الدرس الثامن عشر
حفظ اللسان والتحذير من الردة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وأصحابه أجمعين.
أما بعد فقد قال الله تعالى فى سورة النور ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت اهـ متفق عليه [رواه البخارى ومسلم]. معنى هذا الحديث أنه من كان يؤمن الإيمان الكامل المنجى من عذاب الله الموصل إلى رضوان الله فليقل خيرا أو ليصمت لأن من ءامن بالله حقا خاف وعيده ورجا ثوابه واجتهد فى فعل ما أمره به وترك ما نهاه عنه، ومن ذلك ضبط جوارحه التى هى رعاياه وهو مسؤول عنها كما قال الله تعالى فى سورة الإسراء ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾.
وقد قال رسول الله ﷺ وهل يكب الناس فى النار على وجوههم أو قال على مناخرهم [شك الراوى] إلا حصائد ألسنتهم اهـ رواه الترمذى [فى سننه]. فمن علم ذلك واتقى الله ضبط لسانه حتى لا يتكلم إلا بخير أو يسكت.
فهذا اللسان هو من نعم الله علينا وينبغى أن يستعمل فى ذكر الله وطاعته وفى الحث على الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وفى كل ما يعود على الناس بالنفع والخير. وأما من يطلق العنان للسانه ويسترسل فى المعاصى وإيذاء الآخرين به من غيبة وشتم وسب ولعن بغير حق فإنما يوقع نفسه فى المهالك.
ولا بد من أن نذكر أن أشد معاصى اللسان وأخطرها على الإطلاق الكفر كسب الله وسب الأنبياء والملائكة ودين الإسلام وسب القرءان وتحليل أمر حرام معلوم من الدين بالضرورة أنه حرام كمن يقول عن شرب الخمر أو عن الزنا إنه حلال. ومعنى الأمر المعلوم من الدين بالضرورة الأمر الظاهر بين المسلمين بحيث يعرفه الجاهل والعالم من المسلمين.
ولقد اهتم العلماء بالتحذير من الكفر القولى ومن سائر أنواع الكفر ونصوا على ذلك فى كتبهم [كرسالة البدر الرشيد الحنفى والقاضى عياض فى الشفا وغيرهما]، ومن هؤلاء الإمام النووى رضى الله عنه والشيخ عبد الباسط الفاخورى رحمه الله تعالى الذى كان مفتيا لولاية بيروت فى أيام العثمانيين منذ نحو مائة سنة.
وقد ثبت عن أحد الصحابة وهو عبد الله بن مسعود أنه أخذ بلسانه وخاطبه يا لسان قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول أكثر خطايا ابن ءادم من لسانه اهـ رواه الطبرانى [فى المعجم الكبير]. ومن هذه الخطايا الكفر والكبائر. وقال رسول الله ﷺ إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوى بها فى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب اهـ رواه البخارى ومسلم. فالإنسان قد ينطق بكلمة يظن أنه لا بأس بها ولا تضره شيئا يهوى بسببها إلى قعر جهنم والعياذ بالله تعالى وهى كلمة الردة أى الكلمة التى يخرج بها من الإسلام. قال الله تعالى فى سورة البقرة ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾.
والردة ثلاثة أقسام كفر اعتقادى وكفر فعلى وكفر قولى كما قسمها النووى وغيره من شافعية وحنفية ومالكية وحنابلة وغيرهم وذلك مصداق قوله ﷺ إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوى بها فى النار سبعين خريفا اهـ رواه الترمذى [فى سننه] أى يهوى مسافة سبعين عاما فى النزول وذلك منتهى جهنم وهو خاص بالكفار. ومعنى لا يرى بها بأسا أى لا يرى بها ضررا فبعض الناس الذين لا يبالون ولا يهتمون بضبط ألسنتهم وحفظها عن الكفر يسارعون إلى التسخط [أى عدم الرضا والاعتراض] على الله عند أى حادث يقع لهم أو مصيبة تحل بهم وربما سبوا الله تعالى أو الرسول ﷺ أو دين الإسلام وهم فى الحقيقة يوقعون أنفسهم فى الكفر الذى هو أكبر ذنب وهو الذنب الذى لا يغفره الله لمن مات عليه، قال تعالى فى سورة محمد ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم﴾ فماذا يجنى هؤلاء الهالكون المتهورون حين يسبون الله ويستهزؤون بالأنبياء والملائكة والشرع الحنيف إنما يكتسبون الخطيئة وفيها المذلة والمهانة والخسران.
قال الغزالى رحمه الله تعالى اللسان جرمه صغير وجرمه كبير اهـ وقيل مثل اللسان مثل السبع إن لم توثقه عدا عليك اهـ [ذكره النووى فى الأذكار] وقيل للإمام ذى النون المصرى من أصون الناس لقلبه قال أملكهم للسانه اهـ وعلى العاقل أن يفكر فى قول الله تعالى فى سورة ق ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ فإن من فكر فى ذلك علم أن كل ما يتكلم به من الجد والهزل والغضب يسجله الملكان فهل يسر العاقل أن يرى فى كتابه حين يعرض عليه يوم القيامة هذه الكلمات الخبيثة، بل يسوؤه ذلك ويحزنه حين لا ينفع الندم، فليعتن بحفظ لسانه من الكلام بما يسوؤه إذا عرض عليه فى الآخرة.
قال رسول الله ﷺ خصلتان ما إن تجمل الخلائق بمثلهما حسن الخلق وطول الصمت اهـ رواه ابن أبى الدنيا فى كتاب الصمت.
وقد قال الحافظ ابن حبان رحمه الله يا ابن ءادم أنصف لسانك من أذنيك واعلم إنما جعل لك لسان وأذنان لتسمع أكثر مما تقول اهـ
أخى المسلم، ينبغى على كل عاقل أن يستعمل نعمة اللسان التى أنعم الله بها عليه فى قول الحق وذكر الله وتلاوة القرءان وفى الطاعات والخيرات حتى ينور قلبه وتنجلى عنه الظلمات التى تأتى من كلام الشر وقول الباطل.
وكما أن السكوت فى وقته صفة حميدة كذلك فإن الكلام فى موضعه خصلة محمودة. فإن من يسمع الكفر بأذنيه ويسكت عن إحقاق الحق وإنكار المنكر مع قدرته عليه إنما يسعى إلى حتفه وهلاكه، ومثل الكفر باقى المنكرات.
اللهم إنا نسألك أن تبعدنا عن الكفر والفسوق والفجور والكلام الفاسد ونسألك أن تعيننا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.