الخميس يناير 29, 2026

حُبُّ المالِ وجمعُهُ – المالُ الممدوحُ والمالُ المذموم

يا عُشّاق الحبيب محمّد… يا أحباب الله ورسوله المصطفى ﷺ

اعلموا أن هذه الدنيا متاع الغرور وهي غرارة كذابة خائنة تضحك على أهلها، أيامها سريعة الزوال وساعاتها تمضي كالخيال، وإن فتن هذه الدنيا كثيرة ولكن الأموال فيها من أعظم فتنها وأطم محنها. قال الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)} [سورة آل عمران].

وقال سبحانه وتعالى: {المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (46)} [سورة الكهف].

يا عُشّاق الحبيب محمّد.. يا أحباب اللهِ ورسوله

والله – يا إخوتي- هذه الدنيا لا تغني عن الآخرة شيئاً، ولا تستحق أن نعصي الله تعالى لأجلها، وكذلك مال الدنيا بأسره لا يستحق أن نعصي خالقنا لأجله، ولكن اعلموا أن من الناس من أعمى حب الدنيا وحب المال قلوبهم، وفتنهم المال وحب المال وحب الدنيا، فعصوا بسبب ذلك خالقهم فسخط الله عليهم واستحقوا عقابه، لذلك قال الرسول الأعظم ﷺ: “لكل أمةٍ فتنة وفتنةُ أمّتي المال” رواه الترمذي.

وقال الله تعالى: {وَتُحِبُّونَ المَالَ حُباًّ جَماًّ (20)} [سورة الفجر /20].

وقال تعالى في وصف الكافر: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)} ([1]) [سورة العاديات].

يا عُشّاق الحبيب محمّد…. يا أحباب الله ورسوله

أما الحديث والكلام عن المال وأنواعه فاعلموا أن هناك مالاً ممدوحاً ومالاً مذموماً ، فأما المال الممدوح فهو المال الذي يجمعه الشخص ويكتسبه من طريق حلال غير محرم ويصرفه في طريق حلال لا يسخط الله تعالى، وهذا المال هو نعم المعونة للرجل الصالح لأنه يساعده على فعل الخير والطاعات، سواء صرفه هذا الشخص في حاجات نفسه بنية ستر نفسه وإعفافها عن الحرام أو تصدق به على الفقراء والمحتاجين أو صرفه في أعمال الخير التي يحبها الله تعالى ويرضاها، أو انفقه على أولاده أو أبويه أو زوجته أو غيرهم من أقاربه وكانت نيته حسنة لله تعالى، وكان مخلصاً لله تعالى في إنفاقه لا يريد محمدة الناس والثناء عليه، فهذا له الأجر والثواب الجزيل من الله عز وجل في الآخرة.

وفي هذا يقول حبيبنا محمد النبيّ الأعظم ﷺ: “نعم المال الصالح للرجل الصالح” رواه الإمام أحمد وابن حبان.

والمال الصالح هو الذي يجمعه الشخص ويكتسبه بطريق حلال، وأما الرجل الصالح فهو الإنسان المؤمن الذي يقوم بحقوق الله تعالى، وحقوق العباد، بأن يعرف هذا الشخص المؤمن ما افترض الله تعالى عليه فيؤديه ويعرف ما حرم الله تعالى عليه فيتركه ويجتنبه.

فهذا المال الممدوح الحلال الذي يصرفه الإنسان المسلم على الوجه الذي يرضاه الله تعالى ويحبه هو نعمة عظيمة من الله تعالى على هذا العبد المؤمن، لذلك فليحمد هذا العبد الله تعالى على ذلك لأنه تبارك وتعالى هو الذي وفقه وأقدره على إنفاق هذا المال في عمل الخير والطاعة وأعدّ له الثواب الجزيل على عمله هذا في الآخرة.

قال الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)} [سورة البقرة].

يا عاشقي الحبيب محمّد…. يا أحباب الله ورسوله

إن الله تبارك وتعالى أمر عباده بأن يأكلوا من الأرض الحلال الطيب الطاهر من كل شبهة ولا يتبعوا طرق الشيطان التي يدعوهم إليها فيقعوا في الحرام وفيما يسخط الله تعالى ومن ذلك أكل مال الحرام، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168)} [سورة البقرة].

وقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)} [سورة البقرة].

{وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ } [سورة البقرة: 188].

يا عُشّاق الحبيب محمّد يا أحباب الله ورسوله

أما عن بيان المال المذموم فهو المال الذي يجمعه الشخص ويكتسبه من طريق محرم أو ليفخر به على الناس أو ليتكبر به عليهم.

واعلموا – يا إخوتي ويا أحبابي- أن طرق مال الحرام كثيرة منها ما هو معروف لدى كل مسلم كالسرقة وغيرها ومنها ما يخفى على كثير من المسلمين، لذلك كان يجب على كل مسلم مكلف أن لا يدخل في شيء في المعاملات والعقود المالية وغيرها حتى يعلم ما أحل الله تعالى منه وما حرم لأن الله تبارك وتعالى كلفنا بأشياء فلا بد من مراعاة ما كلفنا به، وعلى من أراد البيع والشراء أن يتعلم ذلك وإلا أكل الربا الذي حرمه الله تعالى شاء ام أبى. وإننا نرى كثيراً من الناس عند البيع والشراء يلجأون إلى الغش والكذب والحلف بالله كذباً وكذلك يخفون العيب الموجود في البضاعة التي يبيعونها وقد كان الحري بهم أن يتقوا الله تعالى في تجارتهم. لذلك قال رسول الله ﷺ: “التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء” رواه الترمذي.

