السبت فبراير 14, 2026

بسم الله الرحمٰن الرحيم

خطبة الجمعة عن الأشاعرة والماتريدية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه من بعثه الله رحمة للعالمين هاديا ومبشرا ونذيرا بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا من أنبيائه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.

أما بعد عباد الله أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله العلي العظيم فاتقوه وأوصيكم بالثبات على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم والتزام سبيل المؤمنين يقول الله تعالى في القرءان الكريم ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما رواه الترمذي وغيره «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة» وقال عليه الصلاة والسلام «وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة» أي السواد الأعظم أي جمهور الأمة كما في رواية «كلهم في النار إلا السواد الأعظم».

أحبابي لقد بين لنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة سيحصل فيها اختلاف وأنها ستختلف إلى فرق وأن كلها في النار إلا واحدة وبين لنا أيضا كيف نميز هذه الواحدة بالعلامة الظاهرة وهي أنها الجماعة أي السواد الأعظم أي جمهور الأمة أي أكثرها وأغلبها والحمد لله على ذلك. فجمهور الأمة المحمدية من زمنه عليه السلام إلى زماننا على الهدى من حيث أصل المعتقد وإن اختلفوا في بعض الفروع فكلهم على توحيد الله وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين وتنزيهه عن الحجم والجهة والحد والمكان وكلهم على اعتقاد أن الله هو خالق كل شىء من الأعيان والأعمال وأن أعمال العباد بخلق الله لا بخلق العباد إنما بكسبهم وكلهم على اعتقاد أنه لا يدخل شىء في الوجود إلا بمشيئة الله وعلمه وقدرته وأنه لا يمكن أن يحصل شىء لم يرد الله حصوله وأن الخير والشر كليهما بمشيئة الله وتقديره وأن الله أرسل الأنبياء مبشرين ومنذرين وأن أولهم ءادم وءاخرهم سيدنا محمد إمام المرسلين وسيد ولد ءادم أجمعين وأن الأنبياء اصطفاهم الله وخصهم بالحفظ والعصمة من الكفر وكبائر الذنوب وصغائر الخسة وسائر الخسائس والأمراض المنفرة وكلهم يؤمنون بالجنة والنار أنهما موجودتان وباقيتان إلى ما لا نهاية له وكلهم مقرون بالبعث والحشر والحساب والعقاب وسائر ما ثبت وروده في الشرع ولم يشذ عنهم إلا شرذمة من أهل النار قليلة جدا إذا ما قورنت بالسواد الأعظم فمنهم المجسمة الذين وصفوا الله بأوصاف الأجسام ونسبوا لله الحجم والمكان والأعضاء والحركة والانتقال والتغير والانفعال والصعود والنزول وغير ذلك من أوصاف المخلوقين فخرجوا عن دائرة التوحيد ووقعوا في الكفر الشنيع ومنهم المرجئة والقدرية الذين أخبر عنهم الرسول فقال «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية» رواه الترمذي، والمرجئة فرقة ظهرت في الماضي وانقرضت كانوا يقولون كلاما هو ضد الدين كانوا يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب أي بزعمهم مهما فعل المؤمن من الذنوب لا مؤاخذة عليه في الآخرة فكذبوا الدين وخرجوا بذلك عن دائرة المسلمين. أما القدرية فقد روى أبو داود في سننه عن الصادق المصدوق أنه قال فيهم «لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر من مات منهم فلا تشهدوا جنازته ومن مرض منهم فلا تعودوهم وهم شيعة الدجال وحق على الله أن يلحقهم بالدجال» فالقدرية هم الذين يكفرون بالقدر أي ينكرون تقدير الله لبعض الأشياء وقد قال العلماء إن من قال عن شىء واحد إنه يحصل بغير مشيئة الله فقد كفر. ومن الفرق التي شذت عن جماعة المسلمين الخوارج الذين قالوا بكفر مرتكب الكبيرة بل منهم من يكفر الحاكم إذا حكم بغير الشرع وإن لم يستحل ذلك ولو في مسئلة واحدة بل يكفرون الرعية كذلك وافقوهم أم لا إلا من ثار عليهم وقاتلهم واستحلوا بناء على ذلك دماء المسلمين وأموالهم ونتج بسببهم أنواع الفتن والدمار على مر العصور.

إخوة الإيمان في القرن الثالث الهجري كثرت الفرق الشاذة فقيض الله تبارك وتعالى في أواخر ذلك العصر إمامين أحدهما عربي والآخر أعجمي، أما العربي فهو أبو الحسن الأشعري وكان بالعراق وأما الأعجمي فهو أبو منصور الماتريدي وكان ببلاد فارس فقاما وتلاميذهما من بعدهما بالرد على الفرق الشاذة وتقرير العقيدة الصحيحة بالأدلة والبراهين حتى انحسر أهل الضلال وانكسروا فنسب إليهما أهل السنة فصار يقال لأهل السنة أشعريون وماتريديون وشاهد الوجود أي الواقع المشاهد يشهد على ذلك فلو نظر المحقق إلى علماء الأمة في مختلف العلوم من زمن هذين الإمامين إلى زماننا لوجد أنهما إما أشاعرة أو ماتريدية والحمد لله على ذلك.

أحبتى روى الحاكم في المستدرك وغيره أنه لما نزل قوله تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لآئم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هم قومك يا أبا موسى وأومأ بيده إلى أبي موسى الأشعري» وقال الإمام القشيري «أتباع أبي الحسن الأشعري من قومه».

وروى الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن الصادق المصدوق حبيب رب العالمين أنه قال «لتفتحن القسطنطينية ولنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش» ولقد فتحت القسطنطينية بعد ثمانمائة عام، فتحها السلطان المجاهد محمد الفاتح رحمه الله الذي كان ماتريدي العقيدة كما هو معلوم، فبالله عليكم هل يمدح النبي صلى الله عليه وسلم من خالفه في العقيدة؟ هل يمدح النبي من خالف نهجه وما جاء به من الحق؟ لا والله فهذان الخبران يدلان على أن الأشاعرة والماتريدية هما على الحق والصواب ويكفي شاهدا على ذلك أن ملايين المسلمين في أقطار الأرض على مذهب هذين الإمامين الجليلين فالشافعية بغالبهم والمالكية كلهم وفضلاء الحنابلة وبعض الحنفية أشاعرة وأغلب الحنفية وبعض الشافعية ماتريدية وكلهم متفقون في الأصول لا يختلفون وتوافق أصولهم أصول الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.

فنسأل الله تعالى أن يثبتنا على عقيدة هذين الإمامين الجليلين أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي عقيدة أهل السنة والجماعة وأن يميتنا عليها بجاه الأنبياء والمرسلين هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى إخوانه النبيين والمرسلين. ورضي الله عن أمهات المؤمنين وءال البيت الطاهرين وعن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الأئمة المهتدين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعن الأولياء والصالحين أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم فاتقوه.

واعلموا أن الله أمركم بأمر عظيم، أمركم بالصلاة والسلام على نبيه الكريم فقال ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ اللهم صل على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى ءال سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى ءال سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد، يقول الله تعالى ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾، اللهم إنا دعوناك فاستجب لنا دعاءنا فاغفر اللهم لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين اللهم استر عوراتنا وءامن روعاتنا واكفنا ما أهمنا وقنا شر ما نتخوف. عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. اذكروا الله العظيم يثبكم واشكروه يزدكم، واستغفروه يغفر لكم واتقوه يجعل لكم من أمركم مخرجا، وأقم الصلاة.