الأربعاء فبراير 18, 2026

ذكر أحداث السنة السادسة للهجرة

288- في الست كانت عمرة الحديبيه
289- وفيه فرض الحج أو ما خلت
290- خلف وقيل كان قبل الهجرة
291- وفيـه قد سابق بين الخيل

 

 

وبيعة الرضوان تلك الزاكيه
أو في الثـمان أو ففي التاسعة
وجوبه حكاه في «النهايـة»
وءاية الظهار في ابن خولي

 

و(في الست) أي سنة ست من الهجرة (كانت عمرة الحديبيه) التي اعتمر فيها رسول الله ﷺ، وقد صده الـمشركون عن البيت الحرام فنحر البدن حيث صد بالحديبية وحلق هو وأصحابه رؤوسهم، ثم قضى نسكه ﷺ وأقام بمكة ثلاث ليال ثم سار حتى قدم المدينة، وسيأتي تفصيلها في باب الغزوات إن شاء الله تعالى لتضمنها ذكر الصلح.

(و)كان في سنة ست (بيعة الرضوان) قبل صلح الحديبية، وذلك أنه لما خرج المسلمون من المدينة المنورة متجهين إلى مكة المكرمة وهم يلبسون ملابس الإحرام ويحملون سلاح السفر حتى يظهروا لقريش أنهم لم يأتوا إلا للعمرة، وصلت أخبار خروجهم إلى قريش فاغتموا لذلك وأقسموا ألا يدخل عليهم الرسول ﷺ والمسلمون عنوة، فجهزوا جيشا لمواجهة المسلمين ومنعهم من دخول مكة المكرمة.

فلما بلغ النبي ﷺ ما أعدت قريش أرسل لهم عثمان بن عفان رضي الله عنه ليعلمهم بأنهم ما جاؤوا إلا عمارا للبيت ولم يأتوا للقتال. فاحتبس عثمان رضي الله عنه في قريش حتى ظن المسلمون أنه قتل، فتبايعوا على الـموت والقتال تحت الشجرة بيعة الرضوان. قال الله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} [الفتح: 18].

و(تلك) البيعة هي (الزاكيه) أي المباركة الـمرضية التي ذكرها الله تعالى في سورة الفتح كما مر ءانفا.

(وفيه) أي العام السادس أيضا كان (فرض الحج) على من استطاع إلى البيت سبيلا (أو) أنه فرض فيـ(ـما) أي السنة التي (خلت) أي الخامسة (أو) أن ذلك كان (في الثمان أو ففي) السنة (التاسعة) فهذه أربعة أقوال، وهو (خلف) مشهور عند الفقهاء وأهل السير في ذلك (و)زد عليها قولا خامسا فقد (قيل كان قبل الهجرة وجوبه) كذلك (حكاه) إمام الحرمين الجويني([1]) (في «النهاية») وقيل: كان وجوبه في العاشرة، فهذه ستة أقوال، والله أعلم بالصواب.

(وفيه) أي العام السادس أيضا (قد سابق) النبي ﷺ أعرابيا، وخبر ذلك أنه ﷺ كان له ناقة تسمى «العضباء» وهي التي كانت لا تسبق، فجاء أعرابي([2]) على قعود([3]) له فسبقها، فشق ذلك على المسلمين، ورأى رسول الله ﷺ ما في وجوههم قالوا: يا رسول الله سبقت العضباء، فقال رسول الله ﷺ: «حق على الله عز وجل([4]) أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه».

 

وفي هذا الحديث بيان جواز اتخاذ الإبل للركوب والـمسابقة عليها([5])، وفيه التزهيد في الدنيا للإشارة إلى أن كل شيء منها لا يرتفع إلا اتضع، وفيه الحث على التواضع، وفيه حسن خلق النبي ﷺ وتواضعه وعظمته في صدور أصحابه.

وفي العام السادس أيضا سابق الرسول ﷺ (بين الخيل) التي أضمرت([6]) من الحفياء([7]) إلى ثنية الوداع([8])، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق. قال سفيان: من الحفياء إلى الثنية خمسة أميال، وفي رواية ستة أو سبعة، ومن الثنية إلى مسجد بني زريق ميل أو نحوه([9]).