وهذه يا أحباب رسول الله بشارة عظيمة من حبيبنا محمد ﷺ لمن تعاطى التجارة واتقى الله في تجارته بتجنب ما حرم الله تعالى من أنواع التجارات المحرمة والخيانة والغش والتدليس بأن يوهم المشتري خلاف الحقيقة، والتزم الصدق في وصفه لبضاعته وفي إخباره بالثمن الذي اشترى به بضاعته إن ذكر ذلك، بشارة له بأنه من الذين لا خوف عليهم ولا يحزنون وأما من لم يكن كذلك فهو مستحق للعذاب الأليم.

يا عُشّاق الحبيب محمد… يا أحباب الله ورسوله

يقول نبينا المصطفى ﷺ الذي هو أفصح وأعلم وأكمل خلق الله ومن آتاه الله تعالى جوامع الكلام، وكان إذا تكلم أخذ بالقلوب والبصائر والأبصار: “يقول العبد مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو تصدقت، فأمضيت” رواه مسلم.

وقال عليه الصلاة والسلام: “إن هذا المال حلوة خضرة، فمن أخذ بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى” رواه البخاري.

فالرسول عليه الصلاة والسلام شبه المال بالخضرة الحلوة الحسنة. ثم فصل ﷺ في هذا المال فتبين أن من أخذ المال أي اكتسبه بحقه ووضعه في موضعه كان ذلك المال عوناً له على آخرته لأن الله تبارك وتعالى جعل هذا المال لكسب المثوبات والأجر في الآخرة.

فإذا علمت هذا – يا أخي المسلم- فإياك أن تتبع هوى نفسك الأمارة بالسوء فتأكل مالاً حراماً أو تجمع مالاً حراماً لتقضي به شهوات نفسك، أو تطعم أولادك وأهلك من مال الحرام أو تعلق قلبك بالمال الحرام لتسترسل في النعيم والإكثار في نيل الملذات الدنيوية الفانية، فإن عاقبة المال المذموم وكسب مال الحرام أو قضاء الشهوة بالحرام نار جهنم، وقد قال أحدهم:

تفنى اللذاذةُ ممنْ نالَ صفْوتَها

 

 

مِنَ الحرامِ ويبقى الإثمُ والعارُ

 

تبقى عواقبُ سُوء من مَغَبَّتِها

 

 

لا خيرَ في لذةٍ من بعدِها النارُ

 

يا عُشّاق الحبيب محمّد… يا أحباب الله ورسوله

تذكروا… أن الله تعالى يعطي الدنيا والمال لم يحب ولمن لا يحب ولا يعطي الإيمان والآخرة إلا من يحب، فمن أعطي الدنيا ولم يعط الإيمان فكأنما ما أعطي شيئاً، ومن أعطي الإيمان ولم يعط الدنيا فكأنما ما منع شيئاً. فهذه الدنيا كما أخبر الحبيب المصطفى ﷺ لا تزن عند الله جناح بعوضة ولذلك يرزق فيها الكافر والمؤمن، وليعلم أنه عند الموت كل مال الدنيا بالنسبة للكافر يكون كلا شيء.

يا عاشق الحبيب محمّدٍ… أقبل على المال الحلال وأدبر عن المال الحرام، فهذه الدنيا ساعة فاجعلها طاعة، والنفس طماعة علمها القناعة،… تذكر أن الموت آت قريب وأنك في هذه الدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها، واعلم أن المال الممدوح الذي تحدثنا عنه مبارك فيه ويحبه الله ونعم هذا المال للرجل التقي الصالح كما أخبر حبيبنا وقائدنا محمد ﷺ، وأن المال المذموم الذي تحدثنا عنه غير مبارك فيه ولا يحبه الله تعالى ولبئس هذا  المال لمن التزمه واتصف به.

يا عاشقاً للحبيب محمد…

احرص على جمع المال من طرق الحلال واصرفه في طرق الحلال، وإيّاك ثم إيّاك أن تغرك الدنيا ومال الدنيا، أو يوسوس لك الشيطان ويزين لك مال الحرام والسوء والباطل فتستجيب له وتمشي في هواه، ولا تكن من الصنف الذي ذمه الرسول الأعظم ﷺ حين قال: “ليأتينَّ على الناس زمان لا يُبالي أحدهم بما أخذ من المال بحلال أو حرام” رواه البخاري في الصحيح.

 

دُعاء ومناجاة…

… اللهُمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك وأغننا بفضلك عمن سواك… اللهُمَّ ارزقنا الحلال وبارك لنا فيه وباعد بيننا وبين الحرام كما باعدت بين المشرق والمغرب.

اللهُمَّ نسألك حبّك وحُبَّ من يحبّك والعمل الذي يبلغنا حبّك.

اللهُمَّ اجعل حُبّك أحبَّ إلينا من أنفسنا وأهالينا ومن الماء البارد.

([1] ) معنى الخير هنا المال الكثير.