292- في السبع خيبر وعمرة القضا
|
| وقـدمت أم حبيبة الرضا
|
و(في السبع) أي العام السابع من الهجرة كانت (خيبر) أي غزوتها، و«خيبر» ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، ونونت هنا للضرورة. وقد أقام رسول الله ﷺ بعد رجوعه من الحديبية ذا الحجة وبعض الـمحرم، ثم خرج في بقية منه غازيا إلى خيبر فنزل على أهلها ليلا، وسيأتي الكلام عليها في باب الغزوات إن شاء الله تعالى.
(و)في العام السابع من الهجرة كانت (عمرة القضا)ء ويقال لها: غزوة الأمن وعمرة القصاص. واختلف في سبب تسميتها عمرة القضاء، فذهب من يقول بقضاء العمرة إلى أن سبب تسميتها بذلك أنه ﷺ لما صد وأصحابه في الحديبية قضاها في العام القابل، وخالفهم أصحاب مالك واحتجوا لمذهبهم بأن هذه التسمية ليست من الرسول ﷺ ولا من أصحابه، وإنما هي من أهل السير، فليس فيها حجة ولم تسم عمرة القضاء من أجل ما ذكروه([1])، وذهبوا هم وغيرهم إلى أنها سميت بذلك من أجل أن النبي ﷺ قاضى عام الحديبية قريشا أي أمضى أمره عليهم([2]) وصالحهم لمدة من الزمان على أن يرجع إلى مكة في العام الـمقبل.
قال الحافظ النووي: «ولهذا سميت تلك السنة عام الـمقاضاة وعمرة القضية وعمرة القضاء، كله من هذا، وغلطوا من قال إنها سميت عمرة القضاء لقضاء العمرة التي صد عنها، لأنه لا يجب قضاء الـمصدود عنها إذا تحلل بالإحصار كما فعل النبي ﷺ وأصحابه في ذلك العام»([3]).
(و)في العام السابع للهجرة (قدمت أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب ابن أمية مع النبي ﷺ المدينة. ورملة أمها صفية بنت أبي العاص، كانت رضي الله عنها تحت عبيد الله بن جحش بن رئاب فتوفي بأرض الحبشة بعد أن ارتد، فتزوجها النبي ﷺ سنة سبع من الهجرة، وقد أصدقها النجاشي أصحمة عن النبي ﷺ مهرها أربعمائة دينار ولها يوم قدم بها النبي ﷺ المدينة بضع وثلاثون سنة فـ(ـبنى بها) ﷺ وهي (الرضا) أي الـمرضية عند النبي ﷺ. توفيت رضي الله عنها سنة أربع وأربعين في خلافة أخيها معاوية ودفنت بالبقيع.
(وبعدها) أي وبعد أم حبيبة (ميمونة) أي تزوجها النبي ﷺ في نفس العام، بنت الحارث بن حزن الهلالية وأمها هند بنت عوف بن زهير، قيل: كان اسمها برة فغيره لها النبي ﷺ. كانت رضي الله عنها تحت مسعود بن عمرو الثقفي في الجاهلية وفارقها، فتزوج بها أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس وتوفي عنها، فتزوجها النبي ﷺ، وهي رضي الله عنها خالة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وءاخر نساء النبي ﷺ تزوجا وموتا، وقيل: ماتت قبل عائشة رضي الله عنها. توفيت ميمونة رضي الله عنها سنة إحدى وستين في خلافة يزيد بن معاوية وعمرها يومئذ نحو ثمانين أو إحدى وثمانين سنة، فدفنت بسرف([4]) في القبة التي بنى بها فيها رسول الله ﷺ، وقيل ماتت بمكة ونقلت إليها.
و(كذاك فيها) أي في السنة السابعة (قبلها) أي قبل دخوله ﷺ بميمونة تزوج (صفية) وبنى بها، وصفية هي ابنة حيي بن أخطب من نسل هارون النبي ﷺ، وأمها برة بنت سموأل. كانت صفية تحت سلام بن مشكم ثم تزوجت بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، فسباها النبي ﷺ في خيبر وهي عروس وسنها نحو سبع عشرة سنة فأعتقها ثم تزوجها بعد مرجعه من خيبر. توفيت رضي الله عنها سنة اثنتين وخمسين من الهجرة في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وقيل: سنة خمسين، ودفنت بالبقيع.
(وفيه) أي في العام السابع أيضا كان (منع) أي تحريم أكل لحم (الحمر الأهلية) لا الوحشية، ونهى ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع. وتحريم أكل الحمر الأهلية مذهب العلماء كافة إلا طائفة يسيرة من السلف، ولعلهم لم يبلغهم الحديث، وكذلك عن مالك روايتان كراهته وتحريمه.
وصح في الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى قال: أصابتنا مجاعة يوم خيبر، ونحن مع النبي ﷺ، وقد أصاب القوم حمرا خارجا من المدينة، فنحرناها وإن قدورنا لتغلي، إذ نادى منادي النبي ﷺ أن: «اكفئوا القدور ولا تطعموا([5]) من لحوم الحمر شيئا» فأكفأناها»([6]).
وروينا بالسند إلى الإمام الشافعي رضي لله عنه في كتاب «الأم» قال: «في هذا الحديث دلالتان: إحداهما تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، والأخرى إباحة لحوم حمر الوحش لأنه لا صنف من الحمر إلا الأهلي والوحشي، فإذا قصد رسول الله ﷺ بالتحريم قصد الأهلي، ثم وصفه دل على أنه أخرج الوحشي من التحريم» إلى أن قال: «وخلق([7]) الحمر الأهلية يباين خلق الحمر الوحشية مباينة يعرفها أهل الخبرة بها. فلو توحش أهلي لم يحل أكله وكان على الأصل في التحريم، ولو استأهل وحشي لم يحرم أكله وكان على الأصل في التحليل»([8]).
([1]) شرح صحيح البخاري، أبو الحسن بن بطال، (4/468).
([2]) الـمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، محيي الدين النووي، (12/135).
([4]) موضع على ستة أميال من مكة، أو سبعة أو تسعة أو اثني عشر. ينظر: معجم البلدان لياقوت (3/212).
([5]) بفتح التاء أي لا تتذوقوا.
([6]) ولنا عليه شرح مفصل في كتابنا «الفيض الجاري بشرح أحاديث ثلاثيات البخاري»، فلينظر.