عمامته أو رايته أو نحوه فهو محمول على أن الرسول ﷺ أعطى ذلك في حياته بعض الصحابة ثم حصل التوارث، أما ما كان في ملك الرسول ﷺ قبل وفاته فلا يكون إرثا لأحد بل هو لمصالح الـمسلمين ينتفعون به، وذلك لقوله ﷺ: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث([7])، ما تركناه صدقة» وبذلك احتج الشافعي رضي الله عنه لجعل سهم رسول الله ﷺ للمسلمين لا أنه لأهل البيت خاصة من باب وراثتهم رسول الله ﷺ، وقوله ﷺ: «ما تركناه صدقة» معناه يصرف في مصالح الـمسلمين([8]).
وفي قوله ﷺ: «إنا معاشر الأنبياء» دليل على أن ذلك ليس من خصائصه ﷺ دون بقية الأنبياء بل هو عام في الأنبياء عليهم السلام، أما قول نبي الله زكريا عليه السلام: {يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم:6] وقوله تعالى: {وورث سليمان داوود} [النمل:16] فالمراد ميراث العلم والنبوة والحكمة لا ميراث المال.
([1]) تاج العروس، محمد مرتضى الزبيدي، (6/49).
([3]) شرح الشفا، الملا علي القاري، (1/670).
([4]) دلائل النبوة، أبو بكر البيهقي، (1/337).
([5]) بفتح الباء وإسكان الراء، نبت شبه الليف. ينظر: شرح الشافية، الرضي الأسترباذي، (1/203).
([6]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (1/317).
([8]) الشافي في شرح مسند الشافعي، مجد الدين بن الأثير، (4/283).