(و)في العام السابع نزل تحريم نكاح (متعة النساء ثم حلت) بالتحريك للوزن، وكان تحليلها في العام الثامن (يوم) غزوة (حنين) واد قريب من الطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا([1])، وسيأتي الكلام على غزوتها، (ثم) بعد أن حلت ثانيا فإنه (قد حرمها) ﷺ بوحي من الله تعالى تحريما (مؤبدا) أي باقيا دائما (ليس لذلك) التحريم (انتها)ء بإباحة، بل تحريم نكاح الـمتعة باق إلى يوم القيامة.
وقد اختلف في وقت تحريم المتعة تحريما مؤبدا، فقيل كان ذلك يوم خيبر أو الفتح أو أوطاس([2]) أو تبوك أو عمرة القضاء أو حجة الوداع. قال الحافظ السيوطي([3]): «وأصحها من حيث الرواية خيبر والفتح، والثاني أصح إذ لا علة له» اهـ.
ونكاح الـمتعة هو النكاح مشروطا إلى أجل، وكان في الجاهلية يشارط الرجل المرأة على شيء معلوم وأيام معلومة، فإذا انقضت خلى سبيلها بغير عقد ولا طلاق.
وخلاصة مسألة نكاح الـمتعة أنه كان جائزا في أول الإسلام ثم ثبت بالأحاديث الصحيحة أنه نسخ وانعقد الإجماع على تحريمه تحريما مؤبدا، وتعلق البدعيون الـمخالفون في هذه المسألة بظاهر قوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} وفي قراءة ابن مسعود زيادة «إلى أجل» وهي قراءة شاذة اتفاقا لا يحتج بها قرءانا بعد ثبوت التحريم بالإجماع.
فإن قيل: ففي «صحيح مسلم» النهي عن الـمتعة يوم خيبر والنهي يوم فتح مكة، وهذا تعارض قادح في صحة الأحاديث.
قلنا: يصح أن ينهى النبي ﷺ عن نكاح الـمتعة في زمن ثم ينهى عنه في زمن ءاخر مرة أخرى توكيدا أو ليشتهر النهي ويسمعه من لم يكن سمعه أولا، فلما سمع بعض الرواة النهي في زمن وسمعه ءاخرون في زمن ءاخر نقل كل منهم ما سمعه وأضافه إلى زمن سماعه.
أما ما روي عن زفر في ذلك فليس فيه تحليل الـمتعة وإنما مذهبه أن من نكح نكاح متعة تأبد نكاحه بمعنى أن شرط الأجل لاغ ويصح النكاح نكاحا مؤبدا عنده.
وقال الحافظ النووي([4]): «قال القاضي عياض: واتفق العلماء على أن هذه الـمتعة كانت نكاحا إلى أجل لا ميراث فيها، وفراقها يحصل بانقضاء الأجل من غير طلاق، ووقع الإجماع بعد ذلك على تحريمها من جميع العلماء إلا الروافض، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول بإباحتها وروي عنه أنه رجع عنه. قال: وأجمعوا على أنه متى وقع نكاح المتعة الآن حكم ببطلانه سواء كان قبل الدخول أو بعده إلا ما سبق عن زفر».
قلت: وأما قول القاضي في شأن ابن عباس «وروي عنه أنه رجع عنه» فهو لفظ يشعر بأن رجوع ابن عباس ليس ثابتا، والصواب ما أخرجه البيهقي من طريق الزهري وأبو عوانة في «الـمستخرج» من طريق عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: «ما مات ابن عباس حتى رجع عن هذه الفتيا».
ولم يخالف في هذه سادة أهل البيت الكرام بل تبعوا فيها ما اتفقت عليه الأمة، فقال الحافظ العسقلاني في «الفتح»: «فقد صح عن علي أنها نسخت» ا.هـ
تنبيه: من نكح نكاحا ولم يشرط في العقد أن يطلق بعد أجل ولم يوقت العقد إنما كان هو في نيته أن يطلق فيما بعد فنكاحه صحيح، ولا يصح ما نسب إلى الأوزاعي رضي الله عنه خلاف ذلك. قال الحافظ النووي([5]): «قال القاضي عياض: وأجمعوا على أن من نكح نكاحا مطلقا ونيته أن لا يمكث معها إلا مدة نواها فنكاحه صحيح حلال وليس نكاح متعة. ولكن قال مالك: ليس هذا من أخلاق الناس([6])».
([1]) الروض الـمعطار في خبر الأقطار، أبو عبد الله الحميري، (ص202).
([2]) واد في ديار هوازن فيه كانت غزوة حنين. ينظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي، (1/281).
([3]) التوشيح شرح الجامع الصحيح، جلال الدين السيوطي، (7/3231).
([4]) الـمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، محيي الدين النووي، (9/181).
([5]) الـمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، محيي الدين النووي، (9/182).