(و)في العام السادس نزلت (ءاية) أحكام (الظهار) في شأن أوس بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي وزوجته خولة بنت ثعلبة الأنصارية، وهذا هو الـمعتمد والذي عليه الأكثر، ولم نجد أحدا وافق الناظم في أنها نزلت (في) شأن أوس (بن خولي) فلعل ذلك مما أشكل على الناظم.

وكان الظهار في الجاهلية يوجب عندهم فرقة مؤبدة، وقد حصل في الإسلام أن كانت خولة عند أوس وكان شيخا كبيرا قد ضجر، قالت: فدخل علي يوما فراجعته في شيء فغضب وقال: أنت علي كظهر أمي، ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل علي فإذا هو يريدني على نفسي قالت: قلت: كلا والذي نفس خويلة بيده([10]) لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت: فواثبني، فامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته تحتي ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابا، ثم خرجت حتى جئت رسول الله ﷺ فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه([11])، فجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول الله ﷺ يقول: «يا خويلة، ابن عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه».

قالت: فوالله ما برحت حتى نزل القرءان، فتغشى رسول الله ﷺ ما كان يغشاه، ثم سري عنه فقال: «يا خويلة، قد أنزل الله جل وعلا([12]) فيك وفي صاحبك»، قالت: ثم قرأ علي {قد سمع الله قول التي تجادلك} أي تسألك وتراجعك {في زوجها} لتفهم الحكم لا على معنى أنها تناقشك وتعاند في قبول الحق {وتشتكي إلى الله} الآيات [المجادلة:1-4]. فقال رسول الله ﷺ: «مريه فليعتق رقبة»، قالت: يا رسول الله، ما عنده ما يعتق. قال: «فليصم شهرين متتابعين»، قالت: فقلت: والله يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: «فليطعم ستين مسكينا وسقا([13]) من تمر»، فقلت: والله يا رسول الله ما ذلك عنده، فقال رسول الله ﷺ: «فإنا سنعينه بعرق([14]) من تمر»، فقلت: وأنا يا رسول الله سأعينه بعرق ءاخر، فقال ﷺ: «أصبت وأحسنت، فاذهبي فتصدقي به عنه ثم استوصي بابن عمك خيرا» قالت: ففعلت.

([1]) نهاية الـمطلب في دراية المذهب، أبو الـمعالي الجويني، (4/126).

([2]) قال الحافظ العسقلاني: «ولم أقف على اسم هذا الأعرابي بعد التتبع الشديد» اهـ.

([3]) بفتح القاف أي إبل تركب.

([4]) أي: أمر قضاه الله.

([5]) أي: لا على الوجه الذي يفعله بعض السفهاء في عصرنا مقامرة، فالقمار من الكبائر، وصورته الـمجمع عليها أن يخرج العوض من الجانبين كأن يتفق اثنان على أن الذي يربح منهما في هذه اللعبة من الآخر يدفع له الآخر مبلغ كذا.

([6]) وهو أن يقلل علفها مدة وتدخل بيتا وتجلل فيه لتعرق ويجف عرقها فيخف لحمها وتقوى على الجري.

([7]) موضع قرب المدينة. ينظر: معجم ما استعجم، أبو عبيد البكري، (2/458).

([8]) هي ثنية مشرفة على المدينة يطؤها من يريد مكة، واختلف في تسميتها بذلك، فقيل: لأنها موضع وداع الـمسافرين من المدينة إلى مكة، وقيل: لأن النبي r ودع بها بعض من خلفه بالمدينة في ءاخر خرجاته، أو أنه اسم قديم سمي لتوديع الـمسافرين عنده. ينظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي، (2/86).

([9]) وفاء الوفا بأخبار دار الـمصطفى، أبو الحسن السمهودي، (4/61).

([10]) أي أحلف بالله الذي نفسي تحت مشيئته وتصرفه، والله منزه عن الجارحة والعضو.

([11]) أي: من أوس.

([12]) أي: علو مكنة لا علو مكان، والله تعالى منزه عن أن يكون في مكان وجهة.

([13]) أي: مدا.

([14]) بتحريك الراء وتسكينها والفتح أشهر، أي: مكتل عظيم.