الدرس الخامس والعشرون
حرمة الكبر والحض على التواضع
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وشرف وكرم وسلم عليه وعلى ءاله تسليما كثيرا.
أما بعد فإن الله تبارك وتعالى رضى لعباده التواضع فقد قال رسول الله ﷺ من تواضع لله رفعه اهـ رواه مسلم بن الحجاج فى الصحيح، ولذلك كان خلق الأنبياء التواضع لله تعالى بالتخلق بالتواضع مع المؤمنين.
وروينا فى مسند الإمام أحمد وغيره أن رسول الله ﷺ قال أنا زعيم ببيت فى الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا اهـ فالمراء وهو الجدال الذى لا يراد به إحقاق الحق وإبطال الباطل الجدال الذى ليس لوجه الله تعالى بل يراد به إخفاء الحق أو يراد به التعاظم على الناس والترفع عليهم مذموم ممقوت عند الله تعالى ويوجب البعد من الله.
كان الإمام الشافعى رضى الله عنه يقول إنى أجادل المرء لا أحب أن أكسره إنما أحب أن يظهر الحق ولو فى جانبه فكان الإمام الشافعى قصده من جداله إظهار الحق ولم يكن قصده تهشيم الذى يجادله كما يكون قصد كثير من الناس عندما يجادلون وهذا من ذميم الخصال لا يحبه الله تعالى، وإلى ذلك يدل حديث رسول الله ﷺ الذى رواه ابن حبان فى الصحيح ليس الشديد الذى يغلب الناس ولكن الشديد من غلب نفسه اهـ ومعنى من غلب نفسه أى يقهرها حتى لا يكون قصدها الرياء والتميز عن الناس والترفع عليهم، فمن غلب نفسه ومنعها عن الترفع على الناس وكان يرى فى كل ما يحدث أنه لا يحدث إلا بمشيئة الله تعالى وعلمه الأزليين الأبديين وشهد ذلك شهودا ذوقيا ابتعد عن حب العلو فى الأرض وعلى الناس لأنه أيقن أنه لا تكون منفعة ولا مضرة إلا بمشيئة الله فكان همه وقصده فى معاملاته مع الناس أن يقرب الله له الخير ويبعده من الشر لأن الله هو مالك الأمر فيكون هم هذا العبد المؤمن الذى أيقن بذلك إيقانا كاملا طلب الخير من الله تعالى، قلبه يقول فى أحواله اللهم ءات نفسى تقواها وزكها أنت خير من زكاها. ويقول فى سره أيضا واصرف عنى سيىء الأخلاق إنه لا يصرفها إلا أنت. فهذا العبد الذى لزم تقوى الله وتخلق بهذا الخلق هو الذى يتحقق فيه قول الله تعالى فى سورة النحل ﴿إن الله مع الذين اتقوا﴾ هذه معية خاصة وهى معية النصرة والكلاءة، الله ينصر عبده المؤمن التقى على الشيطان فلا يستولى الشيطان عليه مهما حاول أن يطغيه وينصره على نفسه الأمارة بالسوء. وأما من ابتعد عن هذا الشهود فإنه بين شرين بين شر نفسه الأمارة بالسوء وبين شر شيطانه القرين الذى وكل به والمعصوم من عصمه الله.
من تمسك بهذا الحديث كفى كثيرا من الشرور والمهالك ومن أغفله وابتعد من العمل به فقد وكل إلى نفسه ومن وكل إلى نفسه فقد هلك.
انظروا إلى سير الأنبياء وأخلاقهم، هذا يوسف عليه السلام قد قص الله تعالى فى القرءان الكريم قصته التى فيها حكم كثيرة. ذكر الله تبارك وتعالى لنا عنه أنه لقى من إخوته لأبيه وهم عشرة ما لقى، حاولوا أن يقتلوه حسدا منهم لأنه كانت له محبة فى قلب والده لما اشتمل عليه من محاسن الأخلاق، حاولوا أن يقتلوه ثم عدلوا عن القتل إلى أن يلقوه فى الجب أى البئر فألقوه فحفظه الله تعالى من الهلاك ومن أن يعطب فى هذه البئر، ثم ءال أمرهم إلى أنهم صاروا محتاجين إليه، صاروا يذهبون من أرضهم إلى مصر ليجلبوا الطعام من شدة حاجتهم إليه، ثم هو عرفهم فلم ينتقم منهم بقتل ولا قطع أطراف ولا حبس فى السجون وكان قد عرفهم وهم لم يعرفوه ولكن كان أمره معهم بعد عشرات السنين أن أحسن إليهم مع أنه كان قد أوتى مقدرة على الانتقام منهم. ثم هم تابوا، رجعوا إلى الإسلام [هم كانوا خرجوا من الإسلام باستخفافهم بأبيهم نبى الله يعقوب حين قالوا إنك لفى ضلالك القديم] فتاب الله عليهم لكن لا يكونون أهلا للنبوة لأن النبوة لا يستأهلها إلا من نشأ على الخلق الحسن، على الصدق، على الوفاء، على الصيانة، وهؤلاء إخوة يوسف سبقت لهم هذه السوابق الخبيثة فلا يستحق واحد منهم أن ينال النبوة فمن قال من المؤرخين والعلماء إنهم صاروا بعد يوسف أنبياء فقد كذب.
فينبغى للمؤمن أن يقتدى بأنبياء الله فلا يكون مجبولا على حب الترفع على الناس ولا متخلقا بالكبر بل يكون خلقه التواضع، وفى ذلك جاء حديث حسن الإسناد رواه الترمذى فى جامعه أن رسول الله ﷺ قال اللهم أحينى مسكينا أى متواضعا وأمتنى مسكينا أى واجعل ءاخر أحوالى فى الدنيا التواضع واحشرنى فى زمرة المساكين اهـ [رواه الترمذى فى سننه] أى المتواضعين، وليس معنى الحديث أن لا يرزقه كفايته لأن الله تعالى أخبرنا فى القرءان بأنه رزق كفايته، قال الله تعالى فى سورة الضحى ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ ومعنى أغنى أى أناله كفايته فهذا الحديث متفق مع الآية. والذى عناه الرسول ﷺ أن يكون مسكينا بمعنى المتواضع.
هذا أبو بكر الصديق رضى الله عنه اجتمع عنده المال الكثير، أنفق على رسول الله ﷺ قبل الهجرة أربعين ألفا والأربعون ألفا فى ذلك الوقت تساوى أضعاف أضعافها فى هذا الزمن ومع ذلك كان من المتواضعين، كان يخف صوته حين يقرأ القرءان، أحيانا ما كان يسمع الناس حين يغلبه البكاء إسماعا جيدا. ومن شأن المتواضع أنه لا يكون ألد إذا جادل [والألد من اشتدت خصومته بحيث تخرج به عن الاعتدال] إنما يحاول أن يتوصل إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل أما الذين يجادلون ليترفعوا على الناس فإنهم فى خطر عظيم لأن حب الجدل قد يسوق صاحبه إلى المهالك، قد يخرج به عن الشريعة إلى الباطل الصرف والعياذ بالله. فعلى المؤمن أن يتوخى [أى يتحرى ويقصد] إذا حاول أن يجادل أن يكون كل همه إحقاق الحق وإبطال الباطل ويغلب نفسه من أن يتغير قصده إلى حب الترفع على الناس ونصرة رأيه بحق أو باطل.