الحمد لله رب العالـمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أما بعد، قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين) وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين).
اعلم رحمك الله أنه لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا السلف الصالح ولا التابعين من شارك غير المسلمين في أعيادهم ولا وافقهم ولا تشبه بهم في شيء من ذلك، قال الله تبارك وتعالى (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى) سورة البقرة 120، وقال الله تبارك وتعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) سورة المائدة 51، وقال الله تبارك وتعالى (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولوكانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) سورة المجادلة 22، وقال الله تبارك وتعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) سورة الممتحنة 1.
روي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت كان رسول الله يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر مما يصوم من الأيام ويقول (إنهما عيدا المشركين فأنا أحب أن أخالفهم) رواه أحمد في مسنده.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن) أي هم المعنيون بهذا الكلام.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من تشبه بقوم فهو منهم) أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان.
قال أبو العالية رفيع بن مهران (93 هـ) وطاوس ابن كيسان (106 هـ) ومـحمد بن سيرين (110 هـ) والضحاك بن مزاحم (100 هـ) والربيع بن أنس (139 هـ) وغيرهم في تفسير قوله تعالى (والذين لا يشهدون الزور) هي أعياد المشركين.
وسئل الإمام أحمد بن حنبل (241هـ) عن الرجل تكون له المرأة النصرانية يأذن لها أن تخرج إلى عيد النصارى؟ قال لا.
وقال عبد الـملك بن حبيب (238 هـ) صاحب كتاب الواضحة أحد كبار أعمدة المالكية فى كلام له (فلا يعاونون على شىء من عيدهم لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم وينبغي للسلاطين ان ينهوا المسلمين عن ذلك وهو قول مالك وغيره لم أعلم أنه اختلف فيه).
وقال أبو حفص الكبير (264 هـ) (لو أن رجلا عبد الله خمسين سنة ثم جاء يوم النيروز وأهدى لبعض المشركين بيضة يريد به تعظيم ذلك اليوم فقد كفر وحبط عمله).
وروى أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد الخلال البغدادي الحنبلي (311 هـ) في الجامع بإسناده عن مـحمد بن سيرين (110 هـ) في قوله تعالى (والذين لا يشهدون الزور) هو الشعانين وهو عيد للنصارى وكذلك عن مـجاهد بن جبر (102 هـ) وفي معنى هذا ما روي عن عكرمة البربري مولى ابن عباس (105هـ) والضحاك بن مزاحم (100 هـ).
قال أبو القاسم هبة الله بن الحسين الطبري الفقيه الشافعي (418هـ) (ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم لأنهم على منكر وزور وإذا خالط أهل المعروف أهل المنكر بغير الإنكار عليهم كانوا كالراضين به المؤثرين له فنخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعم الجميع نعوذ بالله من سخطه، ثم ساق من طريق ابن أبي حاتم حدثنا الأشج ثنا عبد الله بن أبي بكر عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة (والذين لا يشهدون الزور) قال لا يـمالئون أهل الشرك على شركهم ولا يخالطونهم، ونحوه عن الضحاك.
وقد ذكر البيهقي (458هـ) في سننه بابا سماه باب كراهية الدخول على أهل الذمة في كنائسهم والتشبه بهم يوم نيروزهم ومهرجانهم (أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنبأ أبو بكر القطان ثنا أحمد بن يوسف السلمي ثنا محمد بن يوسف ثنا سفيان عن ثور بن يزيد عن عطاء بن دينار قال قال عمر رضى الله تعالى عنه لا تعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنـزل عليهم).
(وأخبرنا أبو بكر الفارسي أنبأ أبو إسحاق الأصفهاني ثنا أبو أحمد بن فارس ثنا محمد بن إسماعيل قال قال لي بن أبي مريم ثنا نافع بن يزيد سمع سليمان بن أبي زينب وعمرو بن الحارث سمع سعيد بن سلمة سمع أباه سمع عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه قال (اجتنبوا أعداء الله في عيدهم)).
وسئل القاضي ابن رشد رضي الله عنه هل يحل عمل شيء من هذه الملاعب التي تصنع في النيروز من الزفافات والكمادين وما يشبهها وهل ثمنها حلال لصانعها أم لا؟ فأجاب على ذلك بأن قال لا يحل عمل شيء من هذه الصور، ولا يجوز بيعها، ولا التجارة بها، والواجب أن يمنعوا من ذلك.
وأخرج أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي (463 هـ) عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى (والذين لا يشهدون الزور) قال أعياد المشركين.
وقال أبو الحسن الآمدي (631هـ) (لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود، نص عليه أحمد في رواية مهنا واحتج بقوله تعالى (والذين لا يشهدون الزور) قال الشعانين وأعيادهم.
وقال جمال الدين الزيلعي (726 هـ) الحنفي في كتابه تبيين الحقائق 6 – 228 (والإعطاء باسم النيروز والمهرجان حرام بل كفر، أي إعطاء الهداء باسم هذين اليومين تعظيما لهما، وهذان اليومان من أشهر أعياد الفرس).
وقال موسى الحجاوي (968هـ) صاحب كتاب الإقناع في المذهب الحنبلي (ويـحرم شهود عيد اليهود والنصارى وبيعه لهم فيه ومهاداتهم لعيدهم).
وقال أبو عبد الله محمد العبدري الفاسي المالكي المعروف بابن الحاج أحد جهابذة الصوفية المتوفى سنة 737 هجرية فى كتابه المدخل، الجزء الثاني، ص 46-48 ما نصه (فصل فى ذكر بعض مواسم أهل الكتاب فهذا بعض الكلام على المواسم التى ينسبونها إلى الشرع وليست منه وبقي الكلام على المواسم التى اعتادها أكثرهم وهم يعلمون أنها مواسم مختصة بأهل الكتاب فتشبه بعض أهل الوقت بهم فيها وشاركوهم فى تعظيمها، وليس ذلك فى العامة خصوصا، ولكنك ترى بعض من ينتسب إلى العلم يفعل ذلك فى بيته ويعينهم عليه ويعجبه منهم ويدخل السرور على من عنده فى البيت من كبير وصغير بتوسعة النفقة والكسوة على زعمه، بل زاد بعضهم أنهم يهادون بعض أهل الكتاب فى مواسمهم ويرسلون إليهم ما يحتاجونه لمواسمهم فيستعينون بذلك على زيادة كفرهم ويرسل بعضهم الخرفان وبعضهم البطيخ الأخضر وبعضهم البلح غير ذلك مما يكون فى وقتهم وقد يجمع ذلك أكثرهم، وهذا كله مخالف للشرع الشريف).
(ومن مختصر الواضحة سئل ابن القاسم عن الركوب فى السفن التي يركب فيها النصارى لأعيادهم فكره ذلك مخافة نزول السخط عليهم لكفرهم الذى اجتمعوا عليه، ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئا من مصلحة عيدهم لا لحما ولا إداما ولا ثوبا ولايعارون دابة ولا يعانون على شئ من دينهم، لأن ذلك من التعظيم لشركهم وعونهم على كفرهم وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره، لم أعلم أحدا اختلف فى ذلك). انتهى
فالمسلم عليه أن يلتزم بالشرع ولا ينظر إلى كثرة الجاهلين الغافلين فقد قال السيد الجليل الفضيل بن عياض رضي الله عنه عليك بطريق الهدى وإن قل السالكون واجتنب طريق الردى وإن كثر الهالكون.
اللهم ثبتنا على سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وارزقنا حسن الختام بجودك ومنك وكرمك يا الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم.