الخميس فبراير 19, 2026

الدرس العاشر

حق الرجل على المرأة وحق الوالدين

 

     الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وسلم.

     أما بعد فقد روينا بالإسناد المتصل فى كتاب المستدرك للحاكم من حديث عائشة رضى الله عنها قالت قال رسول الله أعظم الناس حقا على المرأة زوجها وأعظم الناس حقا على الرجل أمه اهـ حديث صحيح صححه الحاكم وغيره وفيه بيان أعظمية حق الرجل على امرأته على حق غيره لذلك حرم الله عليها أن تخرج من بيته بلا إذنه لغير ضرورة وحرم عليها أن تدخل بيته من يكرهه فليس لها أن تدخل من يكرهه زوجها بيته إن كان قريبا لها أو بعيدا وحرم الله عليها أيضا أن تمنعه حقه من الاستمتاع وما يدعو إلى ذلك من التزين إلا فى حالة لها فيها عذر جسمانى أو شرعى، والعذر الجسمانى كأن تكون مريضة لا تطيق أن تعطيه ما يطلب منها والعذر الشرعى كأن تكون حائضا أو نفساء أو تكون فى حال يضيق وقت الصلاة عليها إن أجابته إلى ما طلب منها. وفيه أيضا بيان عظم حق الأم على الرجل لأنها أعظم الناس حقا عليه فهى أولى بالبر من سائر الناس وفى حكم الرجل المرأة غير ذات الزوج فإنها أولى الناس عليها بطاعتها فهى أى المرأة غير ذات الزوج والرجل فى هذا سواء فيفهم من ذلك أنه إذا لم يستطع الرجل أن ينفق على أبيه وأمه الفقيرين قدم الأم أى أنفق على الأم لعجزه عن نفقة الأب مع الأم أما من كان مستطيعا للإنفاق عليهما أنفق عليهما جميعا فرضا ووجوبا.

     ولا يسقط بر الأب والأم عن الولد لكونهما أساءا إلى الولد فى الصغر فمن أضاعه أبوه أو أمه فى حال صغره فقطع عن الإحسان والنفقة ثم كبر الولد فليس له أن يقابل تلك الإساءة بالإساءة ولا يجوز له أن يقول هما لم يرحمانى وأنا صغير بل أضاعانى وسلمانى للجوع والعطش والعرى فأنا اليوم أعاملهما بالمثل فإن فعل ذلك وقع فى وزر كبير وهو وزر العقوق الذى قال فيه رسول الله ثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والديوث ورجلة النساء اهـ [رواه البيهقى فى السنن الكبرى والديوث هو الرجل الذى يعلم أن امرأته تزنى ويسكت ولا يحول بينها وبين الزنا مع المقدرة على ذلك أو هو يجلب لها الزناة، ورجلة النساء أى المرأة التى تتقصد أن تتشبه بالرجال فهذه عذابها شديد اهـ قاله الشيخ عبد الله] فهذا الولد الذى أضاع والديه فى حال كبرهما واحتياجهما إليه لفقرهما لأنهما كانا أضاعاه فى صغره فلم يعطفا عليه فعاملهما بالمثل فأضاعهما يكون فى جملة العاقين ويستحق هذا العذاب الشديد وهو أنه لا يدخل الجنة مع الأولين بل يدخلها بعد العذاب مع الآخرين هذا إن ختم له بالإسلام وإلا فلا يدخل الجنة ألبتة ولا فرق فى هذا بين الرجل والأنثى وإنما الخير الذى يكسب الإنسان البر الأعظم للوالدين هو أن يخالف نفسه ويبرهما مع أنهما ضيعاه فى صغره وهذا أعظم ثوابا من الولد الذى يبر أبويه فى حال كبرهما وفقرهما وهما كانا يحسنان إليه ويعطفان عليه ويرعيانه بالشفقة والرحمة والترفيه أى التوسيع عليه بالنفقة والملبس وغير ذلك فى صغره. وكذلك سائر الرحم فمن وصل رحمه التى كانت تقطعه فهو أعظم أجرا عند الله من صلة الرحم التى تصله وهذا الأمر كثير من الناس يغفله ولا يفعله بل هذا أكثر أحوال الناس اليوم يقطعون رحمهم الذى كان لا يصلهم فيقول أحدهم هم لا يعرفوننى فأنا أيضا لا أعرفهم. هذا محروم، محروم من خير كثير.

     ثم الرحم من كان ذا قرابة من الشخص، وأولى الرحم هم الأبوان ثم الجد والجدة والبنون وبنو البنين والبنات وأولاد البنات ثم الأخوال والخالات والأعمام والعمات.

     ثم من مداخل الشيطان التى يدخل منها إلى الإنسان لإهلاكه أنه إذا حصل شقاق بين الأبوين وكان أحدهما ظالما يحمله الشيطان على التحزب لمن هو ظالم منهما فيقول لازم على [أى ألزم ذلك أى أفعله] أن أنتصر لأمى على أبى فيظلم أباه أو يقول العكس لازم أن أنتصر لأبى وأتحزب له وهو الظالم وكلا الأمرين من موجبات اللعنة، كلا الأمرين يوجب اللعنة والناجى من سلم من ذلك كله.

     ومن الحكايات التى تدل على عظم بر الأم أن رجلا من الصالحين المشهورين يعرف ببلال الخواص قال كنت فى تيه بنى إسرائيل [أى الموضع الذى تاه فيه بنو إسرائيل لما رفضوا القتال مع سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام] فوجدت رجلا يماشينى فألهمت أنه الخضر فسألته عن مالك بن أنس فقال هو إمام الأئمة ثم سألته عن الشافعى فقال هو من الأوتاد ثم سألته عن أحمد بن حنبل فقال هو صديق قال فسألته عن بشر الحافى قال ذاك لم يخلق مثله بعده قال فقلت له أسألك بحق الحق من أنت فقال أنا الخضر قلت ما هى الوسيلة التى رأيتك بها قال برك بأمك اهـ [انظر تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر] المعنى أن الفضيلة التى جعلتك أهلا لرؤيتى هى كونك بارا بأمك.