حكم التجسيم والمجسمة عند الحنفية:
قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه([1]): «من اعتقد حدوث صفة من صفات الله أو شك أو توقف كفر» اهـ.
ونقل الإمام الطحاوي رضي الله عنه في رسالته التي هي ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على حسب ألفاظ أبي حنيفة والقاضي أبي يوسف ومحمد بن الحسن فقال: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر» اهـ. وأظهر معاني البشر الجسمية. وكلام الطحاوي في غاية الأهمية فهو من علـماء الحديث ومن علـماء الفقه، وهذه العقيدة تدرس في أنحاء الأرض في الـمعاهد والجامعات الإسلامية، يقول رضي الله عنه في رسالته ما نصه: «تعالى ـ أي الله ـ عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر الـمبتدعات» اهـ. وقد تقدم بيانه.
وورد في كتاب كشف الأسرار شرح أصول البزدوي([2]) قوله([3]): «إن أبا حنيفة قال لجهم بن صفوان المجسم([4]): «اخرج عني يا كافر» اهـ.
وقال ابن أمير الحاج الحنفي([5]): «ولا تقبل شهادة المجسمة لأنهم كفرة» اهـ.
وقال الملا علي القاري([6]): «من اعتقد أن الله لا يعلم الأشياء قبل وقوعها فهو كافر…، وكذا من قال بأنه سبحانه جسم وله مكان ويمر عليه زمان ونحو ذلك كافر، حيث لم تثبت له حقيقة الإيمان» اهـ.
ولم يحد علماء المذهب عن معتقد الإمام أبي حنيفة في تنــزيه الله تعالى عن الجسم والهيئة والطول والعرض، ولا عبرة بشذوذ بعض من ينتسب إلى مذهبه مممن فتن بمجسمة العصر الوهابية([7]) وبابن تيمية المجسم الذي كان في القرن السابع الهجري وما شأنهم في ذلك إلا كنقطة في بحر. ومن أولئك المنحرفين ابن أبي العز الحنفي([8]) الذي تبع ابن تيمية فشرح العقيدة الطحاوية على خلاف منهج أهل الحق عامة وأهل مذهبه خاصة، فقد حشا شرحه وملأه بضلالات ابن تيمية حيث كان كالظل له.
ومما ذكره ابن أبي العز المشبه([9]) في هذا الشرح من عقيدة ابن تيمية زعمه أن أهل السنة يقولون بفناء النار، فيكون عنده وعند ابن تيمية وعند مجسمة العصر عذاب الكفار والمشركين الذين حاربوا اللـه وأنبياءه في نار جهنم ينتهي وينقطع، مكذبين قول الله تعالى: ولا يخفف عنهم من عذابها {36} (فاطر)، وقوله خالدين فيها أبدا {23} (الجن).
ومما ذكره([10]) أيضا من عقيدة ابن تيمية قوله بأزلية نوع العالم الذي أخذه ابن تيمية عن الفلاسفة الذين قالوا: إن الله لم يخلق نوع العالم إنما خلق الأفراد فقط، والعياذ بالله.
وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه([11]): «نقر بأن الله على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة إليه واستقرار عليه، وهو الحافظ للعرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان محتاجا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوق، ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله تعالى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» اهـ.
وقال رضي الله عنه كذلك([12]): «كان الله ولا مكان، كان قبل أن يخلق الخلق، كان ولم يكن أين ولا خلق ولا شىء، وهو خالق كل شىء» اهـ.
وقال رضي الله عنه أيضا([13]): «فمن قال: لا أعرف ربي أفي السماء هو أم في الأرض فهو كافر، كذلك من قال: إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض» اهـ.
وإنما كفر الإمام قائل هاتين العبارتين لأنه يلزم القائل بذلك جعل الله مختصا بالجهة والتحيز، وكل ما هو مختص بالجهة والتحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة أي بلا شك، وليس مراده كما زعم المشبهة إثبات أن السماء والعرش مكان لله تعالى، بدليل كلامه السابق الصريح في نفي الجهة عن الله ـ وقد نقلنا ذلك ـ، ومن ذلك قوله: «ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان» اهـ. ففي هذا إشارة من الإمام رضي الله عنه إلى إكفار من أطلق التشبيه والتحيز على الله، كما قال العلامة البياضي الحنفي([14]) والشيخ الكوثري([15]) وغيرهما. وقد قال الإمام البياضي في كتابه إشارات المرام([16]) الذي ألفه لبيان وشرح كلام أبي حنيفة وما يستفاد منه من الإشارات ما نصه: «ومن وصفه تعالى بكونه جسما: منهم من قال إنه جسم أي موجودا لا كالأجسام كبعض الكرامية، ومنهم من قال: إنه على صورة شاب أمرد، ومنهم من قال: على صورة شيخ أشمط، وكل ذلك كفر وجهل بالرب ونسبة للنقص الصريح إليه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا» اهـ.
وقد نقل عدد لا يحصى عن الإمام أبي حنيفة تكفير من يقول([17]): «لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض!» وكذا من قال: «إنه ـ أي الله ـ على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض» منهم الإمام تقي الدين الحصني([18]) والإمام أحمد الرفاعي([19]) وغيرهما، وذكروا أنه كفره لأنه جوز للحق مكانا.
فوضح بعد هذا البيان الشافي أن دعوى إثبات المكان لله تعالى أخذا من كلام أبي حنيفة رضي الله عنه افتراء عليه وتقويل له بما لم يقل. وهذا شأن الجهال المفلسين، إذا عدموا شبه الأدلة عمدوا إلى التزوير والتحريف أو تحوير الكلام وتوجيهه بما يوافق بدعتهم.
ومن العلماء الحنفية الذين كفروا المجسم الشيخ زين الدين الشهير بابن نجيم الحنفي (ت 970هـ) الذي قال ما نصه([20]): «ويكفر بإثبات المكان لله تعالى، فإن قال: الله في السماء، فإن قصد حكاية ما جاء في ظاهر الأخبار لا يكفر، وإن أراد المكان كفر» اهـ.
وقال الإمام الحافظ الفقيه أبو جعفر أحمد بن سلامة الطحاوي الحنفي الذي هو من السلف الصالح (ت321هـ) أول رسالته المسماة العقيدة الطحاوية([21]): «هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة» أي أن هذه هي عقيدة السلف من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين في تنـزيه الله عن الـمكان والجهة والجسمية.
[1] ) كتاب الوصية، ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري، ص2.
[2] ) علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، ت 482هـ، أبو الحسن، فقيه أصولي من أكابر الحنفية. له تصانيف منها: «المبسوط»، و«كنـز الوصول في أصول الفقه» ويعرف بأصول البزدوي، و«تفسير القرآن»، و«غناء الفقهاء» في الفقه. الأعلام، الزركلي، 4/328، 329.
[3] ) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، علاء الدين البخاري، 1/22.
[4] ) جهم بن صفوان الراسبي، أس الضلالة ورأس الجهمية، كان ينكر الصفات ويقول: إن الله تعالى في الأمكنة كلها، يكثر ذكره في كتب التاريخ والفرق، ظهرت بدعته بترمذ، وقتله سالم بن أحوز بمرو في أواخر ملك بني أمية سنة 128هـ، ووافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية، وزاد عليهم بأشياء. الملل والنحل، الشهرستاني، 1/113.
[5] ) التقرير والتحبير، ابن أمير الحاج الحنفي، 6/294.
ابن أمير الحاج هو موسى بن محمد التبريزي، ت 733هـ، أبو الفتح، مصلح الدين، فقيه حنفي. زار دمشق سنة 710 هـ، وسنة 726 هـ، ومر بالقاهرة، وتوفي بوادي بني سالم في طريق الحجاز وهو قاصد زيارة قبر الرسول ﷺ بعد أداء الحج. من كتبه: «الرفيع في شرح البديع» لابن الساعاتي في الأصول. الأعلام، الزركلي، 7/328.
[6] ) شرح الفقه الأكبر، الملا علي القاري، ص271.
[7] ) الوهابية نسبة إلى مؤسس حركتهم الضالة محمد بن عبد الوهاب، كان ابتداء ظهور أمره في الشرق سنة 1143هـ، واشتهر أمره بعد ١١٥٠هـ بنجد وقراها، توفي سنة ١٢٠٦هـ، وقد ظهر بدعوة ممزوجة بأفكار منه زعم أنها من الكتاب والسنة، وكفر الأمة لأنها على غير ما هو عليه من الضلال، وأخذ ببعض بدع تقي الدين أحمد بن تيمية فأحياها، ومنها عقيدة التجسيم لله والتحيز في جهة، وتحريم التوسل بالنبي ﷺ، وتحريم السفر لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والصالحين بقصد الدعاء هناك رجاء الإجابة من الله، وتكفير من ينادي بهذا اللفظ: يا رسول الله أو يا محمد أو يا علي أو يا عبد القادر أغثني أو بمثل ذلك إلا للحي الحاضر، وابتدع من عند نفسه تحريم تعليق الحروز التي ليس فيها إلا القرآن وذكر الله، وتحريم الجهر بالصلاة على النبي عقب الأذان، وأتباعه يحرمون الاحتفال بالمولد الشريف خلافا لشيخهم ابن تيمية.
[8] ) علي بن أبي العز الحنفي، ت 792هـ، كان بدمشق، ثم بالديار المصرية، ثم بدمشق وكان من المجسمة. الأعلام، الزركلي، 4/313. الدرر الكامنة، ابن حجر 1/372.
[9] ) ذكر ذلك عند الكلام على قول الطحاوي: «والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان» اهـ. ص427.
[10] ) ذكر ذلك عند الكلام على قول الطحاوي: «ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق»، ص132.
[11] ) شرح الفقه الأكبر، ملا علي القاري، ص70.
[12] ) الفقه الأبسط، أبو حنيفة، ص57.
[13] ) الفقه الأبسط، أبو حنيفة، ص49.
[14] ) إشارات المرام، البياضي الحنفي، ص 200.
أحمد بن حسن بن سنان الدين البياضي، ت 1098هـ، قاض فاضل، بوسنوي الأصل. ولد في إستانبول وأخذ عن علمائها، وتوفي في قرية قريبة منها. له تآليف بالعربية منها: «إشارات المرام من عبارات الإمام» في فقه الحنفية، و«سوانح العلوم» في ستة فنون، و«الفقه الأبسط». الأعلام، الزركلي، 1/112.
[15] ) التكملة، الكوثري، ص 180.
[16] ) إشارات المرام، البياضي الحنفي، ص 200.
[17] ) الفقه الأبسط، أبو حنيفة، ص49.
[18] ) دفع شبه من شبه وتمرد، تقي الدين الحصني، ص18.
أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز بن معلى الحسيني الحصني تقي الدين، ت 829هـ، فقيه ورع من أهل دمشق ووفاته بها، نسبته إلى الحصن من (قرى حوران)، له تصانيف كثيرة منها: «كفاية الأخيار»، و«دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد». الأعلام، الزركلي، 2/69.
[19] ) البرهان المؤيد، أحمد الرفاعي، ص24.
[20] ) البحر الرائق، ابن نجيم، باب المرتدين، 5/129.
[21] ) النفائس، كمال الحوت، ص9، 12، 13.