الخميس يناير 29, 2026

حفظ اللسان والاستعداد للآخرة

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين وصلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد وعلى ءاله الطيبين الطاهرين.

     روينا فى صحيح ابن حبان أن سفيان بن عبد الله الثقفى رضى الله عنه قال قلت يا رسول الله أخبرنى بشىء أعتصم به قال «قل ءامنت بالله ثم استقم»، قال قلت ما أشد ما تتخوف على فقال «هذا» أى أخذ الرسول بلسانه فقال له «هذا».

     الجزء الأخير من هذا الحديث كثير من الناس لا يعلمون به وهو أن هذا الصحابى الجليل سفيان بن عبد الله الثقفى رضى الله عنه قال يا رسول الله ما أشد ما تتخوف على فقال الرسول «هذا» وأخذ بلسان نفسه، أمسك لسانه وقال «هذا» أى اللسان أشد ما أخاف عليك يعنى أكثر ما يضرك معاصى لسانك.

     النفس لها شهوة كبيرة فى الكلام الذى تهواه من غير تفكير فى عاقبته، ماذا يصيبنى من هذا الكلام فى الآخرة أو فى الدنيا، من غير تفكير فى عاقبة هذا الكلام الناس يتكلمون لذلك الرسول قال أشد ما أخاف عليك لسانك. فى الأول قال له سفيان أخبرنى بشىء أعتصم به أى علمنى أمرا أتمسك به لدينى فقال له الرسول قل «ءامنت بالله ثم استقم» أى اثبت على الإيمان ثم استقم أى اعمل بطاعة الله واجتنب معاصى الله. ثم سفيان سأل عن أشد شىء يهلكه يضره فقال الرسول «هذا» أى أن لسانك هو أشد ما أتخوفه عليك.

     حفظ اللسان أمر مهم، أكثر ما يهلك الإنسان فى الآخرة معاصى اللسان لأن الكلام سهل على اللسان، المشى يحتاج إلى كلفة أما اللسان سهل أن ينطق بما يشاء فأكثر ما يفعله الإنسان من الذنوب هو من اللسان.

     فيجب على الإنسان أن يحفظ لسانه وطريقة حفظ اللسان أن يتفكر الإنسان فى عاقبة ما يخطر له أن يتكلم به، ثم إن لم يكن فيه خطر ينطق به، هذا طريق السلامة.

     أكثر الكفر يكون باللسان، وأكثر العداوات سببها اللسان، وأكثر الخصومات كذلك، وأكثر أسباب التباغض والتقاطع هو اللسان. كل إنسان يحاسب نفسه ويفكر فيما يعود عليه بكلامه الذى يتكلم به قبل أن يتكلم فبذلك السلامة.

     فيما أنزل الله تبارك وتعالى على سيدنا إبراهيم عليه السلام كما أخبر بذلك الرسول عليه السلام، عشر صحائف أمثال أى مواعظ وعبرا ليس فيها أحكام شرعية كالقرءان، القرءان جامع لأحكام وأخبار الأنبياء الأولين وجامع أمور الآخرة وجامع المعاشرة فيما بين الناس وما يكون بين الرجل والزوجة وغير ذلك من المصالح، القرءان شامل للعقيدة والأحكام أما صحف إبراهيم العشر ما كان فيها إلا المواعظ.

     مما كان فى صحف إبراهيم على العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن تكون له أربع ساعات، ساعة يناجى فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكر فيها فى صنع الله وساعة يخلو فيها لمطعمه ومشربه.

     هذه الكلمات فيها موعظة كبيرة فالمطلوب من البالغ العاقل هذه الأمور الأربعة.

     أحدها أن يكون له وقت يناجى فيه الله بالصلاة والذكر، إما بالصلاة وإما بالذكر، هذه مناجاة الله، أى أن هذا أمر مهم.

     والأمر الثانى أن تكون له ساعة يحاسب فيها نفسه أى يتفكر فى نفسه ماذا عملت اليوم من الواجبات من أمور الدين وماذا حصل منى من المعاصى ليتدارك نفسه، إن تذكر أنه أضاع واجبا يتداركه بأدائه وإن تذكر أنه عمل معصية يتدارك نفسه بالتوبة من تلك المعصية.

     والأمران الآخران أحدهما أن يتفكر فى صنع الله أى فى حال نفسه هو كإنسان وفى حال هذه الأرض التى يعيش عليها وفى حال العالم العلوى السماء والنجوم، فإن فى هذا التفكر زيادة اليقين بكمال قدرة الله وفى ذلك تقوية الإيمان وفى ذلك محبة الله وغير ذلك من الفوائد.

     والأمر الرابع هو أنه لا بد له من ساعة يأكل فيها ويشرب. هذه الرابعة قد يغنى الله تبارك وتعالى بعض الصالحين عنها فلا يحتاجون للأكل والشرب، بعض أولياء الله فى أيام الحجاج بن يوسف أخذه ليقتله بالجوع قال احبسوه وأغلقوا عليه الباب، أدخلوه وأغلقوا عليه الباب خمسة عشر يوما ثم فتح الباب وعلى ظنهم أنه مات فوجدوه قائما يصلى فتخوف الحجاج من قتله فأطلقه.

     بعض الأولياء هكذا لا يحوجهم الله تعالى إلى الأكل والشرب، يعطيهم قوة بلا أكل ولا شرب وصحتهم محفوظة، لكن أغلب الناس لا بد لهم من أن تكون لهم ساعة للأكل والشرب. هذا الولى يقال له عبد الرحمٰن بن أبى نعم، وهذا الحجاج الذى فعل به هذا قتل ظلما فى غير معركة مائة وعشرين ألف نفس مسلمة، من أكبر الظلام الذين كانوا من حكام بنى أمية، هذا أظلمهم.

     وسبحان الله والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين وءاله وأصحابه الطيبين.